أبحاث وتحليل سياسات

القوة الغاشمة لا تبني إلا دولة غاشمة

عندما تُضاف إلى لا مشروعية الدولة (الوطن والشعب) لا مشروعية السلطة؛ نكون أمام حالة شديدة التعقيد، أخطبوطية الاعتداءات على الوطن والشعب معًا، ويصف عصمت سيف الدولة هذه الحالة، فيقول: “الواقع أننا عندما نكون في مواجهة حاكم، أو جماعة من الحاكمين لا يلتزمون القانون السائد في المجتمع الذي يحكمونه، ويستمدون سلطتهم من قوتهم الباطشة، أو من قوة باطشة يحكمون لحسابها، لا نكون في مواجهة (استبداد)، بل نكون في مواجهة خروج إجرامي على القانون، نكون في مواجهة قوة مادية مدمرّة”(1).

هذه القوة المادية ذات الطابع الإجرامي هي ما تعاني منه أغلب الشعوب في العالم الثالث، وتعاني منه الشعوب التي تعرضّت لعدوان التجزئة القومية أضعافًا مُضاعفة، فالدولة غير شرعية، والقانون غير مشروع، والحاكم في أغلب الأحيان، وفي ظروف كثيرة، يضطر إلى أن يخرق هذا القانون غير المشروع لممارسات لا مشروعة أكثر توحشًا وإجرامًا. فهل لنا بعد ذلك أن نتصوّر مدى الضرر الجسيم الذي تُعاني منه الأمة العربية، من جراء تأسيس مثل تلك الدول العدوانية في الوطن العربي التي لا تستند في تأسيسها واستمرارها إلا إلى القوة الإجرامية المادية الخارجية، أو الداخلية، أو المشتركة فيما بينهما؟!

فماذا يقول أصحاب الأيديولوجيات عن هذه الحالة؟ ولنبدأ بما قال به أصحاب القانون الطبيعي عن الحق والقوة في تأسيس الدولة؟ وما هي النظرية التي اعتمدوها؟ وإلى أي حدود طبقوها؟

بفعل التطور المشترك، اكتملت بعض الأمم تكوينًا بمعنى الشعب المحدد، والوطن المحدد، وبذلك فإن النظريات التي اعتمدت العناية الإلهية، أو التطور العائلي، أو القوة في تأسيس الدولة -منفردة أو مجتمعة- لم تعد تناسب هذا الطور الجديد، فكان لا بد من اعتماد مستند فقهي، ونظري جديد لتأسيس الدول ذات الحدود الجغرافية الثابتة، والبشرية المحددة، وكانت الحاجة مُلحّة إلى إسناد تأسيس الدول إلى المجتمع، الأمة، أو الشعب، للتخلص من مرحلة الغزو، والغزو المضاد التي تهدد استقرار المجتمعات، واختصاصها بالأرض، إضافة إلى أن بعض المجتمعات البشرية بلغت طورًا من الوعي لم يعد يسمح لها بتقبل أو تحمل أنماط قاسية فظة من الاستبداد الذي لا يُمثل اعتداء على الأفراد، وحسب، وإنما اعتداء على المجتمع برمته مما يمنع تفاعله وتكامله، ويعطل قانون تطوره “الجدل الاجتماعي” عن العمل، بسبب اختلال العلاقة بين حدوده وأطرافه، وهكذا بدأ الرفض للمستند “الشرعي” الذي يتيح للحاكم أن يقول علنًا: أنا “الدولة”، أو أنا “الإله”، أو “أنا ممثله”، أو أن “العناية الإلهية قد اختارتني”.

لقد بدأ هذا الرفض يتحوّل إلى استهجان، ورافق ذلك دخول قطاعات واسعة من المجتمع “عبيد، ورعاع..” إلى دائرة التفكير والتساؤل، والإحساس بأن لهم حقوق، وأصبحوا يسمّون بعض الوقائع بمسمياتها، فالاعتداء على حقوقهم هو اعتداء، وليس عناية إلهية مثلًا. كل هذه الأوضاع أدت إلى رفض القديم، والحلم بالبديل، والفعل بالممكن، والمتاح، فبدأت الحركة الفقهية، والثقافية، والفنية في تلك المجتمعات تُحرّض على رسم ملامح هذا الجديد الذي تتعاظم الحاجة إليه، وظهرت نظريات ومناهج جديدة في القانون والثقافة والفن والفلسفة، بما سُميّ في أوروبا بداية عصر التنوير، وأهم مستند تم اعتماده هو المنهج المستمد من القانون الطبيعي، والفكرة بالنسبة إليهم بالغة البساطة؛ فالمجتمع وجود طبيعي، وهو “ظاهرة لم توجد نتيجة إكراه، بل انبثقت انبثاقًا حرًا من الطبيعة الإنسانية كاستجابة (الغريزة) لحب الاجتماع. هذه الغريزة الاجتماعية الأصلية في الإنسان لقّنت الإنسان قواعد أساسية للحياة في المجتمع. وهكذا قبل أن يكون المجتمع منظمًا بقواعد قانون وضعية، يوجد نظام قانوني للمجتمع يُجسّد حقيقته على أفضل وجه في الحرية وبالحرية، والقانون الوضعي ذاته ليس إلا ترجمة للقانون الطبيعي، تؤدي غايتها بقدر ما تكون متفقة مع الاصل الذي تترجمه”(2). ويقول لوك: “توجد جماعة طبيعية بين الأفراد تسبق الجماعة السياسية، هذه الجماعة الطبيعية لا تخضع لرئيس يحكمها، ولكنها تخضع لنواميس طبيعية”(3).

ويقول ثروت بدوي: “إذا كان روسو يتفق مع هوبس ولوك ودعاة القانون الطبيعي، في الاعتراف بوجود حياة الفطرة التي تسودها الحرية، والمساواة، والاستقلال عن كل سلطة، وفي أن الانتقال إلى حياة الجماعة قد تم بناء على عقد اجتماعي؛ فقد ذهبوا مذاهب مختلفة في تكييف ذلك العقد الاجتماعي، وفي تحديد أطرافه، وتعيين أهدافه. وعلى الرغم من النقد فقد كان لهذه النظرية الفضل الأكبر في ترويج المبادئ الديمقراطية، وتقرير حقوق الأفراد، وحرياتهم، والحد من السلطان المطلق للملوك، كما لعبت دورًا مهمًا في نشأة المذهب الفردي”(4).

وقد تأسست مدرسة التطور التاريخي أو الطبيعي لتأسيس الدولة، حيث يرى غالبية فقهاء القانون أن الدولة ظاهرة طبيعية، يقول ثروت بدوي: “إن الدولة ظاهرة طبيعية لا يمكن أن تُرجع نشأتها إلى واقعة بالذات، وإنما هي نتيجة تفاعل عوامل مختلفة، ساهمت، على مر الزمن وبعد تطور طويل، في إحداث الترابط بين أفراد الجماعة، وفي تحقيق ميولهم الغريزية إلى الاجتماع، والتعايش معًا. حيث لا يمكن تكييف نشأة الدولة تكييفًا قانونيًا، لأنها وليدة ظروف طبيعية، وتطورات طويلة، دون أن يكون في الاستطاعة تحديد مولدها بتاريخ معين(5).

أما بوردو، فيرى أن “وجود الدولة يستجيب لبعض المتطلبات الخاصة بالبنية السياسية للمجتمعات في مرحلة معينة من تطورها. يُمكننا التأريخ لولادتها، كما يمكننا كذلك التحقق من الحالات التي تزول فيها، وهي لا تخلق السلطة، ولكن تحدّد أشكالها، فالطاعة التي تفرضها ليست من الطبيعة ذاتها التي يطلبها الرئيس الذي يأمر، إنها دائمة بينما الحكام يمروّن”(6).

وهكذا، بحكم التطور الاجتماعي، أصبحت الحاجة مُلحّة إلى مؤسسة الدولة، وإلى تجريدها إلى حدٍّ ما، عن الحاكم، الأمير، الملك، الإمبراطور، الرئيس. يقول بوردو: “عندما أصبح الفرق بين ما ننتظره من السلطة، ومن الشخص الذي يُمثلهّا محسوسًا توجهت الأذهان نحو رؤية أقلّ جسدية. عندئذ بدأ الناس يفكروّن بتأسيس السلطة. حيث المؤسسة مشروع في خدمة فكرة مُنظمة بطريقة تجعل الفكرة متجسدة في المشروع، الأمر الذي يمكنه من التمتع بالقدرة، وبمدة أطول من تلك التي يتمتع بها الأفراد الذين يتحرك المشروع بواسطتهم”(7).

ففي الدولة “تُصبح السلطة مؤسسة، بمعنى أنها تنتقل من أشخاص الحكام الذين لم يعودوا يملكون منها سوى الممارسة، إلى الدولة التي تصبح، من الآن وصاعدًا، المالكة الوحيدة للسلطة. ويجب أن تؤخذ أصول الدولة فقط عندما بدئ بوجود جهاز بدأ إلى حدٍّ ما جديدًا، بالنسبة إلى أناس القرن السادس عشر، فشعروا بالحاجة إلى إعطائه اسمًا ما لبث أن تناقلته الشعوب في العصر نفسه”(8).

ثم يُعيد بوردو فكرة الدولة إلى السند النفساني للمجتمع، فيقول: “إن فكرة الدولة -مهما تكن مشروطة بمعطيات موضوعية- لا تُحدّد دون السند النفساني الذي يكتسب استعداداته مما تقدمه المجموعة.”(9).

ويضيف بوردو: “تحت اسم التعددّية القانونية، نواجه ظاهرتين مختلفتين. يمكننا أولًا تفحّص التعايش في نفس المجموعة السياسية في لحظة معينة لعدة مراكز مولدّة لنظام قانوني. وهي تخلق معًا مقابلًا للحق الذي يصدر عن الهيئات الرسمية. والوجه الآخر للتعددية لا يُشتق بالضرورة من تعدد (المجتمعات) في الأمة، ولكن من كثرة المعطيات الروحية التي تؤسّس النظرة للبنى المثالية للحق. وفي هذه الحال ترتبط التعددية بتنوع مادة أفكار الحق أكثر منها بتنوع مصادره”(10).

أما راد ومير لوكيل، فقد عبّر عن العلاقة بين (القانون الطبيعي)، و(الدولة) بالقول: “إن الحق الطبيعي لم ينشأ من قبل الدولة، والدولة خاضعة للحق، ومن وجهة نظرية شكلية، يمكن ملاحظة أن (النظريات المستندة إلى الحق الطبيعي) أقامت تقنيات كاملة للحق الطبيعي. وهي ترى أن الدولة خاضعة للحق، وليست سوى أداة تحقيقه. وأن نظرية العقد الاجتماعي تنطلق بدقة من أن كل الناس يكتسبون بولادتهم بعض الحقوق الطبيعية والفطرية، وبالنسبة إليها فإن الدولة مؤسسة مُعينّة لحماية هذه الحقوق الطبيعية. ويوجد في أصل الدولة شيء ملموس، وعمل إرادي وواع من جانب الناس، عُقد وأُبرم بين كل أعضاء الجماعة، وكل مواطني الدولة مستقبلًا، أي (عقدًا اجتماعيًا). وأن ما يسمى حالة الطبيعة، أو مرحلة قيام دولة للمجتمع التي يتمتع الناس في أثنائها بحقوق طبيعية، هي غير قادرة لضمان الممارسة المتساوية فعلًا لهذه الحقوق، لأن الأكثر قوة يعتدون على حقوق الأكثر ضعفًا، ولهذا فإن الناس يبرمون (عقدًا اجتماعيًا). إن جوهر هذه النظرية يتكوّن على عكس النظريات الدينية، في محاولة لتفسير ولادة الدولة بأسباب اجتماعية، ولتُقدمّ الدولة كعمل، وكأبداع من قبل الأفراد، وليست كشيء مستقل بالنسبة إلى إرادة الإنسان. إن فكرتها الرئيسة هي أن البشر أنفسهم الذين يصنعون دولتهم، وبالنتيجة، فإن النتيجة الثورية المنطقية هي أنه يجب تدمير الدولة التي ستصبح غير جيدة، وتعديلها حسب المعنى المراد من قبلهم. فالدولة ليست مؤسسة أعلى من الأفراد، مفروضة من قبل الإله -كما قالت النظرية الدينية- وليست عنصرًا طبيعيًا لا يستطيع الإنسان تغييّره أبدًا -كما ادعت نظريات أخرى- إن الدولة هي إبداع واع من قبل البشر، الذين يستطيعون تغييرها حسب إرادتهم”(11).

وهكذا؛ فإن (العقد الاجتماعي) الذي أبدعه روسو، كان متقدمًا على عصره، حيث رفض استمرار استلاب إرادة الإنسان، واعتباره ملزمًا بالخضوع (للقوانين الطبيعية)، بعد أن كان ملزمًا بالخضوع للدولة المشمولة بالعناية الإلهية. لكن الدولة الربوية الرأسمالية في أوروبا عادت لتدمر إرادة الإنسان، والعقد الاجتماعي معًا، وهذا ما دفع “راد ومير لوكيل” إلى القول: “إذا أجرينا دراسة نقدية لنظرية (العقد الاجتماعي)؛ فمن الواضح أن الفكرة التي ستتكوّن الدولة تبعًا لها متولدة حقيقة وفق عقد اجتماعي هي -تاريخيًا- غير دقيقة، فالدولة لم تنشأ بطريقة عقد بين المسيطرين والمحكومين، ولكنها فرضت سلطة المسيطرين”(12).

من الواضح هنا أن لوكيل يقصد (الدول الأوروبية) كنموذج لدراسته النقدية، حيث يُضيف: “وفي مقابل نظرية الحق الطبيعي، وفي البلد الذي هو أنموذج أكثر رجعية في المسيرة نحو الثورة البرجوازية -في المانيا- ظهرت نظرية تُعبّر عن الحالة الاجتماعية لهذا البلد (غير المتطور)، أما نظرية المدرسة التاريخية، ومن أبرز ممثليها: هوغو وسافيني وبوشتا، فقد ظهرت على أثر الثورة الفرنسية، مغرقة جدًا بهذه الروحية التاريخية والجدلية المنتشرة في ألمانيا، التي ولدّت فلسفة هيغل”(13).

وعلى الرغم من أن لوكيل يقول إنها نظرية القوى الرجعية، يُشير إلى أنها “قدمّت عناصر إيجابية جديدة لمسألة تفسير جوهر الحق. فلكي يثبت هؤلاء المنظرون عدم فائدة التقنين للحق الألماني؛ أقاموا نظرية تطور الحق التي ترى أن الحق هو حصيلة التاريخ الذي لا يستطيع أن يكون دائمًا، وفي كل مكان، هو نفسه، ولكنه دومًا هو ملموس، ومتغيّر. وهكذا قدمّت المدرسة التاريخية فكرة شرطية الحق بالواقع الملموس الخاص بكل شعب، وبحصول هذا دمرّت النظرية فكرة الحق الطبيعي العالمي”(14).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستبداد الديمقراطي – د. عصمت سيف الدولة – صفحة (46).

(2) نظرية الثورة العربية – د. عصمت سيف الدولة – الكتاب السابع – صفحة (36).

(3) د. ثروت بدوي النظم السياسية – صفحة (95).

(4) المصدر السابق – صفحة (103).

(5) المصدر السابق – صفحة (107) وما بعد.

(6) بوردو الدولة – صفحة (13).

(7) و(8) و(9) المصدر السابق صفحة (26) وما بعد.

(10) المصدر السابق – صفحة (88).

(11) الدولة والحق – راد ومير لوكيل – صفحة (202).

(12) و(13) و(14) المصدر السابق – صفحة (203) وما بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق