ترجمات

الحكومة السورية تعترف بموت المئات في معتقلاتها

الصورة: سجناء سوريون أُطلق سراحهم العام الماضي. منذ أن بدأ الصراع في سورية منذ سبع سنوات، اختفى عشرات الآلاف من الأشخاص في السجون الحكومية، وتوفي العديد منهم في مراكز الاعتقال. سانا، عبر رويترز.

قبل سبع سنوات، رُمي إسلام دباس، وهو طالب هندسة، في السجن بسبب الاحتجاج على الحكومة السورية. زارته والدته مرتين، بعد دفع الرشاوى، ثم مُنعت الزيارات. لم تسمع شيئًا عن مصير ابنها منذ ذلك الحين.

الأسبوع الماضي، عندما تقدم أحد الأقارب للحصول على وثيقة تسجيل حكومية، صُدم حين رأى أن الوثيقة التي أُعطيت له تُظهر تاريخ وفاة السيد دباس: 15 كانون الثاني/ يناير 2013.

شقيقته هبة، التي تعيش في المنفى في مصر، قالت: “خبر موته صعقنا، ونتمنى لو أننا عرفنا الخبر في حينه، منذ اعتقاله، عشنا أيامًا من الأمل، وأيامًا من اليأس؛ لأن الشكّ التهمَ عقولنا”.

في الأسابيع الأخيرة، عرفت مئات العائلات السورية فجأة أن أقاربها المفقودين قد سجّلتهم الحكومة أمواتًا. لم يعلّق المسؤولون الحكوميون علانيةً على المعلومات الجديدة، كما لم يذكروا عدد الأشخاص الذين تقدموا بطلبات، أو لم يشرحوا كيف ماتوا.

لكن يبدو أن الوثائق هي أول اعتراف علني من جانب الحكومة، بأن المئات -إن لم يكن الآلاف- من السجناء قد ماتوا في مراكز احتجاز حكومية. ويعتقد المحللون أن التغييرات الهادئة في الوضع تظهر أن بشار الأسد واثقٌ، بما فيه الكفاية، من الفوز بالحرب ومن بقائه في السلطة، حتى يتمكن من ذلك الاعتراف من دون خوف من التداعيات؛ ما دفع عائلات المفقودين إلى تصديق أسوأ مخاوفهم والبدء في لملمة حياتهم معًا.

إميل حكَيّم، وهو محلل شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قال: “إن النظام يغلق فصلًا ويبدأ فصلًا جديدًا، إنه يخبر المتمردين والناشطين بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن أي أمل في بعث الروح الثورية الباقية قد تمّ سحقه”.

في بعض البلدات، نشرت الحكومة أسماء المتوفين، حيث يتمكن أقاربهم من الحصول على شهادات الوفاة. وفي حالات أخرى، حصلت الأسر على وثائق تثبت وفاة أقاربها. وفي بعض الحالات، قام ضباط الأمن بإبلاغ العائلات شخصيًا.

تشير العديد من الوثائق إلى أن الوفيات حدثت منذ سنوات، في بدايات الانتفاضة ضد الأسد التي تطوّرت إلى حرب أهلية وحشية.

منذ أن بدأ الصراع قبل سبع سنوات، اختفى عشرات الآلاف من الأشخاص في السجون الحكومية، حيث التعذيب وسوء المعاملة، التي تتسبب أحيانًا في الموت، كما تقول جماعات حقوق الإنسان. من بين السجناء هناك المتمردون وكذلك المحتجون السياسيون، وكثيرًا ما تُركت عائلاتهم تكافح للحصول على أي معلومة عنهم.

ترى جماعات حقوق الإنسان شهادات الوفاة الجديدة على أنها اعترافٌ ضمني بأن العديد من المعتقلين ماتوا أو قُتلوا في السجون الحكومية.

الصورة: ملصق لبشار الأسد، وحسن نصر الله، بالقرب من دمشق في عام 2014. العديد من الوثائق الجديدة تظهر أن الوفيات في مراكز الاحتجاز وقعت منذ سنوات، في بدايات الانتفاضة ضد الأسد. سيرغي بونوماريف لصحيفة نيويورك تايمز

نجح الأسد إلى حدٍّ بعيد في هزيمة المتمردين الذين سعوا إلى الإطاحة به، واستعاد سيطرته على جزء كبير من البلاد. حاولت حكومته وداعموها الروس والإيرانيون تصوير الحرب على أنها تشارف على نهايتها، وسمحت للعائلات بمعرفة أن أقاربها المفقودين قد يكونون أيضًا وسيلة لمحاولة دفع البلاد إلى المضي قدمًا.

إن فقدان ربّ العائلة يترك أي أسرة سورية في حالة من الضياع البيروقراطي. من دون شهادة الوفاة، على سبيل المثال، لا يمكن لأرملته أن تتزوج مرة أخرى، ولا تستطيع ذريته بيع الممتلكات أو التعامل مع قضايا الميراث.

ولكن في حين أن الاعتراف بالوفيات قد ييّسر مثل هذه المعاملات، يشكُّ الكثيرون في أن العائلات ستتقبّل الأخبار بسهولة كبيرة، فيما لو حمّلوا الحكومة مسؤولية وفاة أحبائهم.

سارة كيالي، وهي باحثة سورية في هيومن رايتس ووتش، قالت: “من الصعب التحرك، عندما يكون الأشخاص المسؤولون عن هذه الاختفاءات الجماعية، لا يزالون هناك، أنت تحدّق في وجه مرتكب الجريمة، وهو أمرٌ لا يمكنك تجاهله مدة طويلة جدًا”.

الوثائق لا تقدم تفاصيل عن الوفيات عدا التاريخ. لا تزال العديد من العائلات تريد أن تعرف كيف مات أحبائها، وأين رُميت جثثهم.

شقيقان، هما يحيى ومحمد شربجي، اعتُقلا تباعًا، يفصل بين اعتقالهما يوم واحد، في أيلول/ سبتمبر 2011، وفقًا لما قاله عبيدة، ابن محمد. ولكن مع تحول الانتفاضة إلى حرب، وفرار أقربائهم إلى أماكن أخرى في سورية أو في الخارج، لم يعودوا يعرفون أي شيء عن أماكن احتجاز الأخوين.

هذا الشهر، أقارب في دمشق، بعد أن سمعوا أن تواريخ الوفاة بدأت تظهر على وثائق للمفقودين، طلبوا وثائق للإخوة. وجدوا أن يحيى قد توفي في كانون الثاني/ يناير 2013، ومحمد في كانون الأول/ ديسمبر من نفس العام. لم يتم إعطاء أي سبب للوفاة، وليس لدى الأسرة أي فكرة عن مكان وجود جثثهم.

بيان شربجي، أختهم، التي تعيش في ليدز، إنكلترا، قالت: “ الصدمة لا تُوصف، كم من الوحشية يلزم حتى تقتل الناس وتحرم عائلاتهم من رؤيتهم للمرة الأخيرة، وتحرم الضحايا من توديع أسرهم؟.

لا يزال من غير الواضح عدد المعتقلين الذين تم تسجيلهم مؤخرًا على أنهم قتلى. العديد من العائلات في سورية مترددة في مناقشة قضاياهم، خشية انتقام الحكومة.

علامات تعذيب على ظهر أحد المعتقلين بعد إطلاق سراحه من الاحتجاز في حلب عام 2012. جيمس لولر دوغان/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقبة في المنفى تعارض الحكومة، أكدّ وجود 312 حالة حديثة.

هذا جزء بسيط من أكثر من 80 ألف معتقل حكومي تؤكد جماعته وجودها، لذا فهو يتوقع ظهور المزيد من الأسماء بمرور الوقت. وقال إنه يعتقد أن المعلومات تظهر الآن، لأن الحكومة تشعر بالأمان الكافي للسماح لمن وقفوا ضدها بمعرفة أن أقاربهم قد ماتوا.

ويضيف: “يريد النظام أن يقول: إن عليكم أن تقبلوني كما أنا، لقد فزت، ولا يمكنكم فعل أي شيء حيال ذلك”.

تسبّب نقص المعلومات في إرباك العديد من الأسر والتساؤل عن مدى دقة الوثائق.

نيراز سعيد، وهو مصور عاش في مخيم للاجئين الفلسطينيين في دمشق، وفاز بجائزة من الأمم المتحدة عام 2014 عن عمله الذي يوثق الحياة هناك، فُقد منذ عام 2015.

مع تقدم الحرب، استولى المتطرفون على السلطة في مخيم اللاجئين، حيث كان يعيش، الذي حاصرته الحكومة، ناشرةً الجوع بين سكانه.

في عام 2015، دفع السيد سعيد لمهرّبٍ المال لإخراجه، لكن الحكومة قبضت عليه، قبل أن يتمكن من المغادرة، كما قالت زوجته لميس الخطيب عبر الهاتف هذا الأسبوع من ألمانيا.

تمكنت والدته من زيارته مرة واحدة في العام التالي، وجدته نحيلًا وضعيفًا، كما قالت السيدة الخطيب. كانت تلك هي المرة الأخيرة التي رأته العائلة.

في هذا الشهر، أخبرهم ضابط أمن يعرف العائلة أن السيد نيراز قد مات، لكن العائلة لم تحصل بعد على شهادة وفاة. إذا كان الغرض من الإشعار هو مساعدتها؛ فإن السيدة الخطيب عزّت نفسها قليلًا.

لا يوجد شيء أصعب من كتابة هذه الكلمات: نيراز لن يموت بصمت، قتلوا حبي، زوجي”. تلك آخر ما كتبته زوجته على (فيسبوك).

اسم المقالة الأصلي Hundreds Died in Syrian Custody, Government Acknowledges
الكاتب بن هبارد وكرم شمالي، Ben Hubbard and Karam Shoumali
مكان النشر والتاريخ نيو يورك تايمز، The New York Times، 26/7
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2018/07/26/world/middleeast/syria-detainees-dead.html?rref=collection%2Fsectioncollection%2Fmiddleeast
عدد الكلمات 1045
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

مقالات ذات صلة

إغلاق