أدب وفنون

شهادات موت وماعز للسوريين!

التزامًا بقيم “الحزب القائد”، وحرص “القيادة الحكيمة” على استقطاب الجماهير الكادحة إلى صفوف “الحزب العظيم”، وانسجامًا مع الحداثة وروح العصر؛ قرر الرئيس العلماني المقاوم، وطبيب العيون الذي يبصر أبعد من “زرقاء اليمامة”، أن ينتقل خطوة إلى الأمام؛ فبعد توزيعه “الماعز” على أهل “الشهداء” من جيشه، أعاد تقييم الهدية، فوجد أن في الأمر هدرًا للثروة الوطنية، وأن “الكبش” هدية ثمينة مقارنة مع روح الجندي أو الشبيح الذي مات من أجل بقائه على كرسيه، فقرر تقديم ساعة جدارية وروزنامة عليها صورته، إلى أهل القتيل، تُعلق على جدار صالونهم، فتكون كافية لتذكيرهم بحجم المحبة التي منحها لهم “القائد”، عندما سمح لابنهم أن ينال “شرف” الاستشهاد دفاعًا عن النظام “التقدمي الممانع” والحزب “القائد”، وعنه شخصيًا.

وفي لفتة كريمة من “سيادته”، مخالفًا سنن والده الذي لم يعترف يومًا أن أحدًا مات في سجونه أو أنه اعتقل أحد السوريين، قام الرئيس الشاب، بدافع الإنسانية والإحساس بالمسؤولية، بتوزيع شهادات وفاة على آلاف الأسر السورية، كي يستطيعوا تسجيل وفاة أولادهم وتصفية أوضاعهم الإنسانية، من تحرير للأرامل وتحصيل للإرث وغير ذلك من المعاملات. ولم ينسَ الرئيس، بحكم كونه طبيبًا، أن يأمر الكتبة بتدوين سبب الوفاة التي كانت دائمًا “أزمة قلبية”!

كان الهدف من الهدايا وتوزيع شهادات الوفاة هو التقرب من الجماهير، وشدها إلى دائرة الحزب الذي يدافع عن مصالحها، وقد نجح في ذلك نجاحًا كاسحًا، فاق النجاح الذي حققه أسلافه في خمسينيات القرن الماضي بالتقرب من جماهير الفلاحين وكسبهم إلى صفوفه، كما روى لي أحد أوائل البعثيين في مدينة السلمية، الشاعر علي الجندي.

كان من عادة المرحوم الشاعر علي الجندي، أن نلتقي، كلما مر بحمص. وفي إحدى السهرات روى الطرفة التالية التي حدثت معه، قال: في بداية الخمسينيات طلبت منا قيادة حزب البعث في السلمية، أن نقوم بجولات توعية للقرى المحيطة بالسلمية، وطلبوا منا، بخاصة، إظهار التواضع أمام الفلاحين، ومن ذلك مثلًا، أن علينا، أثناء تبادل الأنخاب مع الفلاحين، أن يكون مستوى كأسنا أدنى من كأس الفلاح. في إحدى الجولات الحزبية، ذهبنا إلى قرية “الصبورة” البعيدة عن السلمية بحدود 15 كيلومترًا، فقدم لنا المختار كؤوسًا من العرق، فرفعت كأسي لأشرب نخبه، وفعل الرفاق والمختار الشيء نفسه، حاولت أن أنفذ التعاليم الحزبية، فخفضت كأسي كي أبدو متواضعًا أمامه، فخفض بدوره كأسه دون مستوى كأسي، وبقينا على هذه الحال إلى أن وصل كأسانا إلى مستوى التراب، عندها أسرعت وحفرت، بيدي اليسرى، بالتراب حفرة صغيرة، وضعت فيها كأسي، فاستسلم المختار، وأعلنت، مع ضحكة عالية، انتصار الحزب.

من حسن حظ “علي الجندي” أنه مات قبل أن يرى ثمن ذلك التواضع، الذي أدى في النهاية إلى تدمير سورية بيد “الأمين العام” لهذا الحزب نفسه، “بشار الأسد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق