أدب وفنون

“من معسكرات الموت إلى الوجودية”… البحث عن المعنى

عنوان قصة كتبها فكتور فرانكل السجين في واحد من معسكرات الاعتقال النازية، بين أعوام 1939 و1945، حيث زجت قوات  S.Sملايين البشر في هذه المعسكرات/ المعتقلات الرهيبة، وقتلت بأفران الغاز أعدادًا مهولة منهم. وبالطبع نجا بعض المساجين، قلة منهم نجوا بأرواحهم وعقولهم.

فرانكل طبيب نفسي، لخص تجربة اعتقاله في معسكر (الأشويتز) في كُتيب عنوانه (من معسكرات الموت إلى الوجودية)، ثم أضاف له، بناء على طلب دار النشر، الجزء الثاني (المبادئ الأساسية للعلاج بالمعنى)، صدر عام 1966 نقله إلى العربية أستاذ علم النفس طلعت منصور في العام 1982.

يقول فرانكل عن كتابه إنه “قصة داخلية تحكي خبرته في معسكر الاعتقال، لا تهتم بأحداث الرعب والفزع الهائلين، وإنما بألوان التعذيب الصغيرة والمتعددة، بمعنى كيف كانت الحياة اليومية في معسكر الاعتقال تنعكس في عقل السجين؟”.

الأحداث الموصوفة وقعت في معسكرات صغيرة؛ حيث كانت تجري عمليات الإبادة الحقيقية، لا تهتم كثيرًا بموت العظماء ومعاناتهم، ولكن تهتم بالتضحيات والمحن والموت لجيش ضخم من الضحايا غير المعروفين وغير المسجلين، أولئك الذين لم يحملوا أي علامة مميزة على أكمامهم.

إنها الخبرة التي آلت بفرانكل إلى اكتشاف العلاج بالمعنى، حيث وجد نفسه كسجين مخضرم في معسكرات رهيبة للاعتقال، متجردًا متعريًا من وجوده. فوالداه وأخوه وزوجته قد لقوا حتفهم في معسكرات أو أرسلوهم إلى أفران الإعدام بالغاز، أي أن كل أسرته عدا أخته قد هلكت في هذه المعسكرات، وكل ما يملكه قد ذهب أدراج الرياح. كل قيمة قد تحطمت، ليعاني من الجوع والبرد والقسوة ومن توقع الإبادة في كل ساعة، إنسان هذا شأنه كيف يجد في الحياة ما يجعلها جديرة بالبقاء!

يُقدّم فرانكل وصفًا مثيرًا ودقيقًا للتدفق المختلط لاستجابات العقل، إزاء ما يمر به السجين بين الصدمة باعتبارها أول استجابة، ووهم الإبراء، والدهشة وحب الاستطلاع، وسط الشعور بالوجود المتعري من كل شيء، إلى الإحساس بالعدم والتفكير بالانتحار، إلى البلادة العقلية كـ “ميكانيزم” للدفاع عن الذات، إلى الموت الانفعالي، واختفاء الدافع الجنسي والهروب إلى الماضي… الخ.

كيف تراود المعتقل -وهو في خضم تلك المشاعر- استراتيجيات هادفة إلى المحافظة على بقايا حياته، رغم أن فرص البقاء ضئيلة. وما يخبره المرء في مثل هذه الحالة من جوع وخوف ومذلة وغضب عميق من الظلم، قد أضحى أعباء يمكن تحملها بواسطة الصور التي تراود مخيلته عن الشخص المحبوب، أو بواسطة الدين، أو بواسطة إحساس عميق بالمرح والدعابة، أو حتى بواسطة النظرة إلى الجمال البريء للطبيعة كشجرة أو غروب شمس.

لكن لحظات الارتياح هذه لا توفر الأساس لبناء إرادة الحياة إلا إذا ساعدت الشخص “السجين” على أن يتوصل إلى إحساس أكبر، انطلاقًا من معاناته البادية في البلادة. وهنا نقف على الفكرة الجوهرية للوجودية: “فلكي تعيش عليك أن تُعاني، ولكي تبقى عليك أن تجد معنى للمعاناة، وإذا كان هناك هدف في الحياة، فإنه يوجد بالتالي هدف في المعاناة وفي الموت، ولكن لا يوجد شخص يستطيع أن يخبر الآخر بماهية الهدف”.

“إن كل موقف في معسكر الاعتقال من شأنه أن يهدد السجين بفقدانه لتماسكه نفسه. كذلك تخضع كل الأهداف المألوفة في الحياة للمسخ والأفول. أما ما يتبقى فهو “آخر ما في الحريات الإنسانية: قدرة الإنسان على أن يختار اتجاهه من بين جميع الظروف”. هذه الحرية الغائية، تحتل مكانة مهمة في قصة فرانكل، فإذا كان المسجونون أشخاصًا عاديين فحسب، فإن بعضهم على الأقل باختيارهم أن يكونوا “جديرين بمعاناتهم”، قد أثبتوا قدرة الإنسان على أن يعلو فوق قدره الخارجي.

يسأل: “ماذا عن الحرية الإنسانية؟ ليست صحيحة تلك النظرية التي تقول إن الإنسان لا يعدو أن يكون نتاج عوامل بيئية وظروف محيطة، وهل ردات أفعال المسجونين إزاء العالم الفريد لمعسكر الاعتقال تثبت أن الإنسان لا يستطيع التخلص من تأثيرات المحيطين به؟ أليس لدى الإنسان أي اختيار لأفعاله في مواجهة تلك الظروف؟”.

ويجيب: “تبين خبرة حياة المعسكر أن الإنسان يستطيع أن يكون له اختياره لأفعاله، والأمثلة كافية، ومن طبيعة بطولية تثبت أن البلادة يمكن التغلب عليها وأن التهيج يمكن قمعه، فالإنسان في مقدوره أن يحتفظ ببقية من الحرية الروحية، ومن استقلال العقل، حتى في تلك الظروف المريعة من الضغط النفسي والمادي، ويُذكرنا بأولئك الأشخاص الذين كانوا يمرون على الأجنحة، كي يهدِّئوا من روع الآخرين ويضحون بإعطائهم آخر كسرة من الخبز لديهم. ربما كانوا قلة من حيث العدد، ولكنهم يثبتون أنه يمكن أن يؤخذ من الإنسان أي شيء عدا شيء واحد هو آخر شيء من الحريات الإنسانية، وأقصد أن يختار المرء اتجاهه في ظروف معينة، أي أن يختار المرء طريقه”.

وعلى ذلك؛ “في كل يوم وكل ساعة، هناك فرصة لاتخاذ القرار، وهو القرار الذي يحدد أكنتَ تنوي أن تخضع لتلك القوى التي تهدد بأن تسلبك من ذات نفسك.. من حريتك الداخلية، أم لا، وهو القرار الذي يحدد أكنت تنوي أن تصبح لعبة في يد الظروف، متخليًا عن الحرية والكرامة، لتصبح متشكلًا في القالب المميز للنزيل بالمعسكر أم لا”. وبناء على ذلك؛ فإن ما يصير عليه السجين هو قرار داخلي، وليس نتاج ظروف الاعتقال وحدها.

لقد قال ديستوفسكي مرة: “يوجد شيء واحد فقط يروعني، وهو أن لا أكون جديرًا بآلامي“، هذه الكلمات راودت عقل فرانكل مرارًا وألحّت عليه، بعد أن أصبح مُدركًا لأولئك الشهداء الذين يحمل سلوكهم في المعسكر ويفصح عذابهم وموتهم فيه، عن الحقيقة وهي بأن الحرية الداخلية الأخيرة لا يمكن فقدها، لقد كانوا جديرين بآلامهم. تلك هي الحرية الروحية التي لا يمكن لأحد أن يسلبها منك، وهي التي تجعل الحياة ذات معنى وذات هدف.

وفرانكل -كمعالج نفسي- يريد بطبيعة الحال أن يعرف كيف يمكن مساعدة الإنسان في الوصول إلى هذه المقدرة الإنسانية المتميزة، ويفهم كيف يستطيع أن يوقظ في المريض الشعور بأنه مسؤول أمام الحياة، مهما بدت ظروفه قاسية. إنه منطلق العلاج بالمعنى الذي وضع أسسه ومبادئه فيكتور فرانكل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق