أدب وفنون

مَي والموت وسورية

إلى صوت مي:

في اللحظة النحيلة الدقيقة التي تفصل الممثل عن اسمه وعنوانه وتاريخ ميلاده، والجمهور عن تأملاته، الضوء عن العتمة، الستارة عن الحركة، وقبل أن ينطق النص أولى كلماته فوق الخشبة، هنا في حيز النشوة المتجاوز واللامحدود عاشت أول خلية في ماء صوتكِ الفضي، مضت بعيدًا وراحت تعبث في الريح وتطرز جلدها بأوراق النباتات، حتى صارت صرخة هائلة، لم تجد البرّ الذي رأته في منامها كي تطلق طائرتها الورقية من ضفافه.. كي تنظر بين أعشابه الطويلة إلى النجوم وتتمنى. الخليّة الدقيقة في العتمة عاشت بقية عمرها شاردةً على شكل موجة.

إلى عينَي مي:

وبعد ألف عام سيمرّ، بعد أن تحرق الطبيعة هذا العالم وتدفن رماده في قاع المحيط، بعد أن نلمح التاريخ في متحف مغلق، ستسقط نجمة فوق جسدك، حاملةً في غبارها أوراق شقائق نعمان، وعندما تغمض عائدةً إلى السماء، ستخبر العالم الآخر عنك، ستهذي ليلًا “أنا صاحبة المرأة التي قتلها الحنين”، ستحكي وجوه غريبة بلغة غريبة عن دموع عسليّة تموج في عينيّ امرأة حرة ماتت منذ ألف عام.

إلى مرآة مي:

منذ أن حزمت حقائبك في صباح ما، ولوحت لأضواء المدينة بيديك، لم تنظري إلى وجهك، ولو مرة واحدة في المرآة، تمشين حافيةً على قلبك أمام عدسات الكاميرا، يصورون كل شيء عدا اللافتة الزرقاء بين حاجبيك.

في الليل الموحش، بعد أن يذهب الأصدقاء، تنتظرين شارعًا أو مقهى أو شرفة بيتك القديم، أن تطلّ عليك في المرآة، تدخلين الفراغ وتنبشين بأصابعك المتعبة، وجهك، تكذب المرآة وتطمئنكِ عن أمك، تكذبين عليها وتغيرين الطريقَ الذي كنت ستسلكين، السؤالَ الذي كنت تخافين، تنامين مع حلم وحيدٍ يتكرر منذ سبع سنوات.

إلى السماء فوق سرير مي:

صديقتكِ المقربة أنا، كاتمة أسرارك وبوحك أنا، تبحثين عن الهتاف الذي تحبين، في ضوء القمر: حريّة حريّة حريّة، تتمددين على أريكتك، لا يفصلك شيء عني سوى الأمنيات.

قريبًا.. قريبًا.. لدينا أطفال ومنتزهات وسمك يقفز من قبعات السحرة، لكن هناك نساء يرتدين الأسود ويقفن في ظلال الغابة، النعوش تطوف وسط البحر. قريبًا.. قريبًا.. الأبد يغرق في النحيب والندم، والبيوت ترمي أسرتنا في الهواء كقطع من السكاكر الملونة، الحرية الحرية.

لكن هناك وراء تلك الغيمة، عش عصافير مثقوب، نياشين يقطر منها الدم، يا الله! أيها البعيد القريب، متى تظهر أمنيتي كاملةً ووحيدةً في هذه السماء الشاسعة؟! منذ ولادتي وأنا أبعثها إليك، أريد أن أموت في سورية، يا الله.

إلى الخصلات البيضاء في شَعر مي

رأيتِ الحرية بلقمتها اليتيمة تسير بكل كبرياء، تمرّ أمامك، وفوق كتفيها أوراق غار وخبزٍ وبساتين، لن يهمك أي شيء آخر بعد هذا المشهد، وستنذرين للورود التي نبتت بلا أشواك، بين زخات الرصاص، اسمك وطفلك وعمرك وبيتك، لن تلتفتي إلى الوراء.

وعندما عبس وجه المنفى في وجهكِ الطافي على النهر، وراح يسألكِ عن الطريق والخطوات، يقلب دفتر يومياتك بيديه بسرعة ودون مبالاة، كنت تتذكرين ما نسيتِه من فرط الغياب، سقطت شعرة بيضاء من رأسك بخفة وبطء متثائبة على وجه النهر، كنتِ تضحكين وكانت تجدف بعيدًا.

إلى بيت مي

منذ أن غادرتِ، هناك رسائل بطوابع ملونة تصعد درج بيتك كل يوم، تزحف تحت الباب وتدخل، تعرف العصافير طريقها إلى بيتكِ، ومنذ أسبوع قادت شتلة حبق إلى هنا، الجيران -أيضًا- سمعوا هتافات قوية وفوضى تخرج من بيتك كل مساء، لم يترككِ بيتكِ، يا مي، تغادرين بتلك البساطة التي كنت تتوقعينها، ولم يخبرك أحدهم يومًا، عن الكوابيس التي تراها شرفتك كل يوم في منامها.

وبينما كان بيتك يأوي آمال الفقراء والمطلوبين والهاربين والخائفين، كنتِ تتلمسين وسادتك وتقضمين أظفار الوقت، المنفى بارد بارد.. والهواء يعبر جسدك كل صباح كل مساء كتحيّةٍ ريفيّةٍ بين حقلين.

إلى سورية

ستشيع النحلات في البراري جسد مي، وستنطلق الجنازة من مكان ما في سورية، برفقة أشجارها وشرفتها وسلم بيتها وثيابها وصوتها، وإلى أبد الآبدين ستتلقى سورية التعازي بغيابها، لا موعد ولا مكان ولا وقت ولا مقدمة ولا رثاء، في هذه النعية، فالحرية تنام دائمًا في العراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق