سلايدرقضايا المجتمع

جامعة دمشق تراجعت من الثانية عام 1970 إلى ما فوق مئة بين الجامعات العربية

حتى عام 1970، كانت جامعة دمشق تحتل المرتبة الثانية عربيًا، بعد جامعة القاهرة، وفي عام 2004 كان ترتيب جامعة دمشق في تصنيف (ويبومتريكس) 48 على مستوى 100 جامعة عربية. أما في عام 2010، فقد خرجت جامعات سورية كافة من قائمة أول 100 جامعة عربية. وفي تموز عام 2018، وصل ترتيب جامعة دمشق إلى 10902 عالميًا، ولا وجود لها، أو غيرها من الجامعات السورية، في قائمة أول 100 جامعة عربية.

ونظرًا إلى أهمية هذه المسألة، بالنسبة إلى المجتمع السوري، بات من الضروري الوقوف عندها، والبحث في مكنوناتها، لمعرفة أسباب خروج الجامعات السورية من التصنيفات الأكاديمية عربيًا وعالميًا، وللإجابة عن السؤال الذي يطرح نفسه: هل من أمل في تغيير ذلك نحو الأفضل في المستقبل، إذا تغيّر النظام الأسدي؟ هذه المسألة كانت محور متابعة (جيرون) مع أساتذة جامعيين وباحثين مطلعين على كنه المسألة برمتها.

الباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، والأستاذ السابق في جامعة دمشق، الدكتور طلال مصطفى، قال لـ (جيرون): “يعود تأسيس جامعة دمشق إلى عهد الحكم العثماني، من خلال تأسيس المدرسة الطبية بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1903، استنادًا إلى السياسة الصحية للدولة العثمانية. وفي عام 1913 ظهرت كلية الحقوق، ومن ثم أخذت اسم الجامعة السورية عام 1923 بقرار من رئيس اتحاد الدولة السورية صبحي بركات الخالدي. وبقيت تحمل ذلك الاسم حتى عام 1958، حيث أصبحت تدعى جامعة دمشق. وتميزت جامعة دمشق من الجامعات العربية بتعريب مقرراتها التدريسية حتى الطبية، وكان طلابها من الدول العربية كافة، وخاصة من دول المغرب العربي والخليج العربي واليمن والأردن. وهنالك العديد من المفكرين والسياسيين العرب المشهورين الذين درسوا في جامعة دمشق. واستمرت جامعة دمشق في تميزها العلمي عربيًا بعد جامعة القاهرة، وعالميًا أيضًا، حتى بداية حكم الأسد الأب 1970، حين أصبحت الجامعات السورية على علاقة عضوية بالنظام السياسي، وإن كان لها (من حيث الشكل) استقلال إداري، ابتداء من الهيمنة الأيديولوجية البعثية على المناهج التعليمية، وبخاصة مواد الثقافة القومية في السنة الأولى والثانية، ومنع النشاط السياسي للأحزاب السياسية الأخرى، حتى الأحزاب الرديفة (أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية)، وبالتالي، تم تحويل الجامعات السورية إلى أداة لنقل أيديولوجية النظام السياسي الاستبدادي وتعميمها على الطلبة”.

تحدث مصطفى عما حصل بعد ذلك: “في الثمانينيات من القرن الماضي، عمد النظام إلى تفريغها من مهماتها العلمية، عندما أوجد مفاضلة خاصة (رشوة علنية) للدخول إلى الجامعة، من خلال الانتماء إلى المظلة العسكرية: الصاعقة، الشبيبة، والحزب وغيرها، بحيث أصبحت الكتلة العظمى من الطلاب السوريين تشعر بأن مصيرها التعليمي أصبح مرتبطًا ارتباطًا عضويًا ببقاء النظام الاستبدادي في الحكم. ومع اندلاع الثورة السورية 2011، تحولت مكاتب حزب البعث وملحقاته في الجامعة إلى مكاتب أمنية لتلقّي التقارير الأمنية اليومية، في حق الأساتذة والطلبة المعارضين للنظام والمتعاطفين مع الثورة، بالتنسيق مع مندوبي الفروع الأمنية في كل كلية، حيث تم تحويل العديد من الأساتذة والطلبة إلى المعتقلات ومحاكم الإرهاب، للتحقيق معهم، وتحويل المستودعات (الأقبية) الخاصة بالكليات إلى معتقلات تديرها الأجهزة الأمنية، ليسيطر النظام على المؤسسات الأكاديمية سيطرة مطلقة، مثلها مثل المؤسسات العسكرية والأمنية. إضافة إلى أن مسؤولي الجامعات السورية والكليات لا تهمهم، على ما يبدو، نوعيات العمل ولا جودته، بقدر ما يهمهم إطاعة أوامر الأجهزة الأمنية والالتزام بسياسة النظام السياسي الاستبدادي، مركزين على قشور العملية التعليمية أكثر من الجوهر؛ ما أدى، كنتيجة حتمية، إلى تفشي النفاق السياسي من قبل كتبة التقارير الأمنية بحق بعضهم بعضًا، وغابت العدالة ومبدأ التعزيز لدى أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب، حيث الأولوية في البعثات العلمية لكتبة التقارير الأمنية، وليس المعايير العلمية، كما هو حاصل في الجامعات العالمية”.

وأضاف: “هنالك، أيضًا، غياب القوانين الناظمة للعملية التعليمية، وإن وجدت فإنها لا تطبق سوى ما تراه الأجهزة الأمنية، ناهيكم عن الفساد الأخلاقي والعلمي لبعض الأساتذة، حتى يمكن القول بخلو جامعة دمشق من البحث العلمي، مع أن هنالك ميزانية ترصد له. وغياب البحث العلمي يحوِل جامعة دمشق إلى مدرسة ثانوية فاشلة من مدارس دمشق. وبقية الجامعات السورية إلى مدارس للتعليم الأساسي الفاشلة أيضًا. ولهذا نرى جامعةَ دمشق والجامعات السورية الأخرى تغيب تمامًا عن التصنيفات العربية والعالمية”.

أما وزير التربية والتعليم السابق في الحكومة السورية المؤقتة، الدكتور محيي الدين بنانا، فيشير إلى تراجع التعليم في مراحله كافة، في عهد المستبد الأسد وابنه، ويقول: “لم يكن هذا التراجع بسبب نقص الإمكانات، وإنما كان ضمن خطة مبرمجة أسميتها فيما كتبته عام 1982 في صحيفة الطالب، تحت عنوان (تجهيل التعليم)، وكنت عندئذ أستاذًا مساعدًا في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق. وفعلًا، كانت جامعة دمشق متميزة في نظامها التعليمي، وأداء أعضاء الهيئة التدريسية، ونوعية الطلبة الذين يدخلون الكليات، حسب درجات تحصيلهم في الثانوية. ولكن بمجرد أن تدخّل النظام الأسدي الفاسد في التعليم؛ انخفض مستوى الطلاب، حيث بات القبول الطلابي في الكليات محكومًا بالانتماء إلى النظام الحاكم، فيعطونهم علامات إضافية تُدخلهم كلية الطب، أو الهندسة”. وأكد بنانا أن “اختيار المرشحين لنيل الدكتوراه أصبح أيضًا حسب الانتماء للطغمة الحاكمة، وليس حسب التفوق العلمي، كما كان سائدًا قبل استيلائهم على السلطة. هذه الأسباب، وغيرها، أدت إلی انخفاض المستوی التعليمي في كل الجامعات السورية؛ فتقهقرت مكانتها العلمية، علی المستوی العربي والعالمي”.

بينما تحدث الأستاذ الجامعي، الدكتور وسام الدين العكلة، عن التراجع الكبير لترتيب الجامعات السورية على المستوى العربي والعالمي خلال السنوات الأخيرة، عادًّا ذلك “كارثة كبرى”. وقال: “إن حال قطاع نشر وإنتاج المعرفة عن طريق التعليم والبحث العلمي هو نتيجة مباشرة لفشل السياسة التي تتبعها الحكومة في إدارة ملف التعليم ونشر المعرفة، وتسييس الجامعات ومراكز الأبحاث، وإخضاعها للرقابة وتسلط الأجهزة الأمنية، وتراجع الاهتمام بالتعليم على حساب ملفات أخرى، مثل الحرب، وتجنيد الطلاب، وتحويل الجامعات إلى مراكز عسكرية، وفرض رقابة صارمة على الأساتذة والعاملين في وزارة التعليم العالي والجامعات بشكل عام”.

يعتقد العكلة أن هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء تراجع الجامعات السورية، منها “تسييس الجامعات وإقحامها وطلابها والعاملين فيها في الأزمة التي يعيشها النظام، والأوضاع الأمنية السيئة، في كثير من المدن التي توجد فيها الجامعات، واستهدافها بالقذائف والصواريخ، وصعوبة وصول الطلاب إلى كلياتهم، واتخاذ كثير من الطلاب قرار الهجرة إلى خارج سورية، أو الالتحاق بالخدمة العسكرية، وتراجع الإمكانات المادية للأهالي نتيجة انخفاض قدراتهم المالية، وارتفاع تكاليف التعليم ونفقات المعيشة. وأيضًا تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح، حيث تراجعت نسبة الموازنة المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي من 10 بالمئة من الموازنة العامة عام 2010، إلى أقل من 2 بالمئة من الموازنة العامة لعام 2017، وهو ما انعكس على جودة التعليم، فتراجع”.

أضاف العكلة: “يضاف إلى ذلك هجرة المئات من الأكاديميين السوريين بسبب الملاحقة الأمنية، وربط التعيين والترقية بدرجة الولاء للنظام، وسيطرة الأجواء الطاردة للكفاءات والقدرات، وعدم تقدير العلم والعلماء من جانب المسؤولين. وأضرت هجرة العديد من العقول السورية بالجامعات السورية لمصلحة جامعات أوروبية وتركية؛ وهنالك جامعات أوروبية وتركية تحتضن كفاءات أكاديمية متميزة، أثبتت نجاحها وإفادتها لهذه الجامعات، بعد أن قامت بتأمين البيئة العلمية والبحثية المناسبة لهم. وأدت هذه الهجرة إلى نقص عدد الأكاديميين في الجامعات السورية نسبةً إلى عدد الطلاب في الكليات، وإلغاء العديد من تخصّصات الدراسات العليا. كما تسبّب عدم تفرّغ الكوادر التدريسية للبحث العلميّ وكتابة الأبحاث، في تراجع البحث العلمي، وأدى تراجع الخدمات المقدمة إلى الجامعات، إلى إلغاء العديد من الوسائل التعليمية التطبيقية في الكليات العلمية، وتدني مخصصات البحث العلمي في الجامعات، فنسبة ما يخصص لهذا الجانب تافه جدًا من ميزانية الجامعات الضعيفة أصلًا؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد الأبحاث العلمية والنشر في المجلات والدوريات الأكاديمية الموثوق بمكانتها العلمية، وعدم نشر هذه الأبحاث -إن وجدت- على مواقع الجامعات الإلكترونية، ومن ضمنها رسائل الماجستير والدكتوراه”.

ونبّه إلى “صعوبة الوصول إلى المواقع الإلكترونية للجامعات السورية، بسبب ضعف سيرفرات هذه المواقع، وعدم مواكبتها للتكنولوجيا الرقمية، وحجبها في العديد من الدول بسبب ممارسات النظام، وعدم تحديث البيانات والمعلومات بشكل دوري، إضافة إلى بطء شبكة الإنترنت وصعوبة الوصول إلى عدد من المواقع الإلكترونية. وتراجع حجم التبادل الثقافي والتعاون الدولي بين الجامعات السورية والجامعات العالمية وعدم قيامها بتنظيم الفعاليات والنشاطات والندوات والمؤتمرات العلمية، وتراجع حجم البعثات العلمية إلى الجامعات الغربية، وتحويلها هذه البعثات إلى جامعات متخلفة في روسيا وإيران. وأيضًا تراجع عدد الأساتذة ممن يعملون في الجامعات السورية الذين يشاركون في المؤتمرات العلمية الدولية، ويحصلون على جوائز عالمية أو إقليمية معروفة. وعدم الاهتمام باللغات الأجنبية، خاصة اللغة الإنكليزية، لمواكبة الأبحاث العلمية التي تنشر غالبًا باللغة الإنكليزية، باعتبارها أصبحت لغة العالم العلمية”. كما نبه كذلك إلى “انتشار ظاهرة تزوير الشهادات داخل الجامعات السورية، بالتعاون مع موظفين ومسؤولين متنفذين في وزارة التعليم العالي، الأمر الذي انعكس على صدقية وسمعة الشهادات التي تصدر عن هذه الجامعات. ومع ازدياد عدد الدورات الاستثنائية التي تمنح للطلاب، أدى إلى تراجع مستوى الامتحانات، وتراجع سمعة الجامعات السورية، وتراجع كفاءة الطلاب الخريجين، إضافة إلى تخلف المناهج التعليمية وطرائق التدريس وعدم مواكبتها للتطورات التكنولوجية”.

وأكد أنه “لتحسين مستوى الجامعات السورية، لا بد من إبعادها عن التسييس، ورفع أيدي الأجهزة الأمنية عن هذه الجامعات، وإدارة ملف الجامعات والمراكز البحثية بشكل أكاديمي وعلمي، مع زيادة الإنفاق على الجامعات والبحث العلمي، والاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي، وربط فلسفة التعليم بالمفهوم الشامل للتنمية، وتهيئة المناخ ليكون جاذبًا، مع المحافظة على الكفاءات والعقول السورية، ومحاولة تأمين البيئة المناسبة لعودتهم للإسهام في إعادة إعمار الجامعات السورية، والاستفادة من تجاربهم التي اكتسبوها خلال عملهم في جامعات المنفى، إضافة إلى تطوير قانون تنظيم الجامعات ومنحها الاستقلال المالي والإداري، وتقدير الأساتذة، واعتماد ضوابط ومعايير واضحة لترقيتهم، تعتمد على الموضوعية والشفافية والقدرة والكفاءة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق