تحقيقات وتقارير سياسية

(اللجنة الدستورية).. والخلافات حول اتهامها في غياب البدائل

قبل أيام، أصدرت جماعة (الإخوان المسلمون) بيانًا تُعلن فيه معارضتها لفكرة اللجنة الدستورية، وما تمثل من انزياح في العملية الانتقالية وفي ثوابت الثورة، وقررت سحب ممثلها أحمد سيد يوسف، من اللجنة.

بعد هذا، برز السؤال عن أسباب تأخير الإعلان عن هذا الموقف، وهل هنالك مستجدات أدّت إلى هذا القرار؟ فالترشيحات معروفة منذ أشهر، وأحمد سيد يوسف من ممثلي الإخوان المسلمين في هيئة المفاوضات السورية، واسمه كان مطروحًا بين المرشحين،وهم يعلمون ذلك، وبالتالي كان يُفترض أن يكون القرار بالانسحاب سابقًا على إرسال القوائم. فهل هي حالة الضغط التي تُمارسها مجاميع محسوبة على الثورة، وأكوام الاتهامات التي تنهال على هيئة المفاوضات، وعلى الأسماء التي نُشرت ضمن القائمة المرسلة إلى الأمم المتحدة؟ أم أن عوامل داخلية خلافية كانت وراء هذا الموقف الذي بدا مُربَكًا ومتأخرًا؟

لا شك أن حملة مركّزة تقوم من فترة على (اللجنة الدستورية)، ومن سيشارك فيها، واتهامات من العيار الثقيل تنهال على كل من يُشارك فيها، منها الخيانة و(الضفدعة)، وبيع الوطن، واختراق الثوابت، وكانت تلك الحملات متعددة الخلفيات والأغراض، ففيها الحريصون على الثورة، الخائفون من مسار التراجعات الذي يطيح الثوابت، ويضع من يدّعي تمثيل الثورة في خندق النظام، أو عبر مصالحة تقودها روسيا وتهدف إلى الإبقاء على النظام، والإطاحة عمليًا بالمرحلة الانتقالية. وهنالك من يتخذ موقفًا صلبًا من التواجد الروسي ودوره الاحتلالي، الذي مارس القتل المعمم ضد الثورة، واعتبار أن كل تعاون معه، أو استجابة لمشروعه، خيانة موصوفة.

هنالك أصحاب مصالح في لوحة المحسوبين على الثورة، وربما يصبّ جهد بعضهم في مخطط النظام الذي يحاول تشويه كل من يعمل في موقع قيادي بالثورة، وبثّ الشائعات، وفتح دفاتر قديمة مشبوهة، وغير موثوقة الدقة، وهناك طبيعة السوري التي تستسهل رمي الاتهامات، والتركيز على السلبيات، والنتيجة هذا الجو الصاخب من التصنيفات، وكثرة البيانات الرافضة للجنة الدستورية بالطريقة التي تمّت فيها.

ثمة عاملان متراكبان ومنفصلان، يقفان خلف هذه التخوّفات والمواقف المعلنة: أولهما يتعلق بالموقف من العملية السياسية، وما جرى لها، حيث إن قبول المعارضة، بعد تردد وصراع داخلي، بالحل السياسي، وبيان (جنيف 1) أساسًا ومنطلقًا، ولبنته الرئيسية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، وعديد التفسيرات الأممية التي قدّمت عبر مسار المفاوضات والتي كان يُفهم منها أن الهيئة هي الإطار الشامل، والتي ستشكل برضا الطرفين: المعارضة والنظام، وأنه ستنبثق عنها مجموعة هيئات، منها هيئة دستورية تقوم بإعداد دستور للبلاد يطرح على استفتاء شعبي، أو على المؤتمر الوطني الذي كان يفترض أن يكون تتويجًا للعملية الانتقالية، وتمهيدًا لانتخابات رئاسية وتشريعية.

لكن الذي حصل، أمام تعثر عملية المفاوضات، ورفض النظام القبول بأي شيء، ومبادرات دي ميستورا الهادفة إلى بقائه عبر آليات متحركة من الأفكار، كان مشروع السلال الثلاث، فالسلال الأربع، وكانت المرحلة الانتقالية هي السلة الأولى التي يجب البدء فيها. وهذه لم تتم، بل جرى القفز فوقها، والاقتصار على سلتين: الدستور والانتخابات، في حين اعتبرت سلة الإرهاب منتهية، ثم محاولة لملمة التراجعات بالحديث المختلف على حيثياته حول البيئة الآمنة، وإجراءات الثقة التي تتضمّن عديد مهمات المرحلة الانتقالية، لكن بشكل غير مباشر، وضمن هذا العنوان.

ضمن هذه الدحرجة المتتالية، لم يعد شرط مصير الأسد ودوره موجودًا كعنوان، وهو ما اعتبرته الثورة ولسنوات ثابت الثوابت، والخط الأحمر، بل عمليًا فالتراجعات في مواقف الدول المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري واضحة هنا، وتعترف بضرورة بقاء نظام الأسد، والسماح له بدخول الانتخابات (كأي مواطن سوري آخر)، بينما الخلاف التفصيلي بين الدول ينحصر في صلاحياته ومدى تقلصها لصالح هيئات أخرى.

العامل الثاني: يخصّ لقاء سوتشي ومخرجاته، الذي قاطعته المعارضة، لكنها وجدت نفسها أمام مخرجاته، خاصة في تشكيل لجنة دستورية ضمن تلك المحاصصات التي قررها للأطراف الثلاث الضامنة: تركيا وإيران وروسيا، وعملية الخلط التي تجري بين فكرة اللجنة الدستورية برعاية أممية، وضمن مسار جنيف التفاوضي كمسار رئيس لا بديل له، وبين سوتشي والمشروع الروسي الذي يظهر أنه صاحب اليد الطولى في المسألة السورية، والذي يلقى تأييد الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

“هيئة المفاوضات السورية”، ومعهما الائتلاف، وعبر لقاءات متواترة مع الجانب التركي، باعتباره الطرف الضامن للمعارضة، والمكلف من لقاء سوتشي بإعداد أسماء المعارضة المرشحين للجنة الدستورية، تمكنَّا من التوصل إلى توافقات مهمة تتمركز حول ترسيخ مسار جنيف كمسار وحيد لا منافس له، وبالتالي وضع مخرجات سوتشي بعهدة الأمم المتحدة، وأولها أسماء اللجنة الدستورية، وكذا الأمر في تولي هيئة المفاوضات مسؤولية اختيار الأسماء (بالتشاور مع الجانب التركي)، وإرسالها باسمها، وليس باسم تركيا.

وكي ترسخ هيئة المفاوضات السورية مواقفها من العملية السياسية، وتتمسك بالثوابت والشروط اللازمة لإنجاحها، قامت بإرسال رسالة تتضمّن تسع نقاط، اعتبرتها قاعدة موافقتها على المشاركة في اللجنة الدستورية، ومثل ذلك ما فعلته الهيئة السياسية في الائتلاف، حين قررت الموافقة بأغلبية كبيرة على المشاركة، واستنادًا إلى لقاءات مكثفة مع الجانب التركي.

لقاء هلنسكي، بين الرئيسين الأميركي والروسي: ترامب وبوتين، كرّس تفويض أميركا لروسيا في الملف السوري، و”إسرائيل” حاضرة بقوة في كل الصفقات والاتفاقات، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تزامن الإعلان عن إرسال قائمة المشاركين مع أحداث درعا الأليمة، التي انتهت بتسليم المنطقة بالكامل للنظام برعاية روسية، ما فتح المجال لعمليات الربط، وحملة الاتهامات الكثيفة التي تنتشر منذ فترة.

أما الخيارات البديلة التي تطرحها المعارضة السورية، ويتحدث فيها كثير من المحسوبين على الثورة، فيمكن اختصار عنوانها بالعودة إلى الشعب تحت رايات الوطنية السورية وأهداف الثورة. وهذه تحتاج إلى ظروفها وأدواتها ووقتها، ويجب تهيئة شروط نجاحها. ويرى بعض المراقبين من الأقل حماسة أنه يجب منح فرصة للقابلين باللجنة الدستورية، ومراقبة مدى تمسكهم بالثوابت، وببنود الرسالة التي وجهتها هيئة المفاوضات السورية للأمم المتحدة، مطالبين بتأجيل الاتهامات، والحكم عليهم بعد رؤية النتائج.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق