قضايا المجتمع

ترحيل اللاجئين السوريين من الأردن… المشهد الفاشي

أكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن أنها لم تشعر برغبة اللاجئين السوريين في الأردن، في العودة إلى سورية، وذلك بعد أيام من الإعلان عن الخطة الروسية لإعادة اللاجئين السوريين. وقال المتحدث باسم المفوضية، محمد الحواري: “إن معدلات عملية العودة ما زالت طبيعية دون أي تغيير، ولم تتجاوز 150 شخصًا أسبوعيًا”. وأوضح أن “هذه الحالات الأسبوعية تعتبر طبيعية، وتعود لظروف عائلية أو رغبة في لمّ الشمل”، مشيرًا إلى أن “المفوضية لم تتلق طلبات من السوريين توحي برغبتهم في العودة إلى بلادهم”. وكشف أن “عدد اللاجئين السوريين الذين غادروا الأردن، خلال السنوات الثلاثة الماضية، لم يتجاوز 15 ألف لاجئ”، معتبرًا أن “العدد من الأرقام الطبيعية”. وتأتي تصريحات المفوضية، بعد أيام على جولة روسية في الأردن، للبدء بتنفيذ خطة روسية تفضي إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وتستضيف الأردن نحو 650 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة، بينما تقدر عمَّان عدد الذين لجؤوا إلى البلاد بنحو 1.3 مليون، منذ عام 2011.

(جيرون) سألت بعض المطلعين والمتابعين لمسألة اللجوء: هل يمكن إعادة اللاجئين رغمًا عنهم، ولماذا تصرّ روسيا اليوم على إعطاء هذا الملف الأولوية الكبرى، دون ربطه بملف الانتقال السياسي المفترض؟

المحامي علي محمد شريف تحدث إلى (جيرون) قائلًا: “من الطبيعي للمهجّرين السوريّين الهاربين من بطش أجهزة الأسد العسكرية والأمنية المتوحشة، أن يرفضوا العودة إلى وطنهم، في ظلّ بقاء نظام الإجرام الأسدي، وتفاقم الأسباب والظروف التي سببت هجرتهم القسريّة. وبالاستناد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وإلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا سيّما اتفاقية عام 1951 وبروتوكول 1967 الخاصين بوضع اللاجئين، فإنّ فقدان صفة اللاجئ يرتبط بزوال الأسباب التي تمّ بموجبها الاعتراف به لاجئًا، وفي حال امتناعه عن العودة إلى بلده بمحض اختياره؛ يحظر طرده أو إعادته، إذا كانت حياته أو حريته مهدّدتين. وكما نرى في حالتنا السوريّة فإنّ شبح القتل والتدمير والحصار والتجويع والاعتقال والتعذيب المميت ينتظر عودة كلّ من قال لا لاستبداد الطاغية الأسد”.

وأضاف شريف: “إن خطة المحتلّ الروسي، لإرغام السوريين المهجرين قسريًا على العودة إلى سورية، تندرج في إطار إعادة تدوير نظام الطاغية، وسحب هذا الملفّ الضاغط دوليًا من التداول، في نطاق سعيه لفرض تسوية تحقق مصالحه المختلفة في سوريّة، وتضمن تنصّله من تبعات جرائمه بحق سوريّة والسوريين وإفلات السفّاح الأسد وزمرته من العقاب”. مؤكدًا أن “آلام السوريين وعذاباتهم باتت، بكل أسف، سلعةً في مزادات العواصم، ومجالًا للاستثمار الوقح من أطراف المجتمع الدولي كافة، التي نسيت أنها سبب رئيس في مأساة الشعب السوري، واستفحال كارثته الإنسانية، عبر صمتها عن جرائم الحرب والإبادة المرتكبة بحقه، من قبل نظام أسد وشريكيه الروسي والإيراني، وتجاهلها المطالب المحقة والمشروعة بالحرية والعدالة والكرامة التي نادى بها في ثورته السلمية”.

وأكد أن “السوريين سيعودون إلى ملاذهم ووطنهم الأمّ، والعودة خيارهم وحقّهم الأبدي، ولكن لا بدّ قبل ذلك من انتقال سياسي حقيقي يطيح الطغيان وركائزه، ويؤسس لنظام ديمقراطي يتيح لهم استعادة حقوقهم المغتصبة وأملاكهم المصادرة، وتطبيق العدالة المغيبة، والمساهمة في إعادة بناء مؤسسات دولتهم المدمّرة. هذا ما ينبغي أن تعيه الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي، وأن تطبق التزاماتها بشأنه تحقيقًا للأهداف التي أنشئت من أجلها، وإلا؛ فإنّ عبء الهجرة وتكاليفها سيزدادان على دول اللجوء، وستتراجع إمكانية إحلال الأمن والاستقرار في العالم”.

بينما أكد علاء الدين زيات، المدير التنفيذي للتحالف المدني السوري (تماس)، أنه “يجب الإشارة أولًا إلى أن اتفاقية 1951 هي المنظم القانوني الأممي للدول الموقعة عليها، إضافة إلى بروتوكول 1967 الذي عزز العلاقات القانونية التي تربط بين اللاجئ والدولة المضيفة، ووسّع دائرة الاحتضان والتوصيف للبلدان التي تقبل لاجئين، وروسيا من بين الدول الموقعة على الاتفاقية والبروتوكول، وستكون ملزمة تحت إشراف المفوضية بتطبيق بند الحماية كأولوية، في حال دفعت ماكينتها الدبلوماسية إلى إقناع الدول المضيفة بالتخلي عن إدارة هذا الملف والدفع باتجاه عودة اللاجئين السوريين، وهذا حال الأردن غير الموقع على هذه الاتفاقية أصلًا، وإنما يعمل وفق بروتوكول خاص مع المفوضية”. ثم نبه إلى أن “الصورة العامة المرسومة، وفق سيناريو الدولة الروسية، هي استعادة الوضع كليًا من الملف الدولي، ليكون ملفًا شبه حصري بيدها، فكان ملف الأمن والمعتقلين والمناطق المحاصرة منقولًا من جنيف إلى أستانا، والدستور من جنيف إلى سوتشي، والآن الانتخابات وإعادة الإعمار، وعلاقتها الشديدة بملف اللجوء منقولًا مرة ثالثة، من جنيف إلى نشاط الدبلوماسية الروسية. المقلق في الأمر أن عدم متابعة هذا الملف من قبل قوى التغيير السورية سيعني من جديد تفصيله فقط وفق الرؤية الروسية للحل، وما تشير إليه الدراسة المشار إليها في سؤالكم من تمنع الغالبية عن الرجوع، لأسباب أمنية، سيعني فلترة جديدة للسوريين وفق رؤيتهم السياسية، بين القبول بطبيعة الحكم السابقة وبين الذين يرفضون بقاءها أو العودة رغم المخاطر، وبالتالي الحديث عن سكان ضمن الجغرافيا السورية فقط، واعتبار الباقين غير راغبين في العيش فيها، وهذا أضمن إجراء لعملية انتخابية مستقبلًا مضمونة النتائج، وتسقط حق غير العائدين بذريعة امتناعهم”.

أضاف زيات: “إن إلزام الطرف الروسي باتفاقية 1951 وبروتوكول 1967 يعني حشد جهد سياسي ودبلوماسي وإعلامي واسع جدًا للمدافعين عن حقوق الإنسان، لضمان العودة الطوعية المشروطة بالأمان والحماية وضمانات الحقوق، وإلا؛ فإن ماكينة التصفية ستكون جاهزة لاستبعاد ما تبقى من عناصر مشروع التغيير في البلاد والاستفراد بمجتمع، بسقف أخفض مما كان. هذه سابقة تاريخية لدولة تعمل مع حلفائها لتفرز مواطنيها، وحين نربط موضوعة اللجنة الدستورية التي بقيت مسمار جنيف الوحيد، والقانون 10، ودفع ملف العودة اليوم بإلحاح، لتتكامل معنا رؤية المشهد، مشهد لا يمكن وصفه إلا كمشهد فاشي بكل المقاييس”.

أحلام ميلاجي، الناشطة السورية والعاملة في إحدى منظمات المجتمع المدني، قالت: “بالتأكيد، تستطيع بعض الدول، من خلال الضغط، إرجاع نسبة معينة من اللاجئين إلى الداخل السوري، والضغط الذي نقصده هو بموضوع الظروف القانونية أو المعيشية أو حتى الإرهاب المجتمعي لو استطعنا تسميته، ولكن بالتأكيد لن يعود أي مواطن سوري، دونما رجوع شعور الأمان الذي يسعى له ولأسرته، وأيّ أمان في بلد ترد إلينا فيه أسماء أحبائنا وأسماء من ناضل بالكلمة، كرقم في سجل الأموات!”. وأضافت: “إن هذا الملف هو الملف ذو الأولوية الثانية، بعدما تنتهي روسيا من طي ملف المعتقلين وتبيض سجون النظام الذي ستنتقل له، والغاية منه هو إنهاء المسألة وإقفال شق عملية على سرطان نائم، سيفتك بهذا الجسد، إن لم نعالجه”.

المحامي السوري أحمد صوان، عضو تجمع المحامين السوريين الأحرار، قال في حديث إلى (جيرون): “إن القوانين الدولية كافة تحظر على الدول المضيفة إلزام اللاجئين بالعودة القسرية إلى موطنهم الذي يشكل خطرًا عليهم، قبل إعلان انتهاء النزاع. وإن إصرار روسيا على استعجال الأمر قبل أوانه نابعٌ من كونها دولةً لا تقيم وزنًا لأي عهد أو ميثاق. وإن تصريح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن هو تصريح في مساره السليم، ويعبّر عن حقيقة عدم رغبة هؤلاء اللاجئين في العودة إلى بلدانهم، قبل زوال الظروف المأسوية التي كانت سببًا في لجوئهم”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق