مقالات الرأي

“إسرائيل” وإيران حين تتحالفان في سورية

منذ أن دخلت إيران إلى سورية، بشكل واضح ومعلن، لقمع ثورة السوريين، بأشكال متعددة، قارب الإعلاميون والسياسيون نتائج هذا الدخول الإيراني، من زاوية تأثيره على “إسرائيل”، وجلّهم توصّل إلى القناعة أن الإسرائيليين يرون في ذلك التدخل تهديدًا لأمن “دولتهم”، معتمدين على تصديقهم البروباغندا الإيرانية، في ادعاءات صناع القرار في طهران، أنهم جاؤوا إلى سورية للتصدي لـ “المؤامرة” التي تستهدف قاعدة الصمود والمقاومة والممانعة، خدمة لمصالح “إسرائيل” وأميركا.

لقد شكّل الخطاب السياسي الإسرائيلي، الواسع إعلاميًا، تدعيمًا لما توصل إليه العدد الأكبر من الإعلاميين والسياسيين العرب، على مختلف أفكارهم السياسية. فالتصريحات الإسرائيلية عن خطر الوجود الإيراني على “الأمن الإسرائيلي” فوق الأراضي السورية شكلت في الغالب مرتكزًا لما ذهب إليه هؤلاء في مقاربتهم لطبيعة العلاقة “التناقضية” بين الطرفين: الإسرائيلي – الإيراني.

ليست المشكلة في تلك المقاربات وقوف أصحابها عند التناقض بين الطرفين، فثمة تناقض أكيد بينهما، لكن حدود هذا التناقض وموضوعاته، وتأثيراته على مستقبل سورية، هو الأمر الذي تم إهماله أو تجاهله، وربما غيابه عن إدراك بعض المحللين، وجزء من “النخب”، تلك هي المشكلة التي زادت من الأعباء على الشعب السوري الذي هبّ من أجل التخلص من الاستبداد، وكان نشيده العفوي والتلقائي تحقيق الحرية والوصول إلى الديمقراطية.

قالت إيران، في الأيام الأولى من تدخلها ضد ثورة الشعب السوري، إنها جاءت إلى سورية من أجل حماية المراقد الشيعية من خطر “الإرهاب الأصولي السني”، وذلك قبل ظهور (القاعدة) ثم (داعش)، وأنزلت جحيمها على رؤوس السوريين العزل، وسرعان ما انتقلت إلى الادعاء أنها تقاتل في سورية ضد الإرهاب، باعتباره يقدم خدمة للاستراتيجية الإسرائيلية نحو سورية القائمة -حسب الادعاء الإيراني- على هدف “إسقاط نظام المقاومة” سلطة بشار الأسد، وطوت، بعد أن وطدت وجود قواتها وميليشياتها الطائفية، شعاراتها حول حماية “المقامات والمراقد الشيعية”، وأبقت على الادعاء أن هدفها هو حماية محور “الممانعة والمقاومة”، وهو ما اعتمدته أدواتها في خطابها المكرور والممجوج.

أما ما لم تقله طهران وميليشياتها، اللبنانية والعراقية والأفغانية، وسواهم، فهو أن انتصار ثورة السوريين على نظام الطاغية يُقوّض حلمها الإمبراطوري، الذي نجحت في بناء ركيزتين له في العراق ولبنان، وانتصار الحرية والديمقراطية في سورية سيخلخل ركيزتيها ويقوضهما، ويجعل الحلم بإمبراطورية فارسية كابوسًا فوق رؤوس ملالي طهران، وما كان لها أن تقول ذلك، لكن سلوكها العملي من العراق إلى لبنان وبينهما ومعهما سورية، تأسَس على ذلك الحلم/ الهدف. وللتستر على تلك الحقيقة كان لا بد لها ولأدواتها الطائفية من “قنابل دخانية” تعمي الأنظار عن الهدف الحقيقي وراء تدخلها ضد الثورة السورية، فجاءت عمليات الاقتراب من حدود الجولان والقيام ببعض المناوشات الخلَبية ضد الانتشار الإسرائيلي هناك.

على الجانب الآخر، كانت “إسرائيل” تُحذّر من البديل الغامض، إذا سقطت سلطة بشار الأسد، وطالما أكد زعماء سياسيون وحزبيون وباحثون من أعلى المستويات، أن أفضل الجبهات أمنًا لإسرائيل كانت جبهة الجولان، التي قام نظام حافظ وبشار من بعده، بضبطها تمامًا بعد انتهاء حرب تشرين 1973، ولم تكن تخشى من المنظمات الأصولية، فهذه المنظمات تؤكد المزاعم الإسرائيلية أمام العالم بأن الخطر الإسلامي الذي يخشاه الغرب، هو أيضًا خطر على “إسرائيل”، وهو ادعاء كاذب، فمنذ صعود القاعدة ومن بعدها (داعش)، لم تقم هذه القوى بأي عملية ضد “إسرائيل”، تمامًا كنظام عائلة الأسد الحاكم في سورية منذ ما يقرب من نصف قرن.

غير أن ما لم تقله “إسرائيل”، منذ انطلاق ثورة السوريين، أنها تخشى من سقوط سلطة الأسد، وامتلاك السوريين لمقدراتهم السياسية والاقتصادية والحقوقية، ما يعني إنتاج بناء ديمقراطي للدولة السورية المنشودة، وفي غضون الثورة، ثم الصراع في سورية وعليها، ركزت الدعاية الإسرائيلية على خطاب يضع “كابوس” الإرهاب، وخطر الانتشار الإيراني على الأراضي السورية، في الدرجة الأولى والأهم في تهديد “الأمن الإسرائيلي”. وما كان للقادة الإسرائيليين أن يفصحوا عن مخاوفهم الحقيقية، إذا سقط نظام الاستبداد في سورية، وولج الشعب السوري في الحقبة الديمقراطية.

نعم، إن المفكرين والمخططين الصهاينة، ثم الإسرائيليين، يخشون تجسيد الديمقراطية في البلاد العربية، خاصة تلك القريبة من فلسطين المحتلة. فالأمن الاستراتيجي الأعلى لـ “دولة إسرائيل” يتطلب تأكيد تفردها بالديمقراطية في واحة العرب والمسلمين البربرية! فهي بترسيخ هذا الادّعاء تبقي لمكانتها على الصعيد الدولي امتيازًا، يجلب لها كل الدعم والتأييد في الأوساط الدولية، هذا من جهة، كما يضمن للداخل الإسرائيلي تماسكًا بوجه خطر “التوحش والاستبداد العربي”، وتمنع حدوث تحولات في المجتمع الاستيطاني، نحو رؤية الواقع العربي المحيط بعيون مختلفة عن الادعاء الذي تستخدمه الأحزاب الصهيونية، قبل نشوء “إسرائيل” وبعد قيام “الدولة”. وبهذا المعنى؛ فإن استراتيجية الأمن الإسرائيلي تقوم على إبقاء محيطها الجغرافي رازحًا تحت الاستبداد، الديني أو “العلماني”، أما التركيز على خطر العسكر والجيوش والتنظيمات المقاتلة، وجعله في المرتبة الأولى والطاغية، لا يعدو كونه محاولة لبث الوعي الزائف على المستويات كافة، داخليًا ودوليًا وإقليميًا. ومنه يمكن ضبط الغموض “البنَاء” الذي مارسته الدعاية الإسرائيلية منذ بدء الثورة السورية، وطالما حذَر الاستراتيجيون في تل أبيب من حدوث واقع جديد في سورية، إذا سقطت سلطة بشار الأسد.

من المؤكد، أن هناك تناقضًا بين نظام ملالي طهران، و”دولة إسرائيل”، في النظر إلى مصالحهما في المنطقة، وفي سورية التي شهدت أحداثًا دراماتيكية معقدة منذ التدخل الإيراني، لكنه تناقض مؤسس على التنافس حول الأدوار الإقليمية للطرفين كليهما. فالتدخل الإيراني لم يأت لتطوير المواجهة ضد “إسرائيل” عبر الانتشار في سورية، كما أن التحذير الإسرائيلي من ذلك الانتشار وتقديمه كخطر على وجود “إسرائيل”، ليس أكثر من مسعًى لمنع نظام الملالي من تقاسم النفوذ معها في الإقليم، وبهذا المعنى؛ فإن حدود التنافس هذا لا يتصل بمصالح الشعوب العربية، بل يجري ويتداعى على حساب البلدان العربية حاضرًا ومستقبلًا، وليس مستبعدًا أن يتحول هذا التنافس إلى تفاهم بين الطرفين، على حساب شعوب المنطقة. وما قدمته طهران في دعمها لبقاء الاستبداد في سورية، هو أفضل هدية للأمن الإسرائيلي.

أخيرًا، لا بدّ من التذكير بأن كلًا من إسرائيل وإيران، دولتان دينيتان “جمهورية إسلامية” و”دولة يهودية” منشودة، ولا مكان في أيديولوجيتهما للديمقراطية، مثل كافة البنى والدول الدينية عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق