مقالات الرأي

من دمّر سورية ومن يريد إعمارها؟

أول من قام بتدمير سورية هو حزب البعث الذي فرض نظامًا تسلطيًا قمعيًا، احتكر كل السلطة وفرض قانون الطوارئ، بذريعة حماية “الثورة” أي انقلاب آذار/ مارس 1963. لقد دمر البنية المجتمعية وحطم الطبقات البورجوازية المدينية لصالح أبناء الأرياف من الطبقات البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وحطم التعليم العصري وفرض الأيديولوجيا التي تقصي الرأي الآخر، وخرب الثقافة الوطنية السورية المنفتحة والمتنوعة المستندة إلى تراث حضاري ثقافي غني، ليجعل مصير الثقافة بأيدي فئة شبه جاهلة وأمية، لكنها تصفق للبعث وشعاراته البراقة.

جاء التدمير الأكبر على يد حافظ الأسد، بعد انقلابه العسكري في أواخر عام 1970، حيث ثبّت دولة أمنية بوليسية، وأخضع كل شيء لسلطة الفرد الواحد والزعيم الأوحد الخالد ولعائلته، ولكبار الضباط العلويين ومن يواليهم ويستفيد منهم، ولرجال الأعمال المشتركين مع السلطة في مشاريع اقتصادية وتجارية.

خرّب حافظ الأسد الاقتصاد أيضًا، لأنه فرض سلطة الدولة البيروقراطية التي تشبه الملكية على الاقتصاد؛ فهمّش عمليًا دور القوانين الاقتصادية وأخضع الاقتصاد لإرادات ومصالح أجهزة السلطة والأمن والجيش، وخرب المجتمع أيضًا من خلال إحيائه دور الأغنياء والملاّكين، بشرط شراء ولاءاتهم له، والصراعات القبلية والعشائرية والعائلية والطائفية والدينية والقومية، ليستخدمها ورقة رابحة في الهيمنة على المجتمع.

خرب الأسد الأب السياسة والثقافة باعتماده على أيديولوجيا الاستبداد والنظام الشمولي الإقصائي وحيد اللون، وحرم السوريين من أي مظهر من مظاهر العمل السياسي والحياة السياسية، وأصبحت سورية صحراء سياسية قاحلة، وباتت كل القيم والمفاهيم الفكرية والسياسية والثقافية تُقاس من منظور تلائمها مع تمجيد شخصية الزعيم الأوحد، حتى التاريخ شوهوه وأخضعوه لفكرة تعظيم الرئيس الخالد؛ فأصبح هو البطل الأوحد والمعلم الأول والمهندس والطبيب وبطل الإنتاج الأول…

تسابق الانتهازيون والمنافقون إلى ترسيخ تلك القيم الأيديولوجية الفاشية في عقول الأطفال والشباب السوري، بدءًا من مرحلة الطلائع مرورًا بالشبيبة وانتهاء بالانتماء إلى الحزب. كلها مراحل صورية تلزم الإنسان بتبعية عمياء للسلطة وأجهزتها التي تشكل قلب السلطة.

حوّل الأسد سورية إلى سجن كبير، إلى مزرعة كبيرة يعمل فيها مزارعون من مختلف الاختصاصات، يصبحون وينامون على معزوفة أمجاد الزعيم الأوحد.

ولم تكن مرحلة الأسد الابن بشار أفضلَ من حكم أبيه الدكتاتور، إذ استمر في فرض هيكلية السلطة الأسدية نفسها، مع محاولته إجراء تغييرات في الاقتصاد باتجاه السوق الاجتماعي الليبرالي، ولكنها طُبّقت بصورة مشوهة، وشكّلت عبئًا ثقيلًا على كاهل الفئات الفقيرة والمتوسطة، وفتح الجامعات الخاصة، ولكنها ترافقت مع انهيار لمستوى التعليم وانتشار الفساد فيه، ومع انطلاقة الثورة السورية عام 2011، بدأ التدمير المادي لسورية، بالإضافة إلى التدمير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

يُقال إن “إسرائيل” كانت تخطط، مع حليفتها الولايات المتحدة، لتدمير أهم جيشين عربيين: العراقي والسوري، وقد نجحوا في تدمير الجيش العراقي مع بداية الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، حيث قام برايمر، المندوب السامي الأميركي في بغداد، بحل الجيش العراقي وتسريح كافة الضباط والجنود، وخلق جيشًا من العاطلين عن العمل الذين يتقنون حمل السلاح واستخدامه، فمهّد لانخراطهم في أعمال مسلحة بعضها مقاومة وأخرى شكّلت تنظيمات إرهابية مثل (داعش).

ولكن تدمير الجيش السوري جاء بطريقة مختلفة، حيث قام رأس النظام بالإشراف على تدمير الجيش، باستخدامه في قتل الشعب وتدمير البنية التحتية والمجتمعية والاقتصادية، رافقها انشقاقات في صفوف الجيش، بسبب ممارسات الجيش النظامي، كونه جيشًا لحماية نظام الأسد وليس جيشًا وطنيًا يحمي البلاد ويُحرر الأراضي المحتلة. ذلك هو الجيش العقائدي المعبأ بأفكار ديماغوجية، غرسها حزب البعث (في حرب حزيران/ يونيو 1967 تخندق الجيش السوري حول دمشق خوفًا من انقلاب عسكري)، كما حوّل الأسد الجيشَ إلى ميليشيات تابعة له، مهمتها الأساسية حماية السلطة والنظام لا حماية الوطن.

لذلك شهدنا ما شهدناه من تدخل للجيش في قتل المواطنين وتدمير المدن والقرى بالقصف الجوي، مستخدمًا كافة الأسلحة حتى المحرمة دوليًا، وضد من؟ ضد أبناء البلد، فقط لأنهم أرادوا تغييرًا سياسيًا يؤدي إلى نظام ديمقراطي وانفتاح وعدالة تتحقق فيه حريات الناس.

لم يستطع الجيش الأسدي وأجهزته الأمنية أن يقمع الثورة، فطلب مساعدة نظام الملالي في طهران و”حزب الله” الذي عبثوا في سورية ودمّروا وقتلوا تحت شعارات طائفية مقيتة، ولم يستطيعوا حماية نظام الأسد، عندئذ تدخلت روسيا عسكريًا بضوء أخضر أميركي وإسرائيلي، واستطاعت روسيا كدولة عظمى، بقوتها الجوية الكبيرة وأسلحتها الفتاكة وطائراتها الحديثة، أن تحرق ما تبقى من المدن والقرى، لكي تفرض سيطرتها وتُجبر الفصائل المسلحة على الاستسلام والمصالحة. إن من انتصر عسكريًا في سورية هو روسيا، وهذا لا يمنحها -كدولة عظمى تمتلك السلاح النووي- شرف الفخر بالانتصار على فصائل مسلحة لا تمتلك لا طائرات ولا أسلحة حديثة، فلو كانت أميركا صادقة في دعمها للمعارضة منذ البداية؛ لسلمتها عددًا من الصواريخ المضادة للطائرات وبالتالي لما نجحت روسيا في سورية.

كان بإمكان الأميركيين والروس حل المشكلة في سورية، منذ السنة الأولى أو الثانية للثورة، قبل أن تظهر التنظيمات الإرهابية وتُقدّم للنظام وحلفائه الحجة في تفتيت البنية المجتمعية لسورية وتدمير اقتصادها وبنيتها التحتية، لم تُقدّم أميركا أو روسيا، خلال سبع سنوات، أي مبادرة سياسية للخروج من الأزمة السورية، وهذه مسألة يجب الاهتمام بها وتفسيرها، ليبقى الإرهاب في سورية ظاهرة متشابكة تحتاج إلى الدراسة والتفسير من قبل الباحثين والمهتمين.

يبقى السؤال الملح: لماذا صمتت أميركا، ولماذا قامت روسيا بكل ما قامت به، من دعم مطلق لطاغية دمشق أدى إلى تدمير سورية، بينما يدعون اليوم إلى إعادة إعمارها؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق