أدب وفنون

ملح الحب في جرح وادي الفرات

هذا العنوان ليس مجازيًّا كما يبدو، فالمنطقة الممتدة من جرابلس إلى شط العرب، موغلة في الأمنيات. وكأن سكان تلك المناطق لم يسمعوا ببيت أحمد شوقي (وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، فتمنوا الاستقرار ولم يحصلوا عليه!! وتمنّوا التنمية ولم يحصلوا عليها!! وتمنّوا الحب فكان الملح في جراحهم!! لذلك تراه دمعة أغنياتهم، وحسرة أمنياتهم، وكأن الألم قدر هذه المنطقة!!

وها أنا بعد ثمان عجاف، أعود من (سوليدير) بيروت، مثقلًا بإرث لم تستطع روائع أم كلثوم، وبدائع محمد عبد الوهاب، وقدود صباح فخري، وصباحات فيروز، أن تحتل مكانه في ذاكرتي!! هذه ليست مفاضلة، ولا يمكن أن تكون. إنها ببساطة (رائحة الخبز في ملافع أمهاتنا).. نبرة الحنان في دعائهن. كيف لي أن أتجاوز ذاتي، وأنسى العجاج الذي يمسح وجوهنا، كل يوم، وكأنه يقول: صباح الخير؟!

مما يذكر بقول عبد الله الفاضل:

(ثريا تلوح؛ والدنيا مسجبه/ مطر؛ وجعود خلاني مسجبه/ عجاج الظعن عنبر؛ والمسج به/ أخير من الكَرايه المعطنات).

في هذه العتابا صورة بانورامية لا تستطيع مقاربتها النظريات النقدية الحديثة. فذلك الرجل الذي أقعده مرض الجدري عن الرحيل مع قومه، أول ما رأى من ظعونهم التي غادرته، زوجته ثريا. وكلمة تلوح معناها: تبدو وتغيب، فهو ينظر إليها من بعيد، تفصلها عن عينيه المسافة، وزخات المطر. لهذه الصورة ما يشبهها في الشعر المهجري، حيث يقول شفيق معلوف، وهو بموقف قريب من موقف عبد الله الفاضل:

(مناديل من ودّعت يخفقن فوقهم/ فلا ترهقيهم يا سفينة أقلعي)

(بعُدن فغشاهن دمعي، كأنني/ أراهن من خلف الزجاج المصدّع)

إلا أن هذا يمكن فهمه، فما بكت عين؛ إلا وراءها قلب. المهم ليس العاطفة، المهم الصورة، فنحن لسنا بصدد تحليل المواقف، والدوافع العاطفية، فسورية والعراق الآن، أو حوض الفرات، ليس أكثر من حوض دموع. ما يهمنا تلك البساطة في التعبير لدى الشاعر الغنائي، وكيف استطاع أن يلتقط صورة المحبوب من عدة زوايا، في أقل عدد ممكن من الكلمات:

(كل الهلا بالغالي.. مدري شعناه/ معذب دليلي الكمر طامس بجلاه)

أعرف أن هذه الطلاسم عصيّة الفهم على أبناء اللهجات الأخرى، ولكني لا أستطيع تجاوز صورة الحبيبة، التي تزهو بحزام يحزّ خاصرتيها، وذلك الشاعر الذي رأى قلب الحبيب كيف حزّه ذلك الحزام وهو يرحب بقدومها، هذا ليس مقطعًا من أغنية، إنه قصة حب، لا أستطيع أن أتهمها بالإيجاز. أعرف أن قراءة الصور في الأغنية الشعبية في وادي الفرات، تشبه إلى حد كبير لعبة الماتريوشكا الروسية، فكل صورة بداخلها أكثر من معنى.

(يا بو الخديد الوردتين جعودي/ دحكَك عليّ شنون يذبل عودي/ إن رحت لهلي ما يجيني كَعودي/ ون جيت يمكم زاد صوجي يكبر)

في هذا المقطع من أغنية “يابو الخديد الورد”، كما في كل المقاطع الأخرى في الأغنية، نجد المعنى وقد استكمل شروطه!! وكأن كل مقطع يرصد حالة من حالات الحب، مغايرة عن سابقاتها. واللوعة هي القاسم المشترك بينها جميعًا. ولذلك من حقنا أن نتساءل عن سر هذه اللوعة المضمخة بأغاني الحب، وحكايات الحب، وأساطير الحب، وقصصه، ورواياته، وأشعاره، الشعبي منها والفصيح. أو أن نسأل أكان الحب موجودًا، أم لا؟ سيقول الكثير من الناس إنه موجود. وسأقول إن الموجود مؤكد، والمؤكد لا يحتاج إلى تأكيد. ولم تتوقف القضية عند وجود الحب، أو عدم وجوده، فتلك المنطقة التي تتناهبها الخرائط، والتصريحات، لم يعد هاجس الحب في أغانيها يثير الاهتمام، لقد تحول كل من فيها، وكل ما فيها، إلى حطب في موقد الذكريات، وما زلنا (على باب منوقف تنودع الأحباب/ نغمرهن وتولع إيدينا بالعذاب/ وبواب بواب، شي غُرب؛ شي صحاب/ شي مسكر وناطر تيرجعوا الغياب).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق