أدب وفنون

شوقي بغدادي: لا إبداع دون حرية

كان يداعب أوتار عوده الذي رافقه طوال عمره، إلى حين توقفت أصابعه، ريثما يجيب على سؤال بدا ساذجًا: كيف ترى تسمية دمشق عاصمة للثقافة العربية؟ لكن شوقي بغدادي وجد فيه سؤالًا مؤرقًا! ترك عوده يرتاح في حضنه وراح يقلب وجهه في الأنحاء، ثم قال: “أن تستحق دمشق تسميتها عاصمة للثقافة العربية، معناه أنها يجب أن تكون عاصمة للحرية أولًا، ذلك لأن الحامل الأوحد والأكبر للثقافة، بمعناها الحقيقي، هو مناخ الحرية، ففي هذا المناخ وحده يمكن للعقول أن تبدع وتبتكر وتضيف، دونما خوف من عطالة أو ممانعة قهرية تسد عليهم الطريق”. كانت تلك كلمات شوقي البغدادي عام 2008، حين سمّيت دمشق عاصمة الثقافة العربية. تلك التسمية التي أعطتها جامعة الدول العربية لحلب أيضًا، وللشارقة وبغداد ولغير عاصمة وحاضرة عربية، من دون أن تحفل بقضية الحرية التي يراها شوقي حاملًا للثقافة وأساسًا لها. فما من عاصمة أو مدينة عربية تمتع فيها المثقف بحرية التعبير؛ بل إن السائد في معظمها هو حرب لا هوادة فيها، ضد من يخرج عن سرب كتبة التقارير والخائفين والمرتزقة، بغض النظر عن مستوى إبداعهم. وشوقي الذي عشق دمشق لم يولد فيها ويترعرع، بل في مدينة بانياس الساحلية الجميلة، لكنه يقول: “لا أدري لماذا سحرتني دمشق، منذ مطلع عام 1946، حين انتقلت الأسرة بأكملها إلى العاصمة. حضرت هناك أول عيد للجلاء بعد رحيل المستعمرين الفرنسيين، على ضفاف نهر صاخب (كان صاخبًا حافلًا حينذاك) اسمه نهر بردى، عند مدخل المدينة وقتها، أو في المكان المسمى الآن (جسر فيكتوريا)، شاهدت هناك، مع معظم سكان المدينة الذين هبوا منذ الصباح الباكر إلى ذلك المكان، العرضَ العسكري والشعبي الذي خلب ألبابنا، وصار عيدنا الأكبر كل عام في السابع عشر من نيسان/ أبريل. كنت في المدن الصغرى الساحلية مجرد غلام صغير، وإذا بي أمام مدينة عريقة كبيرة خارقة الحسن والجمال، وعلى الأخص مدينتها القديمة، بآثارها الجليلة وأزقتها الملتوية ومساجدها الواسعة العريقة، وغوطتها التي تحيط بها كحزام أخضر على خصر عذراء فاتنة. في دمشق، عرفت حبي الأول، كانت زميلة لي في كلية الآداب اسمها (مديحة). لم أستطع الزواج بها، لأن أحد الوزراء خطفها مني، وأنا مشغول بتأسيس أول رابطة للكتاب السوريين والعرب في ذاك العهد. ثم أحببت فتاةً أخرى اسمها (إحسان)، لكن الموت خطفها مني هذه المرة بمرض السل! وفي دمشق اعتُقلت في سجن المزة العسكري لأول مرة في حياتي، أيام الحكم الناصري، مدة تسعة أشهر عام 1959. ماذا أروي لكم عن الإحداث التي مرت بي، في هذه المدينة الطيبة القاسية التي صنعت مجرى حياتي، بين الفرح والألم، بين نشوة عشق المرأة وتراجيديا الموت المبكر، بين مشاهدة التاريخ العريق والأحياء الجديدة المغرية التي ليس لها طابع الأصالة التاريخية، التي عرفت بها أقدم عاصمة في التاريخ، ثم ملاحقة التغييرات التي بدأت تشوه المنظر المألوف للمدينة القديمة، وللغوطة التي بدأت تغزوها المعامل الصناعية الكبرى والمداخن والغبار والمخالفات السكنية المسكوت عنها؛ ما دفعني فيما بعد، إلى نظم ديواني المسمى (البحث عن دمشق) الذي أثار اهتمام الكثيرين، ليس بموضوعه الجديد فقط، بل بأسلوبه المبتكر أيضًا”. كان لشوقي بغدادي الفضل مع آخرين في تأسيس رابطة الكتاب السوريين عام 1951، التي تحوّلت إلى رابطة للكتاب العرب عام 1954، وانتخب أمينًا عامًا لها حتى مطلع عام 1959. وبعدها شارك في تأسيس اتحاد الكتاب العرب الحالي، وكان عضو مجلس الاتحاد في معظم دوراته، إلى أن اختير بعد انتخابات الاتحاد عام 1995، عضوًا في المكتب التنفيذي، وأسند إليه منصب رئاسة تحرير مجلة (الموقف الأدبي) الشهرية الصادرة عنه. وفي الأثناء كان مواظبًا على عملة أستاذًا للغة العربية في المدارس الثانوية، ونظم الشعر وكتابة القصص في آن واحد. أنجز مؤلفات عديدة في الفترة الممتدة بين عامي 1955 و1994 منها: (أكثر من قلب واحد -شعر- بيروت 1955، لكل حب قصة -شعر- بيروت 1962، أشعار لا تحب -شعر- دمشق 1968، مهنة اسمها الحلم -قصص- اتحاد الكتاب العرب -دمشق- 1986، قلْها وامشِ -خواطر- مجموعة من الشهادات والخواطر -دمشق 1994).

هاجس مطلب الحرية لم يغادر كل مؤلفاته، حتى في الخواطر التي كان يكتبها للصحف المحلية واللبنانية. شوقي بغدادي، الذي اكتملت سنواته التسعون، ظلَّ مصرًّا على العيش في المدينة التي عشقها يافعًا ورجلًا وكهلًا، على الرغم من المأساة السورية الدامية. وقد أجاب جريدة (القدس العربي) عن سبب إصراره قائلًا: “لقد بقيت في بلدي؛ لأنني أردت أن أموت فيه، وقد اقتربت نهايتي. هذا كل ما في الأمر. وأنا لست هنا لأوثق هذه المحنة الكبرى التي نزلت بوطني، فأنا لست موثقًا، بل أنا شاعر قبل أي صفة أخرى. وقد استوحيت مما يحدث الآن من فظائع، عددًا من القصائد نشرت بعضها، وأنوي حاليًا جمعها كلها في مجموعة شعرية قد تكون الأخيرة لي. وكل رجائي أن أنجح في إصدارها، قبل أن أرحل عن هذه الدنيا الغدارة، التي صنعت بوطني الحبيب أكثر وأفظع مما صنع تيمورلنك. وقد وضعت لها منذ الآن عنوانًا يليق بها -كما أعتقد- وهو (جمهورية الخوف)”.

لم أستطع الوصول إلى شوقي بغدادي، عن طريق شبكة التواصل في دمشق، لأسأله بعد كل ما جرى ويجري، ماذا تنتظر؟ لكني وجدت من سبقني إلى هذا السؤال، فقرأت الجواب: “آخ، آخ يا أعزائي، يا قرّائي، يا من تطرحون عليّ سؤالًا موجعًا: ما هي أمنياتي بعد كلّ هذه البشاعات؟ بعد كل هذا الهلاك والويلات التي لم يقترفها حتى تيمورلنك الذي لم يبق في دمشق سوى أربعين يومًا! ثم رحل! وحينها تكاتف سكان الغوطتين الشرقية والغربية على إعادة إعمار دمشق، ونجحوا في ذلك في أمدٍ قصير نسبيًا. الآن لم يبق من الغوطتين سوى شجرتين وأربعة فلاحين مقعدين، وخمسة عجائز وتسعة أطفال”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق