ترجمات

ملعقة نيلسون مانديلا المسروقة

شكرًا لك ماديبا، على العفو عن عائلتي، وعني أنا، وعن البيض في جنوب أفريقيا. بلغت المئة، لذلك دعونا نحتفل بمثالك/ نموذجك.

 

الصورة: نيلسون مانديلا، أول رئيس أسود في جنوب إفريقيا، يزور زنزانته في السجن عام 1994 في جزيرة روبن، حيث أمضى 18 عامًا في السجن. يورغن تشاديبيرغ/ صور جيتي

ذهبتُ إلى جزيرة روبن، في يوم مشرق مع ابنتي أديل التي اختارت أن تكمل فصلها الدراسي في الخارج في جامعة كيب تاون. دائرة كاملة: عائلتي، يهود ليتوانيين، ذهبت مسرعة إلى الرصيف المزدحم في كيب تاون، في حزيران/ يونيو 1895، مع ثروتهم التي حملوها من أوروبا.

شمس مشرقة، وأمواج متلألئة، جدول جبيلي يتبع مسارًا منبسطًا حيث يبدو وكأنه سراب. الجزيرة، حيث قضى نيلسون مانديلا 18 عامًا من سجنه الذي استمر 27 عامًا، تلوح في الأفق. دليلنا، وقد سُجن ذات يوم هنا، أخبرنا بأنه مسموح بإلقاء نظرة على زنزانة مانديلا، من دون دخولها. وقال مفسرًا: لم يعد مسموحًا للزوار بالدخول إلى زنزانته، بسبب سرقة أحدهم ملعقة مانديلا”.

الوعاء/ القصعة، والكأس (ولكن بلا ملعقة)، وطاولة النوم، ومستطيل من السماء الزرقاء المرئية من النافذة.. هنا، في هذا المكان الصغير، حافظ مانديلا على يقظة روحه. يجب على أي شخص يُخبئ الوهم الخطير بكمال الإنسانية أن يتذكر أن سائحًا سرق ملعقة نيلسون مانديلا.

إنها الذكرى المئوية لميلاد مانديلا هذا الشهر. الاحتفالات تنتشر في جميع أنحاء العالم. كان سيد مصيره. ترسانة الرجل الأبيض لا يمكن أن تلمسها. لقد انتهى الأمر. كما هو الحال مع المهاتما غاندي، القوة الداخلية الجاذبة تنتصر.

سارقو الملعقة هم في الخارج. في بعض الأحيان يبدو أن هؤلاء اللصوص، بتكبرهم وغرورهم الجشع وقدرتهم على القسوة على الأطفال، يسيطرون على العالم. هم ليسوا كذلك. هناك قوى أخرى تعمل، وترفع الناس بدلًا من إسقاطهم، توحدهم ولا تقسمهم. اختار مانديلا مواجهة الإنسانية في ظلمها، وقهر العنف باسم الأمل.

إن السنوات الـ 27 التي سرقها أشخاص ذوي بشرة بيضاء من مانديلا، والمعاناة التي لحقت بعشرات الملايين من السود في جنوب أفريقيا على مدى عقود، لم يُطلب مقابلها الدم.

ربما انطلق الجنوب أفريقيون البيض، مثل عائلتي، بسرعة شديدة. كانت انطلاقتهم هذه “نزهة في مقبرة جميلة”، كما كتبت نادين غورديمر.

بعدئذ، عندما انتهى الأمر، رفعت العقوبات، وانضموا إلى العالم الاقتصادي، وإلى العالم الجميل. فجأة صار جواز سفر جنوب إفريقيا شيئًا عظيمًا. يمكن أن يقولوا: “لم أُصوّت قط للتعذيب!” ونسوا تواطؤهم في أعمال الشرطة في جنوب أفريقيا، من خلال الصباغ -المدارس المنفصلة، والإبعاد القسري للسود من منازلهم، وإبعاد السود إلى البلدات غير المرئية التي تعجّ بالغبار والعمل الشاق.

اليوم، هناك طبقة وسطى سوداء، ولكن عدم المساواة متجذر. صرخة ترتفع من الشباب السود موجهة إلى البيض: “نزع الملكية من دون تعويض”. إنه أمرٌ شائع بما يكفي ليصبح له اختصار بالأحرف الأولى. إنه تهديد بما يكفي ليؤخذ بالاعتبار، كوسيلة لإبطاله، بواسطة كريل رامافوسا، الرئيس الذي يحاول تثبيت السفينة.

بالنسبة إلى اليهود، كانت جنوب أفريقيا تحررًا من المذبحة، أولًا، بعد النجاة من المحرقة لاحقًا. ومع ذلك، فإن معظم اليهود كانوا يوافقون على نظام أبارتهايد -الفصل العنصري- على أي حال، ومنهم عدد من محامي مانديلا. هناك المزيد من المتفرجين أكثر من الأبطال في أوقات الاضطهاد. هذا جزء من جينات/ مورثات البقاء.. بالرغم من أن بقاء البشرية النهائي يعتمد على عدد قليل من الناس الذين سيقاومون.

كانت جنوب أفريقيا مكانًا جيدًا للعيش في القرن العشرين. “إذا كنت مشغولًا باضطهاد الملايين من السود؛ فلن يبقى لديك الكثير من الوقت لعشرات الآلاف من اليهود”. هذا ما سمعته عندما كان عمري كافيًا لسماع ذلك.

أشكركم، ماديبا، على العفو عن عائلتي، وعني أنا، وعن البيض في جنوب أفريقيا، وعن لصوص الملعقة، وعن الرُضّع السياسيين اليوم، وعن البشرية جمعاء بسبب ظلمها، وغبائها القبليّ. شكرًا لارتقاء نظراتنا.

سأسافر إلى جوهانسبرج، وسأذهب إلى سويتو يومًا ما. هناك، سأقابل ماكدونالد ماندا موهالي، وعمره 30 عامًا. لقد خرج من العمل منذ أكثر من عام. كان يعمل كحارس أمن يقوم بدوريات حدودية. الآن يشاهد “Breaking Bad” [اختلال ضال] أو [تحطيم السجن] “Prison Break” طوال اليوم على شاشة التلفزيون. يعيش في غرفة واحدة. المرحاض في الخارج. طلبات العمل لا تلقى إجابة. في بعض الأحيان يغسل السيارات أو يبيع جسده مقابل المال. أذنه مثقوبة، لكنه يقول إنه صار عجوزًا حيث لا يمكنه أن يعلّق قرطًا.

“افعل ما بوسعك، وسيفعل الله الباقي”ـ عبارة على جدران غرفته.

أسألُ هذا الشاب الأسود في جنوب أفريقيا، الذي نشأ في حقبة ما بعد أبارتهايد/ التمييز العنصري: هل الحياة تتحسن؟ “طالما أنك لا تعمل، فإن الأمور لن تتحسن”، كما يقول. ثم أسأله: هل غادر البيض بسهولة؟

“مانديلا سامحهم، يجب أن نثق به. إن سامح الناس الذين عانوا، لم لا ينبغي علينا أن نسامح؟ أنت لا تشعر بالغضب؟ لا شيء على الإطلاق”. كما يقول.

نخرج وننتقل عبر ساحة تناثرت فيها القمامة، حيث الشبان العاطلون عن العمل يدردشون ويبتسمون. الفتيات في بلوزاتهن الأرجوانية وتنوراتهن الرمادية يخرجن من المدرسة. امرأة تبيع المكانس والمرايا وفراشي الغبار على رأسها. أشتري النقانق من أحد محلات الجزارين. موهالي، مستخدمًا نصف بصلة نيئة، ينظّف الشواية. ونحن نأكل، ونضحك.

شكرًا، ماديبا، لقوّة مثالك/ نموذجك. لا تقلق، وأنت في عمر المئة، سنجد من سرق الملعقة. فاللصوص لن يرثوا الأرض.

اسم المقالة الأصلي Nelson Mandela’s Stolen Spoon
الكاتب روجر كوهين، Roger Cohen
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 27/7
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/07/27/opinion/nelson-mandela-south-africa-100.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fopinion-columnists
عدد الكلمات 786
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق