سلايدرقضايا المجتمع

النظام يستثمر في عودة اللاجئين لجذب الأموال الهاربة

ربما يكون من العسير وضع تصور إيجابي مقنع، بخصوص ما يحاول الأسد فعله خلال الفترة المقبلة. وبحسب الوقائع، يبدو أن الظروف داخل البلاد قد أصبحت مواتية لتطبيع قسري يتناسب مظهره مع حجم نظام منتصر، لكنه يشكو من فراغ حقائبه.

يركز الأسد، علنًا، على ثلاث قضايا ذات تأثير في اقتصادٍ استنزف قدراته، خلال سبع سنوات من الحرب المكلفة. فباستثناء عودة اللاجئين التي يخطط لها بمساعدة حليف روسي، وفيهم كفاءات وخبرات فنية يتوقف عليها دوران عجلة الإنتاج في مؤسسات وشركات القطاعين الرسمي والخاص، وما تشكله عودة رؤوس الأموال الهاربة من أهمية على صعيد التدفق النقدي، يلقى استقطاب الرأسمال الأجنبي والاستثمارات الخارجية اهتمامًا متعاظمًا، يتم الرهان على نجاحه، في وقتٍ تستقر فيه الأوضاع وتعود الحياة إلى طبيعتها، وفق قوله.

مطلع الأسبوع الماضي، اختُتم في العاصمة دمشق (مؤتمر رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب 2018). ومن غير المؤكد، أن تكون الفرص المطروحة -وقد وصلت بحسب بيان حكومي إلى 62 مشروعًا تبلغ كلفتها نحو  6.7 مليار دولار، بعضها صناعي والقسم الأكبر منها خدمي وترفيهي- قد لقيت التفاعل المتوقع. مدير عام هيئة الاستثمار تجاهل عمدًا مخرجات المؤتمر. واكتفى بالقول، ردًا على سؤال صحفي: “إن المؤتمر في حد ذاته يشكل إعلانًا للاستثمار في مختلف القطاعات، في ضوء حوافز وميزات كثيرة تنتظر المستثمرين، ونحن على استعداد لتلقف أي فرصة من هذا القبيل”.

بخلاف نظرة الأسد للتعافي والنهوض، وكانت بلاده قد عانت بين عامي 2000 و2011 من فجوة رقمية، وتكنولوجية، ومؤسساتية. وتدهور مركزها على المؤشرات العالمية للحكم الجيد، وأنشطة الأعمال، والحوكمة، والفساد، ومن صراع مدمر بين عامي 2011 و2018، أفقدها نصف قيمة اقتصادها، وراكم خسائر بشرية ومادية فادحة؛ يؤكد البنك الدولي أن تكلفة العوامل غير المرئية من الخسائر، مثل الثقة الاجتماعية المكسورة، والشبكات الاجتماعية المحطمة، يمكن أن تفوق الأضرار المادية بأضعاف عديدة، وسيشكل إصلاحها تحديًا أكبر من إعادة تأهيل البنية التحتية، وهو تحد سيظل ينمو ويتعاظم مع استمرار الحرب.

يمكن التسليم بقدرة النظام على الوقوف مجددًا بدعم خارجي، وتقديم نفسه شعبويًا، عبر بروباغندا تلهب مخيلة حلفائه قبل مؤيديه، واضطلاعه بمهمة إعمار ما دمرته الحرب، واتباعه نهجًا اقتصاديًا يأخذ بمعايير التنمية والكفاءة الاقتصادية والاستخدام الأمثل للموارد، وتأمين بيئة شفافة، تتجاوز مخلفات الصراع، تضمن عودة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمع. إنّ كل ذلك، ولو تحقق فعلًا، لا يعني مطلقًا أن الاتجاه الذي يحاول أن يسلكه، من أجل تحقيق مراميه، سيكون اجتيازه سهلًا. وأنه يملك ما يكفي من الأدوات لكي يتجاوز عنق الزجاجة، وتحديات الصعود إلى أعلى، من دون عقبات أو مخاطر.

بغياب العدالة الانتقالية، يظل الرئيس الذي قتل شعبه بالطائرات الحربية والمدافع، الحصان الخاسر في سباقات القدرة والتحمل. كما أنه الرجل المنبوذ،  بنظر غالبية السكان. وهناك من الأدلة ما يشير إلى رفض نسبة كبيرة، فرضية استمراره في السلطة أو مواصلة حكم البلاد. ويرى جميع هؤلاء أن أي حديث عن استثمارات وإعادة إعمار، لا معنى له في ظل حالة عدم  يقين سائدة، تحد من إمكانية تنفيذ انتقال سياسي على المدى المنظور، يسمح بعودة الحريات والديمقراطية والتعددية السياسية، والحياة البرلمانية الصحيحة، وانتخاب رئيس جديد للبلاد.

في تجارب أنظمة شمولية، مماثلة. رممت حصنها السلطوي المتصدع، وأخفت عيوبها بشعارات براقة، زاهية. حُسم الجدل، حول قابلية الاستراتيجيات التي تستهدف إنعاش بيئات ما بعد الحرب، للاستمرار والنجاح، وقدرتها كذلك، على توليد تنمية اقتصادية، وجذب استثمارات وطنية وأجنبية، تحفز النمو وأنشطة الأعمال.

إن ما تم استخلاصه يؤكد أنه لا يمكن لجنرالات الحرب أن يحسموا صراع السياسة، وأن على الدول التي ترغب في تنمية اقتصادها، ضمن بيئة كهذه، أن تنظر بعناية فائقة إلى مسألة تداول السلطة، وإضفاء الطابع الديمقراطي على عملية الإصلاح والحوكمة الرشيدة. كما لا يمكن بحال توقع انتعاش اقتصادي بمعزل عن بيئة مواتية، وصحية، ونظام حكم تداولي يوفر العدالة والمساواة والتشاركية الفعلية، والشفافية، واحترام الحريات الأساسية، وحقوق الأفراد.

لم يستفد نظام دمشق من التاريخ؛ فقد قابل منذ مطلع الألفية الثانية دعوات الإصلاح والتغيير، بحماس فاتر، واستمر على المنوال ذاته، يراوغ ويماطل طوال سنوات.

في مرحلة الانحسار الجزئي لأدخنة الحرب وغبارها، وتكشف الخسائر التي تكبدتها البلاد، كان من اللافت أن الأسد ما زال كعادته يُفضّل تطوير نظامه المستبد على تغييره، والمواجهة على الحوار، وقد أضاع فرصة ثمينة، عندما اختار الحرب وسيلة لمواجهة استحقاقات الديمقراطية وتداول السلطة بشكل سلمي. كان بإمكان الاقتصاد أن ينتعش من خلالها، وينهض، وتزدهر البلاد في كل مجال.

تقوض هذه السلبية، عملية التنمية. وما من شك في أن هذا المنحى يعني، مجددًا، أن السياسات التي صممت خصيصًا لتناسب مقاسات النظام تضيف اليوم قرائن أخرى على أن ترميم حكم سلطوي يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية لن ينتج عملية نمو حقيقي، أو استقرارًا ماليًا واقتصاديًا، وأنه سيفشل بكل تأكيد في جذب استثمارات أجنبية مباشرة، في بيئة هي اليوم غير صالحة، وفاسدة، وتفتقر إلى مقومات الحكم الرشيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق