ترجمات

الشبان الأفغان الذين جندتهم إيران للقتال في سورية يجلبون المال والندوب

الصورة: مزار شيعي في جبرائيل غرب هرات، أفغانستان. كثير من الأفغان الذين جندتهم إيران للقتال مع نظام بشار الأسد في سورية يأتون من هذه المنطقة. (أندرو كويلتي/ لصحيفة واشنطن بوست)

على مدى السنوات الأربع الماضية، انجذب الآلاف من الشبان الأفغان الشيعة إلى الحرب في سورية، وهي جزء من نظام تجنيد مموّل بشكل جيد، والتدريب والحوافز هناك يجتذبان المجندين الأفغان للقتال من أجل حكومة عربية قمعية.

الأفغان جنود في حروب الآخرين، تدفعهم المعاناة الاقتصادية والولاء الديني، إلى الانضمام إلى معركة خارجية. البعض فقدوا أصدقاءهم وأقاربهم في المعركة، أو هم أنفسهم أصيبوا بجروح خطيرة، وقُتل نحو 840 منهم، وفقًا للباحثين. يمكن للناجين أن يحكوا عن المعارك التي دارت حول حلب أو دمشق، ويعتقد البعض أنهم يساعدون في حماية الأماكن المقدسة الشيعية في تلك المناطق.

ألقت المقابلات الأخيرة النادرة مع المقاتلين العائدين وعائلاتهم في هيرات ضوءًا جديدًا على يأس هؤلاء الرجال من القتال نيابةً عن طهران في سورية، حيث دعمت مجموعة متنوعة من القوات الأجنبية المدعومة من إيران نظامَ بشار الأسد.

ثمة سبب آخر أبعد من عامل الدين، يبدو أن هؤلاء المجندين الأفغان مدفوعون بالفاقة والعوز بشكل أساسي، حيث يعاودون التجنيد مجدّدًا ليأخذوا بضع مئات من الدولارات كأجر عسكري، على الرغم من أنهم يخاطرون بحياتهم أو يموتون على الجبهات، حيث هناك القوات الإيرانية. وعلى الرغم من أنهم يستطيعون أن يحكوا عن معارك محددة بوضوح، فليس لديهم سوى معرفة محدودة بالأسباب الأوسع والأدوار الدولية المعقدة في الحرب.

شارك ما بين 5,000 و12,000 أفغاني في مثل هذه الوحدات، منذ تأسيسها في فرقة (فاطميون) التابعة للحرس الثوري الإيراني، وفقًا لجماعات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث. معظمهم من اللاجئين أو العمال الذين يعيشون في إيران، لكن المئات منهم ينتمون إلى مجتمعات هازارية [قومية مغولية في أفغانستان، من الشيعة] وشيعية فقيرة في هذه المدينة المهملة بالقرب من الحدود الإيرانية، فضلًا عن مناطق أخرى في أفغانستان.

يشكّل الأفغان جزءًا مما يُدعى فيلق إيران للشيعة الأجانب في سورية، وهو يضم مقاتلين لبنانيين وعراقيين وباكستانيين. تختلف التقديرات حول أعداد كل مجموعة اختلافًا كبيرًا، ولكن التحقيق حول المقاتلين الأجانب الشيعة الذين قُتلوا في سورية، الذي أجرته مؤسسة (كارنيغي) للسلام الدولي، أظهر أن القسم الأكبر من الذين قُتلوا كانوا من حزب الله اللبناني الشيعي. والشيعة الأفغان كانوا في المرتبة الثانية في عدد الوفيات.

إدارة ترامب قالت، في كانون الأول/ ديسمبر: كنا نعتقد أن 80 في المئة من القوى البشرية الداعمة للنظام السوري تتألف من “وكلاء إيرانيين”، منهم المقاتلون الشيعة الأجانب، بينما اتهمت إسرائيل إيران بإرسال ما يصل إلى 80 ألف مقاتل إلى سورية.

من المستحيل معرفة العدد الدقيق للمجندين الأفغان في سورية، لأن الكثير منهم يتنقلون بين إيران وأفغانستان، ولا يخبرون عائلاتهم عن مكان وجودهم، ويخفون مكان خدمتهم العسكرية خوفًا من إرسالهم إلى السجن في أفغانستان أو إلى القتال لصالح بلدٍ أجنبي. ومع ذلك، يبدو هذا الأمر بالنسبة إلى البعض، وبخاصة إلى من هم مِن الأقلية الهازارية، وكأنه وسامًا سريًا بالشرف.

“لا أحد يجبرنا على الذهاب للقتال، لكنه يمنحك نوعًا من الكبرياء”، كما قال حسين، 26 عامًا، وهو رجل مفتول العضلات من الأقلية الهازارية في هيرات، على وجهه وأيديه ندوب من جروح شظايا قديمة، وقد شارك في أربع عمليات في سورية منذ عام 2014، حيث كان يكسب ما يزيد عن 600 دولار في الشهر، وعاد مجددًا قبل شهرين من الجبهة. وقال إنه قرر بالأساس أن يتطوّع، وقد كان يعمل نجارًا في إيران، بعد أن رأى شريط فيديو لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يقطعون رؤوس الضحايا.

الدولة الإسلامية (داعش)، وهي ميليشيا سنية متوحشة تنظر إلى الشيعة على أنهم مرتدون، تعززت في سورية من خلال مجموعات خاصة من المقاتلين الأجانب السنّة، معظمهم من أوروبا الغربية والجمهوريات السوفيتية السابقة. في كانون الأول/ ديسمبر2015، قُدر عدد المقاتلين الأجانب السنة في سورية والعراق بين 27,000 و31,000، على الرغم من أن هذا العدد قد تضاءل مع خسارة هذه الجماعة المتطرفة للأرض.

حسين، الذي لم يرغب في الكشف عن هويته خوفًا من اعتقاله من قبل رجال الأمن الأفغان، قدّم وصفًا مفصلًا لأماكن انتشاره. ووصف تدريب السلطات الإيرانية على أسلحة روسية ودبابات، والليالي الطويلة من القتال في الصحراء ضد (داعش) وغيرها من المقاتلين المناهضين للأسد، كما تحدث عن العلاج الطارئ في إيران للعديد من المصابين، وكيفية العراك مع البيروقراطية الإيرانية للحصول على علاج طبي أفضل.

وكما قال حسين: “ما إن تنخرط في الحالة، يعطونك المال والغذاء، ويعدونك بمزيد من العلاج الطبي، ويعطونك وثائق للتنقل بحرية داخل إيران، إنهم يجعلونك تشعر بالالتزام”.

نعيم، من الأقلية الهازارية، سافر إلى سورية للقتال مع زملائه الأفغان. وقد نجا من أربع عمليات في سورية. (أندرو كويلتي/ لصحيفة واشنطن بوست)

وصفت جماعات حقوق الإنسان استخدام طهران للأفغان ولغيرهم من المقاتلين الأجانب، بأنه تكتيك لإنقاذ الأرواح الإيرانية وإلغاء النقد المحلي، بتورطها في صراع أجنبي مدمر. وقالت بعض المجموعات إن أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا قد زُجوا في القتال، بعد تلقيهم تدريبًا فترة قصيرة، حيث عانوا من إصابات مؤلمة. وأفادت التقارير أن الأفغان والمقاتلين الأجانب الآخرين كانوا أساسيين في معركة حلب وغيرها من المعارك التي قلبت الحرب لمصلحة الأسد.

تنفي طهران استخدام المقاتلين الأجانب لتجنب وقوع إصابات بين شبابها، حيث يصف المسؤولون الإيرانيون الأفغانَ بأنهم متطوعون دينيون، بينما يقول الخبراء إن دور إيران الرئيس في الحرب هو توسيع نفوذها عبر الشرق الأوسط، من حدودها مع أفغانستان إلى لبنان.

كان لدى المسؤولين الأفغان أسبابٌ أخرى لمعارضة التعاون السري بين المواطنين الأفغان، في حرب فوضوية في الشرق الأوسط. وقد زاد هذا الأمر تعقيد علاقات أفغانستان الوثيقة والمتوترة مع إيران، الجار الأكثر قوة والشريك التجاري مع بلد له حدود طويلة معه، وهو الأمر الذي زاد شبح الصراع الطائفي داخل أفغانستان، الذي تم تجنبه إلى حد كبير حتى الآن.

مزار شيعي في جبرائيل، وهو جيب للأقلية الهازارية العرقية. (أندرو كويلتي/ لصحيفة واشنطن بوست)

على مدى سنوات، عانت الأقلية الشيعية في أفغانستان من التمييز والقمع على أيدي جماعاتٍ من العرق البشتوني ذات الأغلبية السنية. في كثير من الأحيان كان الشيعة يتطلعون إلى إيران للحصول على آمان ووظائف. الآن، تُرّحل إيران العمالَ الأفغان غير المقيمين وتجندهم كمقاتلين، ما يؤدي إلى الشك في أن إيران يمكن أن تستخدمهم لتحدي الهيمنة السنية في الداخل.

لكن وتيرة وشدة التجنيد الإيراني تباطأت إلى حد بعيد، بينما عزّز النظام السوري سلطته. في البداية، قال حسين: السلطات “ستأخذ أي شخص، شاب أو كبير، شيعي أو سني. سنسجل في الصباح، وسوف يرسلونا للتدريب في فترة ما بعد الظهر”. الآن، البرنامج أكثر انتقائية. هناك حوافز إضافية لمواصلة القتال، أو للتجنيد، منها عروض بالعمل أو الإقامة لم تكن متاحة من قبل للأفغان.

بالإضافة إلى ذلك، وبصرف النظر عن التعبير عن الرعب والعداء تجاه الدولة الإسلامية (داعش)، لم يعرب المقاتلون الذين تمت مقابلتهم في هيرات عن معتقدات دينية قوية خاصة، أو ما يبدو دافعًا لمواصلة القتال على أنه عمل إيماني.

“في البداية، اعتقد كثير من الرجال أنهم كانوا يقاتلون من أجل شيء ما، ولكن في النهاية اختفى ذلك. الأمر كله يعود للفقر”، كما قال حسين، الذي يبيع الخضار الآن في هيرات، ويقسم أنه لن يعود أبدًا إلى سورية. ومع ذلك، قال إنه كان من دواعي السرور أن أعود إلى دياري وكأنني بطل بدلًا من متسول، ومعي مبالغ مالية إلى الآباء الذين يكافحون شظف العيش، والذين شعروا بالقلق لشهور. وقال: “في إيران، الشعب يلعننا كلاجئين، لكن بعد سورية، أصبحنا نحظى بالاحترام”.

أحد المقاتلين، واسمه رازق، 21 عامًا، من الجماعة في هيرات، كان يأمل في وقت ما أن يصبح محاميًا ويتلقى دورات في الكمبيوتر. لكن والدته، وهي أرملة تُدعى “صدّيقة” مع ابنتين صغيرتين، قالت إنه وجد صعوبة في العثور على عمل، وقرر أن يتطوّع في الربيع الماضي. لم يخبر أمه قطّ بمكانه، لكنه أرسل لها 500 دولار، وهو ما يكفي لاستئجار منزل قديم وفرشه بسجادة رخيصة ووسائد للنوم.

وقالت صدّيقة: “لقد غيرته الحرب إلى شخص مختلف”، مضيفةً أن رازق عاد إلى الوطن، وظل فترة قصيرة وسرعان ما عاد إلى إيران والجبهة. “يقول إنه من يعيل عائلته الآن، لذا عليه أن يقاتل. لم أسمع منه أي كلمة منذ مغادرته”.

“صدّيقة”، وهي الأم الأرملة لشاب شيعي هزاري يُدعى “رازق” ذهب للقتال في سورية، قالت: إنه أرسل لها ما يكفي من المال لاستئجار منزل صغير. (باميلا كونستابل/ واشنطن بوست)

نعيم، وهو مقاتل نجا من أربع معارك في سورية، زُجّ به في الحرب عام 2015، عندما كان في زيارة لإيران، بحثًا عن عمل بلا جدوى، بينما كانت عائلته في هيرات تضغط عليه كي يرسل لها المال. لاحظ أن الملصقات في طهران تطلب من المواطنين دعم المجهود الحربي، فقرر التسجيل. كان ذلك بمثابة خطوة يائسة سترسله في نهاية المطاف للمستشفى العسكري الإيراني لأسابيع، بعدما حطم صاروخ دبابته في الصحراء السورية، فأوقعه فاقدًا للوعي.

“الأفغان يموتون مقابل 30 دولارًا في اليوم. مات ابن عمي أمام عيني”.  قال نعيم، 27 عامًا، الذي يبيع الآن المعجنات المقلية مقابل أجر ضئيل، في كشك على الرصيف في هيرات. كما أنه لا يريد أن يتم التعرف إليه خوفًا من الانتقام الرسمي. “ليس لنا من عملٍ في أي مكان. لا عملَ أقوم به سوى القتال.. أعرف أنني أقامر بحياتي، ولكنها مسألة فقر وعوز”.

وقال نعيم، الرجل الفكاهي بطبيعته، إنه يتحمل القتال من خلال الحفاظ على حس الفكاهة. عندما وقعت وحدة دباباته في كمين نصبه مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وعُزل مدة 12 يومًا، قال إنه كان يمزح مع زملائه المرعوبين خوفًا للحفاظ على معنوياتهم. وبعد أن أنقذتهم القوات السورية أخيرًا، أخذوا جميعًا صور سيلفي وهم يركبون دباباتهم.

السبب الرئيس وراء استمراره في التطوع -كما قال نعيم- هو أن يوفر ما يكفي من المال للزواج من خطيبته، وهو أمرٌ يوجب، وفق الثقافة الأفغانية، إنفاق آلاف الدولارات على هدايا المهر وإقامة العرس اللائق. لكنه يومَ عاد إلى موطنه، بعد معركته الرابعة في أيار/ مايو، لم يكن بحوزته سوى 700 دولار من المعركة. انهار عالم نعيم، حين قُيل له إن عائلة الفتاة ملّت الانتظار وألغت الخطوبة. في تلك الليلة، خرج هائمًا على وجهه متمنيًا لو أن شيئًا لم يكن.

اسم المقالة الأصلي Recruited by Iran to fight for Syrian regime, young Afghans bring home cash and scars
الكاتب باميلا كونستابل، Pamela Constable
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 29/7
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/world/asia_pacific/recruited-by-iran-to-fight-for-syrian-regime-young-afghans-bring-home-cash-and-scars/2018/07/29/ecf9e34c-64e0-11e8-81ca-bb14593acaa6_story.html?tid=pm_world_pop
عدد الكلمات 1520
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق