هموم ثقافية

في الدفاع عن خساسة المسرحيين

إن ما تفرضه المدن العربية على مسرحييها هو الزج بهم في معادلات سياسية، لا خلاص لهم منها، فهي الآن تبشر بحقيقة مروعة، مفادها هشاشة الفن المسرحي، نتيجة صحوة الهمجيات والحروب وغياب الديمقراطية وسيطرة الفوضى وتفتيت القيم ومولد البربرية والتوحش، وهي فاشلة في تدريب الإنسان على أن يكون مواطنًا، بالمفهوم المدني للكلمة. وجود المسرحي في فضاء، كهذه المدن، هو ما سيجعله يتخلى عن مهماته الحقيقية، بعد أن أصبح يولي الممارسة السياسية اهتمامًا أكثر من الممارسة المسرحية، ليرتد إثر ذلك إلى وضعية “جهادية”، أو لنقل باتت تقوده أخلاق العبيد الضعفاء، بدلًا من أن يكون مشروع إنسان جديد، يكرس مهماته من أجل حراسة الجنس البشري واختراع المستقبل، كلما سادت ثقافة الرعاع الذين تفننوا -بشكل لا يطاق- في التنكيل بالإبداع وتعذيبه.

هذه الممارسة السياسية التي يُجبَل عليها المسرحي، لا تجد اشتغالها في البرلمانات والانتخابات، وغيرها من الأشكال والمؤسسات التنظيمية التي تحرسها أجهزة الدولة وأنظمتها، إنما هي الآن توظف الخطاب السياسي في سلوك المسرحيين، حول منظوراتهم إزاء النشاط المسرحي، لذلك لم نعد نشاهد ضربًا من التيارات الفنية أو المدارس النقدية، بقدر ما صرنا نعايش مولد نقابات مسرحية أو مهرجانات، تنتسب كل منها إلى عصبة من المسرحيين، وفي ذلك كله، لا همّ لهؤلاء إلا فرض وجودهم الخاص في حديقة الفن المسرحي، كنوع من ترجمة خوفهم من الانقراض. يتجلى ذلك من خلال سياسات الدعم المسرحي، أو في ارتباط كتلة ما وسيطرتها على مهرجان من المهرجانات، أو احتكار البعض الآخر السوق الثقافية وتحكمه في توزيع الأعمال والعروض المسرحية ككل. وهذا ما سيضع نقطة نهاية الفن المسرحي، مقابل استمرارية وجود المسرحيين.

لم تستطع المدن، هذه الأمكنة التي يسكنها المسرحيون، توفير مكان رحب للممارسة المسرحية. ليس المقصود بذلك تلك الأفضية والأركاح والبنى التحتية فحسب، إنما المقصود ذلك المناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يسودها، بوصفه المتحكم الرئيس في ماهية السكن داخلها. لقد أصبحت مؤهلة لسقوط عاجل فوق رؤوسنا جميعًا، بما هي الآن تبدع في تنشيط الرعب، ذلك الوحش الذي نراه في أفضيتها المفتوحة والمغلقة، حيث لا شيء غير الاستئصال والاعتداء على حريات الآخر وضرب خصوصية الأفراد.

يصبح من السهل جدًا، في سياق كهذا، مولد انحطاط أخلاقي يعصف بالجميع، حتى بالمسرحيين أنفسهم. ثم إننا لا نعرف، ونحن نتخذ الآن مسافة بيننا وبين هذا المشهد، هل سيكمن الحل في مواجهة هذا الانحطاط وقول الحقيقة بتعرية هذا العزاء المسرحي، أم في ضرورة التقاطع مع الحركات النضالية التي تسعى، بشكل أو بآخر، لاختراع ضرب من الممارسة الديمقراطية كأفق لخلاصنا وخلاص مدننا! في كل ذلك ستبدو هذه المهمة كلاسيكية وبائسة جدًا؛ إذ ستتطلب أول المطاف تحوّلنا إلى مجرد جنود ومقاتلين حاقدين ومرضى، يحررون الأفق المستقبلي بمحوه وقتله، لا إلى جيش من المبدعين. لقد أنتجت تجربة المسرحيين النضالية واقعة جد مضحكة وبائسة، تمثلت في تعذيبهم الدولة لا الأنظمة السياسية الحاكمة، وهذا ما ولد واقعة ثانية، شعارها الرقص مع أدخنة الخراب، والاحتفال بانهيار المدن ذاتها.

من نحن أولًا؟ هل كل من يمارس النشاط المسرحي يمكن عده مسرحيًا؟ أي المسرحيين يمكن المراهنة عليهم، والحال أنه ثمة منهم من هو أكثر خطرًا على المسرح من رعاع المدن التي نسكنها؟ مَن منا يتجرأ على ذلك الاعتراف العنيف بقتل المسرح؟ من منا يمتلك قوة السير وراء جنازة الفن، ويبكي معترفًا بجريمته الغادرة؟ ومن منا سيعترف الآن بفشله المسرحي، بعد أن أنهكته المدينة وحولته إلى قاتل حاقد؟

يجب عدم فهم مطلب الاعتراف بثقافة العبيد التي أصابتنا، بأنه محاكمة قاسية تطلب القصاص من مجرمي الفن وكلاب حراسة الثقافة، كما تهدف إلى محاسبتهم والانتقام منهم. على العكس من ذلك: إذا كان علينا، في سياق كهذا، إيجاد مبرر لخساسة البعض من المسرحيين، وذلك بالكف عن تجريمهم، وإن كانت ممارساتهم لا تختلف في شيء عن المجرمين، والتفكير أولًا في المسببات التي جعلتهم حراسًا للضغينة! أفلا يجدر بنا اختراع أفق مسرحي مغاير، يتخطى هذا الراهن برمته، دون التمادي في سياسات تعذيبهم، بعد أن أصبحنا ندرك بشكل واضح وقاطع، استحالة تحريرهم من ثقافة العبيد؟ ما هي البذور الأولى التي يمكن أن تبدأ منها لحظة اختراع ذلك الأفق؟ كيف يمكن تعذيب المدينة بوصفها المسؤولة عن تعذيب المسرحيين والساكنين فيها ككل؟ كيف يمكن للمسرحي أن ينقلب على المدينة؟ كيف يمكن اختراع رهط جديد من المسرحيين يسكنون هذه المدن؟ ما هو دورهم ووظيفتهم؟

لا بدّ من التنبيه هنا إلى أن المطلب ليس متعلقًا بسفينة إنقاذ، إنما هو متعلق بالأساس بذلك السؤال الإشكالي الذي يطرح نفسه الآن: كيف نعيد استنبات وجودنا المسرحي، في مدن غير مؤهلة لذلك، دون أن نعلَق في شراك السائد من الثقافة المسرحية؟ وكيف نعقد ضربًا من الإقامة في أفقها المغلق، دون يأس يقر بضرورة موتنا وتحولنا إلى عبيد، أو يدفعنا إلى حرب لا طائل منها، ضد خساسة المسرحيين أنفسهم؟

يجب عدم التعويل على الراهن، فهذه المدن قاصرة على إنتاج المعنى، وذلك العدد المهول من الإنتاجات المسرحية لم يطرح إشكالًا مسرحيًا بعينه، بقدر ما دافع عن زيف المدن. إن تزايد عدد المسرحيين لم يفصح عن حياة مسرحية، بقدر ما أخرس لسان الفن المسرحي، ومحاولات الفنانين في الركض وراء موجة التحديث أسقطتهم في الاستنساخ، ومنعت عنهم مساءلة الحداثة، وسيطرة “بارونات” المسرح على سياسات الدعم والتوزيع، لم تنتج مسرحيين؛ بل أنتجت متملقين ولصوصًا وضحايا ومعارضين. فما الذي يمكن طرحه أمام هول هذه المستنقعات؟ سيصح الأمر؛ إذا مدحنا خساسة هؤلاء المسرحيين، ودافعنا عن وجودهم بشكل ضاحك وساخر، ذلك أننا ندرب أنفسنا بشكل كوميدي على ردم عصورهم، ونجهز مداراتنا للهجرة نحو أفق مغاير، ونشرع للحقيقة القائلة بموتهم وتموضعهم الزائف في كروم الفن المسرحي.

نحن ذلك اللامنتمي، لا أصدقاء له ولا أعداء ولا أتباع، يهجر نفسه داخل المدينة مثل حيوان بري قلق، متحرر من أفق مغلق، طالع مثل عشبة من تلقاء نفسها بين الصخور: هكذا يصرخ أفق المسرحيين الجدد، أبناء مستقبل يضرب بجذوره حصون واقع بائس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق