أدب وفنون

الجهل المقدس

زمن دين بلا ثقافة

الجهل بالمعنى العام هو “عدم المعرفة”. وبالمعنى الإيجابي يكون دافعًا لأسئلة جديدة، لاكتشاف ظواهر جديدة لم تكن معروفة من قبل، وبذلك يكون “محرك مقدمات المعرفة جميعًا”. أو الجهل بالمعنى السلبي، أو الجهل الواهم، “الذي يوهم بأننا نفهم، في حين أننا لا نفهم”… “وإنك لا تجهل الأشياء الأهم وحسب، وإنما تظن أنك تعرفها أيضًا”، وقد أطلق عيه أفلاطون تسمية “الجهل المزدوج”.

يعمل أوليفييه روا -وهو باحث فرنسي مختص في الأصوليات- في كتابه (الجهل المقدس) على تفسير صعود الأصوليات، استنادًا إلى علاقة الديني بالثقافة، وانسحاب الديني من الثقافة واعتبارها دنيوية وثنية، ودور العولمة في النشر والتعميم. ولماذا تبدو الأديان اليوم وكأنها هي التي تضطلع بإعادة ترتيب الهويات؟

في الزمن الغابر، كان الدين منزلًا في الثقافة “نزول الجوهرة في الخاتم”. وفي السنوات الأولى من عمر المسيحية، كان انتشار الدين من فرد إلى فرد بثقافة عامة، ولغات متعددة، ولا يمكن للدين أن يوجد خارج ثقافة ما، وكانت الأديان المهيمنة آلات عظيمة لصنع النظام الثقافي. لكن ذلك كان عائقًا أمام المسيحية التي تدعو إلى الدين التوحيدي، أي تقدم مفهومًا جديدًا للدين.

وفي تاريخنا العربي الإسلامي الأكثر جذرية، وُصفت الثقافة العربية، ما قبل الوحي، بالجاهلية أو الوثنية. وما زالت خرافة الجاهلية قيد الاستخدام، من قبل الليبراليين والإصلاحيين الذين يريدون إثبات أن مشكلة الإسلام لا تنجم عن الدين، بل عن الثقافة بالمعنى الأناسي دائمًا. وبذلك تُعزز في الواقع فكرة الثنائية بين ثقافة إسلامية وثقافة عربية، مع انتقاص من قيمة الثانية، وهذا التوجه المشترك بين جميع مفكري الإسلام الجدد.

وحين تم الانتقال من الجماعة الدينية إلى المجتمع السياسي (إقليم ودولة)؛ اندرج الديني في المنظومة الثقافية، وانزلق ليتم (تدجينه)، ويعمل على تبرير النظام السياسي والاجتماعي، وامتلك بذلك حق الرقابة على الإنتاج الثقافي، وما زال يحتكر هذا الحق حتى الآن، كما هو حال الأزهر، والمراجع الشيعية، وتكفيرهم، وحتى قتلهم لكل مفكر متنور.

ثمة لغتان بوجه خاص، تصادفان مشكلة في علمنتهما هما: العربية والعبرية. فالعربية هي مقدسة لأنها لغة القرآن، وتمت محاصرة العديد من كتابات المثقفين العرب مثل طه حسين، والعقاد، وألف ليلة وليلة، واغتيال فرج فودة باعتباره مرتدًا عن الإسلام. والحجة عند الدينيين: “لا عروبة إلا بالإسلام”. هذا التوتر بين اللغة والمقدس، دفع بالسلفية إلى أن تعبّر عن التقهقر الثقافي في منتهى القوة، وتلك هي مفارقة العالم العربي. واللغة معلم هويتي أساسي. ولأن الأصولية الجديدة هي ناتج ومنتج لتقهقر الهوية الثقافية في آن معًا.

منذ سبعينات القرن الماضي، حصل الانسحاب، مثل انسحاب الأسقف لوفير عن الكنيسة البروتستانتية، ومجموعة جذرية تستلهم أفكار سيد قطب وتقطع علاقتها مع الإسلام الأكثري، ولا بد من التخلص من الثقافة الوثنية لإنقاذ صفاء الإيمان، وذاك هو الجهل المقدس.

إن العلمنة شرط الحداثة، ونتيجة لها. ورأي آخر، يرى في عودة الديني حركة احتجاج على حداثة مُستًلِبة، أو وهمية، أو كشكل مختلف للدخول في الحداثة. وهذا الحوار يدور في فرنسا اليوم حول اللائكية، التي تعني الفصل بين المجتمع المدني والديني. والعلمنة تمس الإيمان وليس القيم؛ لأن الجميع يشترك بالقيم الأخلاقية نفسها، مع ضرورة إحداث جدل حولها.

العلمنة الأوروبية فصلت الدين عن الدولة، وعن البنية الثقافية، إلا أنها “لم تُزل الديني؛ إنما أظهرته كديني محض”. والانتعاش الديني ليس ردة فعل ضد العلمنة، إنما “هو ثمرتها، والعلمنة تصنع الديني”. وهذا ساهم في ظهور الإنجيلية، والخمسينية البروتستانتية، التي تشدد على ضرورة تجديد الصلة بالكنيسة البدائية والعودة إلى عهد الرسل، والوهابية الإسلامية، والسلفية. فالسلفية تستمد نشأتها من الوهابية، والبروتستانتية تندرج في تقليد الصحوات البروتستانتية، في القرن الثامن عشر، وإننا نشهد إعادة صياغة الديني، وعلاقته المتغيرة مع الفضاء العام. لأن الأديان الرائجة اليوم، ليست نفسها التي أسست الحضارات القديمة الكبرى.

وعند الديني “يثير مفهوم الثقافة مشكلة لدى الإنجيليين والسلفيين، ولا بد من التخلص من الثقافة المهيمنة، وتجاهل الثقافة الوثنية لإنقاذ صفاء الإيمان، والخلاص عند الديني لا يتطلب معرفة، بل إيمانًا، وهذا هو الجهل المقدس”. و”المقصود عند الديني ليس معارضة ثقافة رديئة بثقافة جيدة، إنما معارضة الثقافة بالإيمان، والعودة إلى الأزمنة الأولى للأنبياء”. لأن المعرفة -برأي الديني- لن تضيف شيئًا إلى الإيمان وكتاب الله. وبذلك يكون الجهل المقدس، تقديسًا للجهل بالمعرفة والفلسفة والفنون والأفكار التنويرية والثقافة عمومًا.. الخ.

الثقافة تعني منتجات رمزية ومؤسسات خاصة بالمجتمع، وأصناف جمالية مستقلة مثل الفن. إلا أن هذا يصطدم بالاستثناء الديني الذي يرفض أن يكون نظامًا ضمن المعتقدات الأخرى، لأنه يؤكد أنه يقول الحقيقة، والإيمان يطرح حقيقة أبعد من العلاقة الثقافية. إن الإيمان بلا ثقافة، هو وجه لما يسمى بالتعصب، مع أن علم الاجتماع يعالج الدين باعتباره جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع.

يرى أوليفييه أن “ثمة ظاهرتين تلعبان دورًا رئيسيًا في طفرة الديني اليوم، هما: زوال الصفة الإقليمية، وفقدان الهوية الثقافية. وزوال الصفة الإقليمية يتم بانتقال الأشخاص، وبخاصة انتقال الأفكار والمواد الثقافية والإعلام وأنماط الاستهلاك بعامة، في فضاء غير إقليمي”.

“إن انسحاب الديني من الثقافة ظاهرة جوهرية لتطور الديني في الحقبة المعاصرة، وهو نتيجة للعولمة ووسيلة لها في آن. وتفسر نجاح الأشكال الأصولية للديني”. وإن “عودة الديني المعاصرة هي نتيجة للعولمة التي خلقت سوقًا عالميًا للديني”. والأصولية هي الشكل الديني الأفضل تكيفًا مع العولمة، لأنه يضطلع بإزالة الهوية الثقافية الخاصة، ويتخذ من ذلك أداة طموحه إلى العالمية. والأصولية تضطلع بالقطيعة الثقافية.

تقدم العولمة الراهنة: المنهج، والتعميم، وتسريب الظاهرة. وكي يتعولم الديني يجب التخلي عن ثقافته، كما يتعولم المسيحية والإسلام. وعبر نظريتي العولمة: التثاقف كهيمنة سياسية، حيث انهزمت -مثلًا- الثقافة الهندية أمام المسيحية والإسلام، لكن الهنود لم يبادوا، إنما أعادوا صياغة أنفسهم متلائمين مع الواقع الجديد. ونظرية السوق وهي الأحدث من التثاقف، التي تنقل الدين، عبر الفضائيات المتعددة والتي انتشرت بكثافة، منزوعًا من ثقافته الأساسية. والعولمة تجعل من الأصولية منتجًا معدًا للتصدير. إن إعادة وجود فضاء مشترك للأديان، المعتمدة على ثقافات متضادة، يجعلها جميعها تعارض دينامية العلمنة.

وبالتأكيد، الانسحاب الراهن من الثقافة يُحدث عدوانية مزدوجة داخلية وخارجية، تتمثل في إصدار الفتاوى التكفيرية، وإجراءات ضد اللادينيين أو الرماديين وتكفيرهم، بل اغتيالهم، مثل فرج فودة، حسين مروة…الخ. وتتحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز. ولذلك تضع الحركات الدينية قواعد متزمتة مثل: التدخين وشرب الكحول ومراقبة السلوك الجنسي، والسينما والتلفزيون والمسرح والرقص.. الخ.

الانسحاب من الثقافة يعني فقدان البداهة الاجتماعية للدين، ولذلك يعيش المؤمنون في جاليات مغلقة كأقليات، مثل: نساء محجبات، وضمن مهن حديثة، مثل المهندسين والموظفين، وخطاب ديني من التراث، ولامبالاة تجاه الثقافة التقليدية، وانبهار بالتكنولوجيا الحديثة. والتحول من دين إلى آخر لا يعني أن الحرية الدينية موجودة، بل يعني أن الرابطة التقليدية بين دين وثقافة قد اندثرت، مثل القاعدة التي تضم 10-20 ٪ من المتأسلمين.

والحداثة الوثنية الجديدة المتعلقة بالجنسانية والمرأة وحق الإجهاض والمثلية، والحرية الممنوحة للفرد، التي يعتبرونها وثنية، وأن الفرد البشري حل محل الله. فما يعنيهم تغييب الله وحقيقة كون الفرد مقياس كل المعايير.

إنه رفض الحرية والديمقراطية، ورفض العلم، واعتبارها من منتجات الغرب، وبالتالي الوقوف ضدها. والثقافة في العالم العربي ثقافة فارغة، وتختفي تحت الضغط المزدوج للسلفية من جهة، وللتغريب من جهة ثانية.

وقد جرى مؤخرًا التكلم بلغات مختلفة لإيصال الصوت الديني. وباعتبار اللغة حمالة الثقافة وموضوع معرفة، وأن إلغاء اللغة لصالح الكلام، هو بلا ريب أكمل مثال على الجهل المقدس. وتتشارك الأصولية المسيحية مع الإسلامية السنية والشيعية، بالدعوة إلى العودة إلى الأزمنة الأولى للرسل، أي للمسيح ومحمد، لكن الفرق جوهري بين البروتستانتية التي تعمل ضمن الإطار العام للدولة العلمانية، والتنظيمات الجهادية الإسلامية التي تسعى إلى السلطة وفرض نفسها على الجميع. وإشكالية مفهوم “الدولة الإسلامية” أنها تنبع من أنه لا يمكن لجماعة إيمان أن تحقق مجتمعًا سياسيًا ذا سيادة، قوامه الدين والسياسة.

في منطقتنا، يجتمع الجهل المقدس، مع الجهل الواهم، والتخلف أو “التأخر التاريخي” عند ياسين الحافظ، الذي يسيطر على كل المستويات، وتستمر تجارة الأديان في المجتمعات الجاهلة، إلى أن تنتصر الثقافة الجديدة للربيع العربي، على الأصولية الدينية، في نهاية السيرورة الثورية المستمرة، وتأسيس دولة المواطنة وحقوق الإنسان.

——–

روا، أوليفيه: (الجهل المقدس). ترجمة: صالح الأشمر -دار الساقي، بيروت 2012 ط١، عدد الصفحات (344) صفحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق