مقالات الرأي

العلم في الصِغَرِ كالضرب في الماء

في معهد العلوم السياسية الذي وصلتُ اليه في فرنسا، بعد إنهائي للدراسة الجامعية في حلب، اختتم الأستاذ محاضرته المدخلية في بداية العام الدراسي، من دون أن يحدد لنا الكتاب الذي منه سننهل مادته، مكتفيًا بتوزيع ورقتين مطبوعتين. لم أفهم تمامًا ماذا أراد بهاتين الورقتين، لأنني لم أقرأ حتى العنوان، ولكنني سارعت إلى أن أسأل الأستاذ، بنبرة احتجاجية، عن كتاب مادته وكيفية الحصول عليه. ساد إثر طلبي “العجيب” صمتٌ مهيبٌ بين الحضور، وجُلّهم من المحليين، وهمّوا بتبادل نظرات الاستغراب، وربما الاستهجان، من سؤال هذا الأجنبي. وسرعان ما التفتَ الأستاذ ليسألني بدوره عن أي كتاب أتحدث! مشيرًا إلى أن لدي في الورقتين قائمة غير مكتملة لعشرات الكتب التي يمكن أن تساعدني في فهم المادة. إثر هذه الصدمة “العاطفية”، خرج مني صمتٌ مقابلٌ رافقته دمعةٌ كادت أن تقفز من مقلتي؛ فنحن قد ألِفْنا أن يحصر أساتذتنا قراءاتنا في كتاب المادة الذي ألفوه وقبضوا مكافأته حصرًا، ويا ويل وسواد ليل من يجرؤ ويخرج عن النص. إنه “الكتاب الجامعي”، الذي ساهم، يقينًا، في تدمير تعليمنا الجامعي السوري، إلى جانب عدد لا بأس به من العوامل الأخرى المساعدة.

أخذتُ الورقتين اليتيمتين، وأنا أرغي وأزبد، إما بحق تعليمي السابق أو بحق ما طرأ من انقلاب فيه، واتجهت إلى المكتبة لأبدأ رحلة البحث والقراءة وبناء المعرفة. مكتبة غاب عنها بالطبع أن تكون ملجأً لضيقي الحال من الطلبة الذين يبحثون عن مكان يبلغه النور ويكتنفه الدفء شتاءً على أقل تقدير، والذين لا تسمح لهم حالتهم المادية بأن يدرسوا “الكتاب الجامعي” في بيوتهم المكتظّة. وهي أيضًا مكتبةٌ ليست مكانًا رحبًا للمواعيد التي تسمح بلقاء الجنسين المكبوتين والمحرومين منه، تحت ظلٍّ مختلف، ولا هي ساحة الوغى لكل من أراد أن يغزو في مناكبها بحثًا عن “تطبيقة” جامعية، كما هي مكتبة جامعتي الأم، حيث لم أدخلها أو أطلب منها كتابًا، أو أقرأ فيها كتابًا، طوال سنواتي الجامعية إلا في ما ندر.

ما يدفعني إلى العودة إلى هذه الذكريات المؤلمة حتمًا، وقد عبرتها السنون، هو أنني شاركت منذ عدة أيام في ورشة عمل حول التعليم في سورية: كيف كان وأين صار وإلى أين المآل. وأدهشتني قدرة البعض، ممن خبره وألمَّ بدقائقه وتألم من عثراته، على أن يعتبر بأنه لم يكن بهذا السوء. وأن يُشير البعض الآخر إلى مستوى مرتفع لبعض اختصاصاته، وصولًا إلى التطرّق إلى أن بعض الكليات السورية، خصوصًا في العهد الحديث، قد زوّدت البلدان الأخرى بالنابغين من المتعلمين. وهذا بالتأكيد -وإن حصل- بفضل جهد شخصي، لم يقتصد الكثيرون في بذله، ولا علاقة للصرح التعليمي بفتاتٍ منه.

على الرغم من وجود الاستثناءات، فمن الإنصاف الاعتراف بأن أسوأ المؤسسات السورية، إن كان من إمكانية للمفاضلة في السوء بين “المؤسسات”، هي حتمًا مؤسسة التعليم، بترابط وثيق وتبادلي مع مؤسسة التربية. وإن اعتبرنا أن الكتاب الجامعي ومن اخترعه هو من عوامل ومظاهر هذا الانهيار، وأن سياسة الاستيعاب التي جعلت حضور بعض صفوف السنوات الأولى يتجاوز ألف طالبة وطالب في الحصة، فلا يجب أن نستبعد العامل السياسي المهيمن على الحقل التعليمي، كأحد أهم عوامل انهياره أو انحداره. وعند التطرق إلى السياسة في الأمنوقراطيات، لا يمكن إغفال التشابك العميق بينها وبين البعد الأمني. فالجامعات السورية كانت -ولم تزل- مرتعًا لكل التجاوزات الأمنية والحزبية والمحسوبية، في مختلف المجالات: أساتذة وطلاب وبنى تحتية. كما لا يجب إغفال دور اتحاد الطلبة، الذي لا يمكن اعتباره اتحادًا للذود عن مصالح الطلاب أو تمثيلهم، كما هو عليه الحال في الدول الطبيعية، وإنما مؤسسة أمنية مرتبطة بأصحاب الحظوة والسلطة. وقد لعب هذا الاتحاد دورًا فاعلًا في ترسيخ التمييز بين الطلاب، بناءً على تصنيفات عقائدية وأمنية وزبائنية. كما ساهم في تهميش دور الأساتذة الجيدين أو النادر منهم والذين لم يكونوا من منتجات العقود الفضيحة التي وقّعها “مكتب التعليم القطري”، الذي يحرم وزارة التعليم من لعب دور حقيقي، لـ “تفريخ” أساتذة حائزين على الدكتوراه من جامعات أوروبا الشرقية، حينذاك، بفترات قياسية (من سنتين إلى ثلاث سنوات) والعودة إلى أرض الوطن وتعليم أجيال المستقبل من بُناته.

ومما يُضفي بعدًا أمنيًا فاضحًا ذا أثر تدميري، أخلاقيًا وعلميًا، انتشارُ ثقافة التقارير بين الطلبة وبينهم وبين الأساتذة لأتفه الأسباب. تقارير كانت ترفع إلى أجهزة أمنية نادرًا أن تقرأها، ولكنها كانت سعيدة لترسيخ هذا التقليد، سعيًا لنشر الرعب والخوف والشك. فهي بمجملها عناصر مساعدة تساهم في تعزيز الهيمنة على الحياة الطلابية وتجليّاتها التي تخشاها كل السلطات، حتى الديمقراطي منها.

لانحدار مستوى التعليم إذًا، جانبان أساسيان مترسخان: الأول تقني يرتبط بأساليب التعليم وأدواته، والثاني سياسي/ أمني يرتبط بالجو المحيط أو المهيمن على العملية التعليمية، الذي كان -ولم يزل- فاقع الحضور، في مختلف “مؤسسات الدولة” السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق