هموم ثقافية

من على سطح دمشق.. إننا نحب الحياة مثلكم

ها هو الموت يتحرك باكرًا، يتحول إلى منتج حكومي غير قابل للتأويل.. وها هي الخسائر الأولية، تكشف بربرية نظام، يستحضر بعمق دور أنصاف الآلهة.

ذات صباح نصف ماطر، كتب أحد الأصدقاء متوجعًا: “الناس هنا يتحركون بصمت حذر، ويخيم هدوء على الوجوه لا تعكر رتابته غير أنّات الضحايا، المتحشرجة، قبل أن تتجمد جثثهم وتغرق في بحر من الدماء”.

أذكر جيدًا كيف اختفى ضجيج الحياة في دمشق يوم 6/1/2013، حين انتهى الأسد من إلقاء خطاب نقله التلفزيون الحكومي على الهواء مباشرة، وصف فيه ربيع البلاد، بـ “فقاعة صابون، سوف تختفي”. لقد أدركت وقتئذ أن خطوط الطول والعرض التي تحكم جغرافية سورية، ستصبح بالتأكيد، أشبه بمقبرة جماعية، لا شواهد لقتلاها.

بعد عام واحد فقط، تبددت كل الشكوك؛ لم تبق في يومياتنا مساحة تكفي لكي نشارك الناس أحزانها، أوجاعها، وصراخها.

في 2014/3/13، اعتذر ريتشارد سبنسر في صحيفة (الديلي تلغراف) البريطانية من القرّاء، لأنه لم ينشر صور فتيات صغيرات، ممزقات إلى أجزاء وقد تدلت أحشاؤهن، في أعقاب قصف جوي نفذه طيران الأسد. كتب متأسفًا: “إنكم لا تشاھدون الرعب الكامل لهذه الحرب. أؤكد لكم ذلك. ومع أن محررينا يستطيعون أن يروكم الواقع أكثر من أي وقت مضى، باستخدام التقنيات المتوفرة لديھم، فإنھم لا يفعلون ذلك حفاظًا على شعور تقليدي باللباقة”.

كان التقليد الفاشي -أيضًا- يقتضي أن يخلع الدكتاتور الشاب، رداء المدنية الذي استعاره ذات مرة من جامعات لندن. ويستحضر الجانب المظلم من حياة عائلة كانت تقطن في أعالي الجبال، ليمارس التوحش على امتداد الجهات الأربع، ويُفرّغ البلد من سكانه، ويُحول المدن المصدومة إلى كيانات جوفاء، على إيقاع طقس يومي، يشبه لعبة روليت روسية غادرة، لا أحد يتكهن كيف، ومتى، ستنطلق فيها الرصاصة إلى رأسه. وككل يوم، كان الضجيج الآدمي يعلو مذعورًا. السوريون ذاتهم وجوهٌ وأجسادٌ مغطاة بالدماء، وجثثٌ مكومة على أرض خرسانية تكاد تنطق، فيما جثث أخرى ما تزال تحت أنقاض البيوت المدمرة.

وصف أنطونيو غوتيريس ما يجري بأنه “الجحيم على الأرض”. ومع ذلك، لا أحد يكترث.. لا أحد يتحرك من أجل بلد يموت، بشكل عشوائي، ويختنق سكانه بأدخنة البارود وموجات الغبار على مراحل.

خلال سنوات سبع، سرقت الحرب حياة مئات الآلاف، وشردت نصف السكان، وأجبرت الملايين على الفرار إلى الخارج، هربًا من موت تقذفه السماء، يلاحق الجميع كظلهم.

لقد انتقل الأسد الذي رمى بثقله العسكري التقليدي، وغير التقليدي “الكيمياوي”، إلى مرحلة إنزال الخراب حيث أمكن، والموت إلى حيث يصل مرمى الإبادة، محاربًا شرسًا لدى القائمين في دهاليز “قم”.  ومفاوضًا محنكًا في قاعات “أستانا وجنيف”. ورئيسًا لا شرعية له، في نظر القسم الأكبر من الأهالي. ونجم “سوبرستار” لدى رواد صالات السينما من مؤيديه.

في أحد مساءات 2017، حاولت المؤسسة العامة للسينما، وهي هيئة حكومية، أن تلامس ما يجري من خلال عين واحدة؛ فأطلقت عرضًا خاصًا لفيلم أنتجته (على سطح دمشق). يحكي قصة حب، تبدأ في واقع افتراضي، وتنتهي بواقع فعلي، تُصدَم الفتاة فيه، مما تلحقه قذائف المجموعات الإرهابية، التكفيرية، المسلحة. من أضرار بحياة المحبين.

حسنًا.. لديكم الرغبة في مواصلة الحب، والحياة، كما نحن، ومثلما كانت -أيضًا- لدى إبراهيم القاشوش، مغني تظاهرات حماة، الذي اقتلعت المخابرات حنجرته، وغياث مطر الناشط السلمي الشاب الذي قتل تحت التعذيب في المعتقل. ثم ألا تعتقدون بأن الشاب (س) الذي قدم لأحد المتظاهرين جرعة ماء، بعد أن جف لسانه في يوم صيفي لاهب، من عام 2011، وهو يهتف “الشعب يريد إسقاط النظام”، فاعتقلته أجهزة الأمن، ثم ظهر اسمه بعد سبع سنوات من التغييب القسري، على لوائح قتلى السجون، التي وزعها الأسد مؤخرًا. كان يحب الحياة مثلكم؟!

عشرون ألف طفل (شهر– عشر سنوات) خطفت حياتهم صواريخ الدكتاتور، كانوا يحبون الحياة -أيضًا- ويحلمون بكراريس الدراسة، واللعب في باحات المدارس، والاستمتاع بقوالب الحلوى، كأطفالكم.

عدم اتساق النظر (على غرار من ينظر باستعلاء، ويروج لنظرية أن منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تستقيم إلا عبر أنظمة استبدادية، ديكتاتورية، تقود شعوبها قيادة القطيع)، وفقدان الطهارة والأخلاق، ودعم روايةٍ يكتبها رئيس، يقدمه ويؤخره جنرالات روس فوق أرضه، ويلعب به “آيات الله” كالكرة. ليس حلًا عقلانيًا لفاجعة بلد، انضمت حواضره، إلى لائحة المدن الميتة سريريًا في العالم.

في صراع الإرادات، تتطلب الصورة، بإلحاح، فهمًا أعمق لطبيعتها. وقد تساءل أحد السياح الأجانب، أمام لوحة ضخمة تزيّن مدخل أكثر أسواق دمشق شعبية: كيف استطاع شخص مثل صاحب هذه الصورة، قيل إنه متعلم، مثقف، خجول، كاره للسلطة، أن يتحول إلى قاتل؟! أو أن يسعد بحكم بلد ممزق، شطره الأول ميت، ويتيه من بقي حيًا منه في المنافي، وشطره الآخر تستعمره قوات روسية وإيرانية؟

تمتم وهو يدير ظهره: من أجل البقاء في السلطة، يمكن للأسد أن يفعل كل شيء!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق