أدب وفنون

شجرة الأكيدنيا

جدي دفن حبلي السري ثمّ زرعها فوقه، من وقتها لم أعد أعرف، هل أنا أنا، أم يحيى، أم شجرة الأكيدنيا؟

القذيفة التي سقطت عليّ توًا، أقنعتني أن سنوات حياتي لن تتجاوز عدد أغصانها.
مرّة، في العاصمة سقطتُ فجرحتُ يدي، أمي في قصرها الصغير في الشمال استيقظتْ فجأة خائفة، خرجتْ إلى الشرفة وتأملتْ شجرة الأكيدنيا، أسرعتْ وجلبتْ سلمًا لتصعد بشجاعتها إلى غصن كسرته الرياح، لتضمده على مهل.

في الصباح كانت يدي معافاة.

-ـ لن تعيش طويلًا بعد رحيلي.. وداعًا يامن..

قال يحيى بثقة، مال إليّ ليقبلني بلطفٍ في شفتيّ، كأي عشيقين، حمل الحقيبة التي جمع بها كل لوحاتي بدون إطاراتها.. لوّح لي ومضى، حدث هذا صباح اليوم، بعد ليلةٍ غريبة، تصالحنا فيها أنا وهو للمرة الأولى خلال ثلاثة عقود، قبل ساعات قليلة من سقوط إحدى قذائف الحرب عليّ في شارع الحديقة الكبيرة.

دمائي تنزف بغزارة، الدم: هذا اللون الغريب الذي رسمتُ به ذات سكرة -بعد أن غرس يحيى منتشيًا سكيني في كتفي- أجمل لوحة لي، لون الدم وحده لون أصلي من بين كلّ ألوان الحياة.

استطعتُ بصعوبة أن أجر نفسي من بين القتلى والجرحى لأمشي بضعة شوارع، حتى بيتنا القديم المهجور.

رفضتُ كل الإسعافات الأوليّة، كنت متأكدًا أنني سوف أموت، لهذا.. الإسعاف الوحيد هو أن أرجع لقصرنا الصغير المهجور وأموت بين كراكيبه، تمامًا في نفس المكان الذي ولدتُ فيه.. مع فارق غير بسيط، ولدتُ هنا بين أثاث فخم وبشرٍ أنيقين للغاية، وأموت الآن هنا أيضًا، لكن بين الكراكيب وأشباح ذكريات حياة غريبة، وبقايا الأشياء وغبارها، وموجز سريع لحياتي، كشريط سينمائي شاحب، يمر في الذاكرة مثل قطارٍ بصفارة كئيبة.

لا أظن أنه لديّ أكثر من نصف ساعة لأتذكر كلّ حياتي، حياتي الغريبة، وأنا أحتضر هنا، سوف أحاول:

لا أعرف من أين جاء أبي، يُقال إنه جاء من قريةٍ بعيدة وفقيرة مهووسة بالخرافات، أهل قريته طردوه منها، عندما كان مراهقًا، لكثرة تعدياته على أضرحة ومزارات وأمكنة مقدسة في تلك القرية.

العجوز التركيّة حكتْ ليّ كثيرًا عن تلك الأيام، كيف أغرمتْ أمي بأبي، وأجبرتْ جدي الذي يكره الفلاحين، على زواجها من أحد أبنائهم.

مرّة، قالتْ لي العجوز التركية، في مساءٍ دافئ من مساءات حكاياتها:

– يوم ولادتك بكى جدك.. أنتَ لم تكن تبكي مثل أي جنين يولد توًا.. هبطتَ من أمك صامتًا، صمتك الغريب أدهشنا، لم نعثر على تفسير مقنع له، أخذتَ من أمك زرقة عينيها وبياضها كلّه، وجهكَ كان تطورًا لجمالها الباهر.. لتبدو ضوءًا جعلنا نشهق، وسوف يجعل كل من يراك -فيما بعد- يشهق. جدك لم يصدق.. ضمّكَ لصدره وبكى، في حياته كلها لم يبكِ.. وصفك بـ (عاصمة النساء) جدك الذي أمضى حياته محاصرًا بالنساء، والدته ثمَّ زوجة أبيه، عدة عمات وخالات وشقيقات، دون أعمام وأخوال وأشقاء.. تزوج جدتك فأنجبتْ له خالتك وأمك، خالتك أنجبت ريما وأمك أنجبتْ سماهر ويسرى، ثمَّ أنجبتك لتكسر بكَ طوق النساء حول جدك.

هو من جعل شعرك الأشقر ينسدل على كتفيك كالحرير، ليسرحه لكَ كلّ مساءٍ فوق طاولته على الشرفة، وكأنّه يريد لكلِّ العابرين في حياته أن يشاهدوك.

يوم ولادتك لم يكن والدك في البيت، كعادته، كان مع رفاقه يخطط ويتحدث ويشرح عن الحرب التي يجب أن تعيد العدالة إلى كلِّ الكوكب.

آهٍ أيتها العجوز التركيّة، حرب والدي جاءتْ بعد وفاته.. تأخرتْ كثيرًا، ولم تقتل أحدًا سوى ابنه.

العجوز التركية تعرف كل قصص قصرنا الصغير، ضاعتْ طفلة وتاهتْ عند وضع الحدود مع لواء إسكندرون، مشتْ لليالٍ حتى وصلتْ إلى هنا.. كان جدي شابًا، أقنع أهله أن يلتقطوا هذه التركيّة الصغيرة، لتمضي حياتها في غرفة صغيرة خلف بيتنا الكبير، تخدم العائلة وتحلم بأن ترجع يومًا ما إلى تركيا.

أول لوحة رسمتُها في قبو اللوحات؛ حيث كان يرسم والدي بعيدًا عن أمي وجدي، كانت لوجه العجوز التركية، ليلتها ركضتُ إلى غرفتها لأهديها لوحتي الأولى، عثرتُ عليها ميتة في سريرها، وحلمُها في الرجوع إلى تركيا مستلّق جانبها جثةً ثانية.

عندما ولدتُ انتبهوا لي، فـ أسموني (يمان) هو لم ينتبهوا له، لهذا عاش خمس سنوات دون اسم، عندما انتبهتُ له، أسميته (يحيى).

كان يحيى لثلاثة عقودٍ تقريبًا سرّي الرهيب.

طوال عقد لم تتوقف المشاجرات بين أبي وأمي، وعندما لم تعد لديه قدرةٌ على تحمل غرورها وعجرفتها هجرنا، ترك لي قبو اللوحات لأتعلم الرسم وذهب ليعيش بعيدًا عنا، لا أحد استطاع أن يرجعه طوال عقدين، فقط السرطان وحده استطاع أن يعيده إلينا قبل وفاته بأسابيع قليلة.

كانت أمي تكابر في النهار أمام الجميع، لكنها كلَّ ليلة تبكي بصمت في سريرها.

في قبو اللوحات لن أرسم الفقراء والفلاحين، كما فعل أبي، سأرسم الفتيات الجميلات، الجميلات اللواتي عشقتهن في حياتي، من حارتنا ذات البيوت الكبيرة حتى الجامعة.

خلف كل لوحة عشيقة، وخلف كل عشيقة خيبة، والخيبة مجموعة ألوان تبكي على القماش. عليّ أن أتذكرهنّ كلهنّ الآن قبل أن أموت.

رسمتهن، في غيبوباتي اللونيّة الغرائبيّة، نبيذًا وحزنًا وشهوةً وابتسامةَ عشيقةٍ، أبدأ برسم الأنثى من نهدها، وأنتهي من رسمها عند ابتسامتها.

وحدها ناديا سوف أفشل برسمها، “ناديا لا أحد يستطيع أن يرسمها”، صرختْ في روحي كلّ شياطيني، ويحيى يقهقه على جسدها العاري في قبو اللوحات.

ليلتها، بعد أن ارتدتْ ثيابها، قالتْ لي قبل ناديا قبل أن تمضي:

– قد لا أرجع ثانية إليكَ، أرديكَ أن تظلّ حلمًا.. في زاوية حديقتكم يوجد شجرة أكيدنيا جميلة، علق عليها أرجوحة وانتظرني.. قد أرجع يومًا ما..

اللعنة على أنوثتها الباهرة، أمام كلّ عشيقاتي كنت أضع ساقًا على أخرى لأرسمهن بلا مبالاة، هي.. سجدتُ روحي بخشوعٍ أمام جسدها العاري، وكلّ علب ألواني تضرب عن نزيفها.

ناديا، هي وحدها سوف تنجح برسمي من بين كل أصدقائنا الرسامين.

معتز قال: وجهك عصي على الفرشاة يا صاحبي.. يشبه النبيذ، يُشرب لكنه لا يُرسم.

ريتا تمتمتْ: وجهك بحد ذاته لون جديد.

سمر همستْ: يمكن.. بعد ألف لوحة وألف عشيق، قد أستطيع رسمك.

سامي صرخ بعد عدة محاولات فاشلة في مرسمه في الأحياء العتيقة للعاصمة، وهو يكسر فرشاته بحنق: أنت لا أحد يستطيع رسمك سوى الله..

ورسمتني ناديا.

على عكسي تمامًا في الرسم، ابتدأتْ من ابتسامتي وانتهتْ بزرقة عينيّ.

بين الجرعة الكيمياوية الثالثة ووفاته بضع ساعات، بدا لنا كأنّه رجع شابًا، قال إنه يريد أن يرسم، ظننا أنه الحنين لفلاحيه وقريته، قال لنا سأرسم يمان.. وابتسم، أنا فرحت.

جلس خلف سلم اللوحة ورسم لساعات قليلة، رسم بنشوة هائلة وكأنه يمارس الحب في ليلته الأولى مع أمي، كما حكى لي ذات سكرة، بين سيجارتين من قهر.

ليلة أولى وأخيرة للحب بين فقراء الفلاحين بنزق مطرهم، وأناقة الأغنياء النبيلة.

شعر بالتعب فرجع لسريره حيث استلقى.

شهقتُ وأنا أتأمل لوحته الأخيرة غير المكتملة، هذا الوجه عليها لم يكن وجهي، كان وجه يحيى، عندئذٍ عرفتُ أن أبي يعرف سري الرهيب القديم.

ابتسمتُ له ابتسم لي ومات.

بكيتُ وأنا أحضنه، في القبو أيضًا.. الجميلات في لوحاتي، الفلاحون في لوحاته، حتى العجوز التركيّة في قبرها، كلّهم بكوا.

بينما يحيى وحده كان يقفز حولنا كمجنون، ويلتقط لنا صورًا تذكارية مع الجثة.

لعقدٍ كامل حاولتْ أمي أن تُدخل الله إلى بيتنا، كانت تشعر بأنه سلاحها الأخير، لتهزم والدي، ولطالما حاول والدي أن يترك الله خارج بيتنا.

ثمّة سوء تفاهم كبير بين الله وأبي، أظن أنني ورثتُ سوء التفاهم هذا من أبي، هذه الحرب جعلتني انتبه جيدًا لسوء التفاهم هذا.

في طفولتي، كنت أتخيل الله عجوزًا يقف بباب قصرنا، رجله الأولى في الداخل والثانية في الخارج.

في تلك الليلة شاهدته للمرة الأولى، ليس الله.. وإنما يحيى.

تسللتُ -بفضول الصغار- بعد منتصف الليل، مثل أيِّ طفلٍ اشتاق لوالده إلى القبو، كان أبي نائمًا، أصابعه ملوثة بالألوان ومن أنفاسه تفوح رائحة الخمر، تجولتُ بين لوحات فلاحيه، عثرتُ فوق الطاولة على نصف زجاجة نبيذ.. شربتها، ثمَّ صعدتُ إلى الأعلى وأنا أترنح، في عتمة الصالون وعلى ضوءٍ خفيف للقمر عبر النافذة، شاهدتني أمي.

ظلها شاهق كما شخصيتها، بكلّ جلالها، شلَّها موت أبي وبهاؤها لم يُشل.

مشيتُ إلى الباب وفتحته، وضعتُ رجلي اليمنى خارج الباب وتركتُ اليسرى داخله.

صرختْ عليّ أمي بعنادها المعتاد: ارجع إلى سريرك..

لم أرد عليها بسبب خوفي الدائم منها، سوف تنتهي حياتي وخوفي منها لن ينتهي، أجابها يحيى: لن أعود..

وقتها شاهدته أول مرة في حياتي، وبعدها لن نفارق بعضنا أبدًا، وأيضًا، وقتها -للمرة الأولى والأخيرة- صفعتني أمي.

انتهتْ الـ نصف ساعة، انتهى كل شيء، من يرسم جثتي؟.

وأنا أغلق عيني، انتبهتُ من البلور المكسور لشباك غرفة الصالون، شجرة الأكيدنيا الشاحبة في حديقة جدي، تنحني على جدار هذا البيت الكبير والمهجور، لترسم عليه بأغصانها شيئًا ما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق