سلايدرقضايا المجتمع

أيتام سورية: اضطرابات نفسية تهدد جيلًا كاملًا

“تسبب خطأ طبي، في أحد مشافي دمشق، في فقدان الطفلة (رشا) ذات العشرة أعوام يدها اليمنى، لكن المصاب لم يقف عند ذلك الحد، إذ سرعان ما فقدت (رشا) والدها بعد فترة وجيزة؛ ليصبح الفقدان جسديًا ومعنويًا في آن واحد”.

تشرح المعلمة ظلال عركوش، منسقة حماية الطفل في منظمة (بنيان) التعليمية بريف إدلب، معاناة الطفلة (رشا)، التي تعتبرها واحدة من التحديات التي استطاعت مواجهتها بنجاحٍ تكلل بعودة الطفلة إلى حياتها الطبيعية: طفلة وتلميذة في المدرسة. أوضحت عركوش في حديث إلى (جيرون): “الصدمة المزدوجة التي عانت منها رشا بفقدان أحد أطرافها، ثم والدها، جعلتها تترك المدرسة، لأنها باتت تشعر أنها مختلفة عن بقية زملائها، وبعد زيارات متكررة لأسرة الطفلة، وجلسات مع اختصاصي وحدة حماية الطفل؛ نجحنا في كسر الحواجز التي كانت تحول بين (رشا) وأقرانها، وعادت إلى متابعة دراستها”.

العلاج والتأهيل الجسدي الذي حظيت به الطفلة (رشا) كان جزءًا أساسيًا من علاج الصدمة التي كانت تعاني منها. وتضيف المعلمة ظلال في هذا الخصوص: “بعد فترة من بدء العلاج النفسي؛ قمنا بإحالة رشا إلى مركز لتركيب الأطراف الصناعية، ما قرّبها أكثر من زملائها، وأزاح عنها شعور الاختلاف والنقص الذي كانت تعانيه تجاههم، وكان ذلك من أفضل إنجازاتنا حيث إننا أعدنا تأهيل هذه الطفلة اليتيمة جسديًا ونفسيًا.

أطفال سورية هم الأكثر تضررًا من العنف الحاصل في البلاد، منذ انطلاق الثورة السورية حتى الآن، سواء أكان الضرر جسديًا، كمعاناتهم من إعاقات دائمة بسبب القصف، أم نفسيًا من خلال فقدانهم أحد الوالدين، أو كليهما، ما يتسبب لهم في صدمات نفسية تفوق قدرتهم على التحمّل.

في نهاية عام 2017، قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عدد الأطفال السوريين الذين فقدوا أحد والديهم، أو كليهما، بنحو مليون طفل؛ ما يُعدّ كارثة بكل المعاني، خاصة أن عدد سكان سورية كان قبل الحرب نحو 24 مليونًا، ثلثهم من الأطفال، وهذا يعني أن نحو 10 بالمئة من أطفال سورية أيتام لأحد الوالدين، أو كليهما، بسبب الحرب.

معظم الأطفال الأيتام في سورية يتشابهون، من حيث ردّات الفعل والقيام بسلوكات نفسية متشابهة، كالعزلة أو العدائية تجاه أقرانهم. تخبرنا المعلمة ظلال من وحدة حماية الطفل، عن حالة أخرى لطفل يتيم في أحد مدارس ريف إدلب، قائلة: “كان لدينا طفل انطوائي جدًا، وليس لديه أصدقاء بالمطلق، ولا يتحدث مع أحد نهائيًا. لاحظت معلمته هذا الأمر، فأخبرت مسؤولة حماية الطفل الموجودة في المدرسة. ومن خلال جلسات عدة وأنشطة، تبيّن أن الطفل فقد والده خلال الحرب، وأمه مقيمة في بيروت، ما اضطره إلى العيش مع جدته وشقيقه الأصغر”.

وتتابع “بعد 20 يومًا تقريبًا من المتابعة والجلسات المكثفة؛ بدأ الطفل يتحسن، بعد أن استطاعت الاختصاصية النفسية كسب ثقته، من خلال جلسات الدعم الفردي بينها وبينه، ومع الوقت أصبح أكثر اندماجًا مع الأطفال في المدرسة”.

أكدت المعلمة ظلال عركوش أهمية أن يقوم المعلمون بمتابعة الأطفال ومراقبة أحوالهم، خاصة الأيتام منهم، وأن يبدوا الحرص على مشاعرهم، ولا سيما عندما يتطرقون إلى الحديث عن الآباء والأمهات، لما لذلك من أثر كبير على نفسية هؤلاء الأطفال.

الدكتور ناصر الحافظ، الاختصاصي بالطب النفسي، يرى أن “الأطفال يشعرون، خلال الكوارث والحروب، بالضياع والإهمال والاغتراب، نتيجة العنف الذي يتعرضون له”. ويتابع في حديث إلى (جيرون): “الأطفال الذين فقدوا أحد أبويهم، أو كليهما، يكون الأثر النفسي عليهم كبيرًا، بسبب فقدهم لشخص كان بالنسبة إليهم مصدرًا للأمن والسلام والدفء، لذلك هم عرضة أكثر من غيرهم للمعاناة من سوء المعاملة الجسدية والنفسية”.

 

 

 

 

 

 

 

وبحسب الدكتور ناصر، فإن أغلب المشكلات النفسية التي يعاني منها هؤلاء الأطفال هي العدوانية، واضطرابات السلوك (السرقة، إشعال الحرائق، إيذاء الحيوانات)، والاكتئاب والخجل واضطرابات النوم والطعام، إضافة إلى العديد من المشكلات النفسية الأخرى، لكنها أقل تواترًا.

وعن الحلول الممكنة لمساعدة الأطفال الأيتام خاصة في المؤسسات التعليمية، يوضح الدكتور الحافظ ذلك قائلًا: “بدايةً هم يحتاجون إلى أساسيات الحياة الآمنة والكريمة، كالطعام والمأوى والرعاية الصحية، إضافة إلى حاجتهم الكبيرة إلى أشخاص يثقون بهم ويتفهمون مشاعرهم، ويساعدونهم في التغلب على وضعهم”.

ينصح الدكتور الحافظ “بضرورة إحالة هؤلاء الأطفال إلى المراكز النفسية المتوفرة في منطقتهم”، مؤكدًا ضرورة اتباع عدة نقاط خلال التعامل معهم، كالاستماع الفعّال لحديثهم، والتعاطف والتعامل معهم باحترام، وعدم التمييز بينهم وبين الأطفال الآخرين، والتشجيع والدعم المستمر، مع الحرص على ضمان السرية والخصوصية”.

ولأن المدرسة والطاقم التعليمي جزء أساس من عملية إعادة التأهيل النفسي للأطفال، استعرض الدكتور ناصر الحافظ جملةً من التدخّلات السلوكية والمعرفية التي يمكن للمعلمين القيام بها، في أثناء تعاملهم مع هذه الفئة من الأطفال، أهمها التواصل مع الاختصاصي النفسي، لمعرفة كيفية التعامل معهم بأفضل السبل، وعدم اعتماد العقوبات الجسدية، لأنها تزيد المشكلة، واستخدام أسلوب حجب المكافأة بدلاً من العقاب.

يتابع موضحًا: “من الضروري تكليف هؤلاء الأطفال بمهمات قصيرة وتشجيعهم على إكمالها، وتنبيه الأطفال الآخرين إلى ضرورة التعامل معهم بشكل جيد وعدم إهانتهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير العاطفي من خلال اللعب، وإشباع حاجاتهم من الحب والحنان والرعاية، وربط القيم بالأشياء الموجودة في البيئة المحيطة، وتجنب المقارنات بين الأطفال”.

من جانب آخر، شددت الباحثة الاجتماعية كبرياء الساعور، في حديثها إلى (جيرون) “على ضرورة أن يوجد في المدارس خدمات للدعم النفسي، وأن يكون المعلمون على دراية بأساليب التعامل مع الأطفال الأيتام، أو الذين يعانون من مشكلات في أسرهم”. وأضافت: “من الضروري أن يكون المعلم حذرًا، وألا يُشعر الطفل بالشفقة، فهناك ممارسات كثيرة قد تجعل الطفل يشعر بالإهانة، كتقديم الهدايا له فقط، لأنه يتيم، أو إقامة حفل للطفل اليتيم حصرًا، فكل هذه التصرفات قد تؤدي إلى آثار سلبية، لذلك من المهم أن يكون المعلمون قادرين على خلق جو إيجابي في الصف”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق