تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما بعد السويداء.. هل يعمّ الخطاب الوطني الجامع!

ماذا فعل الأربعاء الأسود في محافظة السويداء سوريًا؟

لم تنته فصول الحكاية بعد، وما تزال السويداء مُعلّقة بين جريح ومفقود ومخطوف، والحالة مفتوحة على احتمالات عديدة، لكن دماء أبنائها استنهضت عقول السوريين قبل ضمائرهم هذه المرّة؛ فأعادت طرح أسئلة وطنية جوهرية، صحيح أنها -نظريًا- لم تأت بجديد، إذ سبق أن تمّ تناولها ونقاشها وإشباعها تحليلًا وتدليلًا منذ زمن، خصوصًا أن السويداء ظلّت داخل خريطة الدم السورية ولم تخرج منها قط، لكنها الآن وضعت تلك الحقائق والمعطيات في قالبها الواقعي، فأتت صادمة كالكابوس، لا مهرب منها ولا حجّة لإشاحة الوجه عنها، الآن هذا هو الفرق ذو الثمن الباهض.

على الرغم من المؤشرات المنطقية الكثيرة، إذا استثنينا جدلًا نظرية تواطؤ النظام مع (داعش) وتيسيره تنفيذ المجزرة، تأتي النتائج مفتوحة على ثلاثة احتمالات: الأول أن السلطة لا تملك قرارها السياسي العسكري، لدرء هذا الفعل. والاحتمال الثاني أن النظام غير معني أساسًا بمصير كتلة بشرية كبيرة، طالما ادعى خصوصيتها وحمايته لها، كيف وقد تزامن حدوث الهجوم والمجزرة مع قصف الطيران لحوض اليرموك، في سياق تنظيف حدود “إسرائيل” من البؤر الإرهابية؛ ما يضع “إسرائيل” وإرضائها على رأس قائمة مصالحة الرئيسية، ثم يأتي إصراره غير الموفّق على ترويج كذبة اشتراكه وتصديه وانتصاره في المعركة على (داعش)، ليريق ماء وجهه أغزر أمام مؤيّديه. أما الاحتمال الثالث فهو أن النظام فاقد القدرات العسكرية المطلوبة التي تؤهّله للقيام بواجبه في الدفاع عن السويداء أو غيرها من المدن، ذلك وفق ادعائه السلطة الشرعية.

على أي حال؛ كل تلك الاحتمالات، عمليًا، تجعل النظام السوري، كقوّة عسكرية وكسلطة سياسية، ساقطًا من الحسابات.

يأتي التعاطف الصادق والتفاعل عالي المستوى، من عموم الطيف السوري الواسع، مع مصاب السويداء، ليعيد الأمل الشعبي في إنتاج خطاب سياسي اجتماعي موضوعي، وسلوك عملي جديد، ينطلق من مبادئ حراك آذار/ مارس 2011، ويتجنب أخطاءه القاتلة التي حرفته عن مساره الصحيح، فعدنا نسمع “دم السوري على السوري حرام”، وعاد شعار “الدين لله والوطن للجميع” ليطرق العقول. لقد شكّل واقع تحالف أبناء السويداء المختلفين بالرأي، بين موال ومعارض، ضد الخطر الخارجي الداهم، ليكرّس مفهوم أن المكان لكليهما معًا، وأنهما شريكان مرتبطان في مصير واحد، وأن على الطرفين أن يقبلا بعضهما بعضًا. هذه الحالة قدّمت الحقيقة صارخة فجّة، الأمر الذي استوقف الكثيرين.

كما جاء إسناد المجزرة إلى فكرة معاقبة محافظة السويداء لخروجها عن عصا الطاعة، ليظهر بجلاء الموقف الوطني الأخلاقي، برفض التورّط في دماء الأخوة، فقد آثر عدد كبير من شبابها السجنَ داخل حدود السويداء على اقترافهم هذا الذنب، مقتولين كانوا أو قاتلين. كان ثمن تمنّعهم عن الخدمة العسكرية في صفوف جيش النظام دماءً، أعادت إحياء مفهوم الشراكة الوطنية من جديد.

كانت نتائج المقاومة الشرسة لغزاة تمرسوا القتل والقتال في أنحاء متفرقة من سورية، التي أظهرها مجتمع أهلي قليل العدد فقير العُدّة، أُخذ على حين غرّة، غير مرتبط أو مدعوم من أي جهة خارجية عسكرية، كانت أو سياسية، لتدلل أن بالإمكان -على التكاليف العالية- الحفاظ على خيار وطني مستقل بعيد من أي أجندة إقليمية أو دولية، وهذا الوضع يبقي على خياراتك المصيرية في قبضة يدك، دون الارتهان لقوى خارجية لا تعنيها غير أهدافها ومصالحها. فلا ضامن لك اليوم، ولم ولن يكون لك يومًا إلا وطنيتك واستقلالك السياسي. ويذكر في هذا السياق أن محافظة السويداء كانت مشمولة باتفاق ضمان المنطقة الجنوبية.

عدنا نسمع بهتاف كنا قد فقدنا رجاءنا منه: “الشعب السوري واحد”، خصوصًا بعد أن ترافق حدث السويداء مع إعلان النظام قائمة من ألف اسم لأبناء مدينة داريّا الذين قضوا شهداء تحت التعذيب، وعدنا نسمع بأطروحات سياسية واقعية، مثل تشكيل كتلة وطنية مستقلة على غرار تجربة 1926، باعتبار سورية دولة محتلة احتلالًا مباشرًا من أكثر من جهة، وأن نظامها السياسي الحالي فاشل، لكونه المشكلة السورية الأولى أساسًا، وهو بحكم الساقط، عاجلًا أو آجلًا، وقد ثبت بالتجربة أن كل مؤسسة سياسية سورية خارج جغرافيتها لا يعوّل عليها.

دفع السوريون دون استثناء -وما زالوا- ضريبة كبيرة من دمائهم ودماء أبنائهم ودموع أمهاتهم وغصّات آبائهم، في سبيل استرداد حقوقهم الإنسانية والوطنية المشروعة المسروقة والمغتصبة، فلا أقلّ من أن نحفظ عهدنا لهم بالأمل والعمل على تحقيق هذا الحلم الكبير، سورية دولة مستقلة حرة كريمة لجميع أبنائها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق