ترجماتسلايدر

ماكرون والغرب يجب ألا يتعاونوا مع لعبة بوتين في سورية

ارتكب الرئيس الفرنسي خطأ فادحًا في السماح لروسيا بتوزيع المساعدات الفرنسية

الصورة: ماكرون وبوتين في قصر فرساي العام الماضي. صورة ستيفان دو ساكوتان/ وكالة حماية البيئة.

في 21 تموز/ يوليو، هبطت طائرة شحن عسكرية (أنطونوف) روسية على مهبط للطائرات في شاتورو، وسط فرنسا. حُمّلت بـ 50 طنًا من المساعدات الإنسانية -الإمدادات الطبية والخيام- وطارت إلى قاعدة حميميم العسكرية الروسية في سورية. إنها الحصن الذي تنطلق منه قوات بوتين لشن هجمات مرعبة على المدن والأحياء منذ عام 2015، حيث دفعوا بقوتهم العسكرية وراء نظام بشار الأسد الوحشي.

من نواح عديدة، كانت هذه هي اللحظة التي باع فيها ماكرون روحه إلى بوتين في سورية. لكن هذه المهمة المحرجة لم تكن فقط حول صورة فرنسا. الحادثة بأكملها كشفت شيئًا عن الضيق/ المرض الغربي الأوسع، حول كيف يمكن للديمقراطيات أن تضحي بسهولة بالمبادئ، وكيف تستفيد الأنظمة الاستبدادية من هذا الضعف.

اتفق ماكرون وبوتين على هذه العملية المشتركة، خلال اجتماعهما في شهر أيار/ مايو، في سان بطرسبرغ. ووفقًا لبيان فرنسي-روسي، فإن المساعدات كانت موجهة إلى سكان الغوطة الشرقية، وهي إحدى ضواحي دمشق التي حاصرتها قوات الحكومة السورية، وقصفتها الطائرات الروسية بعنف. الغوطة الشرقية هي أيضًا المكان الذي استخدمت فيه قوات الأسد الأسلحة الكيمياوية آخر مرةٍ في شهر نيسان/ أبريل الماضي، وهي جريمة سعت الدبلوماسية الروسية لإنكارها في مختلف المحافل الدولية. كان من المفترض أن يتم توزيع المساعدات رسميًا تحت رعاية الأمم المتحدة، لكن تبين أن هذا غير صحيح: فقد نفت الأمم المتحدة في وقت لاحق مشاركتها. فقط الجيش الروسي والسلطات السورية التي تسيطر على المكان، حيث ذهبت الإمدادات الطبية.

باختصار: سمحت فرنسا لنفسها بأن تكون جزءًا من حملة دعائية روسية سورية تهدف إلى عرض التعاون مع دولة أوروبية، دان دبلوماسيوها منذ سبع سنوات سياسات الأسد وبوتين في سورية. لماذا وكيف وافق ماكرون على تقديم هذا البريق “الإنساني” لمشاركة روسيا في سورية؟ لا يزال الأمر غير واضح.

من غير المستغرب أن تكون وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الكرملين مثل (سبوتنيك) و(آر تي) (وهي المنافذ ذاتها التي انتقدتها ماكرون علنًا ​​في عام 2017) سريعة في الحديث عن الأخبار. لكن في فرنسا لم تحظ باهتمام يُذكر. تُركز البلاد هذا الصيف بشكل كامل على فضيحة بنالا (التي تشمل حارس أمن لماكرون، ضرب المتظاهرين خلال تظاهرات الأول من أيار/ مايو في باريس). لكن غياب التدقيق حول تحول ماكرون المذهل في سورية أمرٌ مثير رغم كل ما قيل. وفي هذه المرحلة، ليس من الواضح على الإطلاق أكانت  أسئلة غير سارة ستُطرح أم لا. بعد تقليد فرنسي، لا تقوم رئاسة ماكرون بتنظيم جلسات إحاطة منتظمة، وبالتالي يختار الإليزيه زمن مساءلته علانية.

لكن أهمية الحادثة تتجاوز حدود فرنسا. يمكن لتشارك ماكرون مع بوتين في سورية أن يكون نذيرًا محتملًا للمزيد من الاستسلام الغربي بما يتعلق بسورية، وهو كارثة على حقوق الإنسان في بلدٍ قُتل فيها ما يقدر بنحو نصف مليون شخص، وشُرّد ملايين اللاجئين. من خلال هذا الإجراء غير الحكيم، أصبحت فرنسا أول ديمقراطية غربية تسمح لنفسها بأن تُستخدم في تجربة روسية عالية المستوى، بالكاد تحقق مكسبًا صغيرًا لبوتين.

ربما كنت تتساءل ما هو الخطأ في تقديم المساعدات من خلال الجيش الروسي؟ الإجابة متضمنة في السؤال: حتى لو كانت عملية لمرة واحدة، فهي مُذلة أخلاقيًا. ليس أقلها لأنه لم يكن هناك ضمان بأن تصل المساعدات إلى الأشخاص المحتاجين، أو أنها لن تفيد جزئيًا القوات التي قتلت السكان المحليين.

تغاضت بادرة نقل المساعدات إلى الجيش الروسي عن وجوده على الأرض -إلى جانب المنظمات السورية التي تعمل معه- كقناة موثوقة للإغاثة. هذا من فرنسا، التي كان ممثلها في الأمم المتحدة في كانون الثاني/ يناير يسأل عن أي مصداقية يمكن أن تُعطى لبيانات الحكومة السورية أو لمن يدعمونها.

“إرهاق سورية” الذي بدأ منذ زمن بعيد في المجتمعات الغربية. وهو يعتمد على شعور بالعجز في مواجهة رعبٍ لا يمكن إيقافه على ما يبدو، وتعقدٍ مستعصٍ. لقد تعمّق الارتباك والرضا أيضًا، بسبب انتشار الأفكار اليمينية المتطرفة (لا ننسى إيطاليا ماتيو سالفيني، وفرنسا “مارين لو بان”، وحزب الحرية في النمسا، وغيرهم، كلهم يوافقون على تصرفات بوتين في سورية). بالإضافة إلى المهاترات من أقصى اليسار.

ولن يساعده بالطبع أن الرئيس الأميركي يجتمع مع زعماء أجانب استبداديين يستغلون نرجسيته وضحالته، ولا أن هدفه الوحيد في سورية هو حماية إسرائيل من التهديد الإيراني الإقليمي، غير مبال تمامًا كما هو لمعاناة المدنيين السوريين.

لكن فرنسا حافظت في السنوات الأخيرة على موقف حازم، بشأن حمام الدم في سورية ودور روسيا فيه. والآن بعد أن قام الإليزيه بتلميع الجيش الروسي في الواقع، فقد خاطر بإلغاء أي مبادئ إنسانية مؤيدة لخياراته، وهذا يجعله يبدو مفلسًا أخلاقيًا. لأي هدف؟ أحد التفسيرات، التي اقترحتها مصادر في باريس، هو أن ماكرون يريد “البقاء في اللعبة الدبلوماسية” المتعلقة بسورية. ونتيجة لتأييد دونالد ترامب لمثل هذا الحليف غير الموثوق به في سورية، كما في قضايا أخرى، يبدو أن ماكرون قد استنتج أنه بحاجة إلى التقرّب من بوتين.

لقد لعب بوتين بأوراقه بشكل جيد في سورية، وأبعد الغرب، وأصبحت له اليد العليا عسكريًا إلى جانب إيران، حليف الأسد الرئيس الآخر. والآن بعد أن تم سحق آخر بقايا انتفاضة عام 2011 الشعبية ضد الأسد، فإنه عازم على تجنيد الدعم الغربي لما يُسمى خطط المصالحة، وكذلك المساهمات الغربية في “إعادة إعمار” سورية، وكل ذلك سيحدث في ظل السيطرة الروسية. هناك أمرٌ واحد، بالنسبة إلى الأوروبيين كي يكونوا واقعيين حيال اختلال توازن القوى، هو محاولة بناء استراتيجية تهدف إلى منع سيناريو أسوأ حالة من القمع والتطرف في سورية، التي ما زالت تشكل أرضًا خصبة للإرهاب. لكن الأمر يختلف تمامًا عن التظاهر بأن روسيا يمكن أن تكون حليفًا في القضايا الإنسانية، بعد دورها الرئيس في الفظائع الجماعية التي حدثت، وبعد العديد من عمليات النقض/ الفيتو، وغيرها من المعيقات الدبلوماسية في الأمم المتحدة.

تعاني رئاسة ماكرون من تداعيات قضية بنالا. لكن هذه فضيحة أخرى، ينبغي النظر فيها عن كثب، فيما يتعلق بكيفية استجابة دولة ديمقراطية أوروبية رئيسة للجرائم ضد الإنسانية، ولأولئك الذين ساعدوا في ارتكابها على نطاق واسع. يسعى بوتين للحصول على تواطؤ غربي في تستره على الفظائع في سورية. إنه يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ الحديث عن طريق جذب الدول الغربية إلى سردية تُقدّم روسيا كقوة محتملة للخير، بدلاً من كونها شريكًا للأسد في القتل.

لقد مضى بوتين بعيدًا بذكر مشكلة اللاجئين الأوروبيين، كسبب إضافي للغرب كي يتعاون معه ومع الأسد، الذي لديه كل العزم للبقاء في السلطة. هذا في الوقت الذي اعترف فيه النظام السوري بتعذيب الآلاف حتى الموت في سجونه منذ عام 2011.

السؤال المطروح الآن على الدول الأوروبية هو هل كانوا سيتبعون طواعية خطى ماكرون، ويصبحون بيادق في لعبة بوتين والأسد لضمان الموثوقية كخطوة أولى نحو تأمين الأموال الغربية لإعادة الإعمار.

ماكرون هو رئيسٌ فرنسي شاب يرغب في قيادة أوروبا، وغالبًا ما يظهر تذوقه للفلسفة. وبينما كان يغازل بوتين على أمل أن يساعد في ألا تُهمش فرنسا في سورية، فقد يرغب في التفكير في ما قاله الفيلسوف، رينهولد نيبور، عن “مفارقة التاريخ”. المفارقة، كما كتب نيبور، تأتي عندما “تُحلُّ أحلامنا من الفضيلة النقية” كنتيجةٍ “لاتخاذ إجراءات خطرة أخلاقيًا” و”محاباة المذنب المحتمل”.

اسم المقالة الأصلي Macron and the west must not play along with Putin’s Syria endgame
الكاتب ناتالي نوغايريديه، Natalie Nougayrede
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 1/8
رابط المقالة https://www.theguardian.com/commentisfree/2018/aug/01/emmanuel-macron-vladimir-putin-syria
عدد الكلمات 1087
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق