أدب وفنون

طرائف لا تحتاج طبيبًا نفسيًا

– قطعة شوكولا محشوة بالفستق والكاراميل من ماركة مشهورة (لن أسميها) تطير فوق طاولة. وعلى الطاولة علبة حليب مكثف من ماركة مشهورة (لن أسميها)، يتفتّح غلاف قطعة الشوكولا الطائرة في الهواء ببطء شديد، ويظهر جزء من جسدها البني الطاهر، لا أعرف كيف عرفتُ مسبقًا أن قطعة الشوكولا ستغطس في الحليب المكثف، لتطير من جديد إلى فمي المفتوح عند نهاية الطاولة.

تكرر هذا أكثر من مرة، خلال خمسة وتسعين يومًا، بدقة تكاد تكون مدهشة، ولم تصل قطعة الشوكولا إلى فمي ولا مرة. جاء المشهد دائمًا صورةً ثابتة رغم الحركة فيه، غريب أليس كذلك؟! المنامات غريبة دائمًا.

– أركضُ في نفق جدرانه ترابية بلون الخراء، نفق وأمعاء غليظة، أو دقيقة، من يعرف؟! لا رائحة، لا ضوء في نهايته، أركض خائفًا، وتركض خلفي ثلاث قطط سوداء متوحشة، سوداء تمامًا، الخوف وحده ما يدفعني للركض، ويمنعني من التفكير إن كنت قادرًا على “لبطها” ثلاثتها بركلة واحدة، كان الخوف هو ما يخيفني، غريب أيضًا!! أركض وأتلفت، القطط تقترب وتتقافز على جدار النفق/ الأمعاء، الخوف يدفعني لأن أضرط، فتخرج من مؤخرتي ضرطةٌ نارية، تصيب قطةً باتت خلفي تمامًا، تتحول القطة فجأة إلى خفاش معلق في سقف النفق/ الأمعاء، وكأننا أنا والقطط لعبة من ألعاب الفيديو، أبتسم، أضرط شعلة ثانية، تحرق القطة الثانية وتعلقها خفاشًا ثانيًا في السقف، وثالثة تحرق الثالثة وتعلقها. أفرح، أشعر ببعض الاسترخاء، أستمر في الركض، أركض وأركض لفترة طويلة جدًا، لكن لا يظهر نور في آخر النفق/ الأمعاء.

عندما استيقظت، سألت الشيخ، المهندس سابقًا، “أبو عبادة”، أن يفسر لي المنام، كلنا نحن -المُصطَافين في المهجع رقم تسعة في فرع فلسطين- كنا نتقاطر إلى “أبو عبادة”، ليفسر لنا أشياء مختلفة، أو لنتسلى بتفسيراته لأشيائنا المختلفة، وخاصة المنامات. قال لي المهندس الشيخ ببساطة: بضرطة بلا ضرطة! فقت مِتْداييئ فقت مرتاح! إذا شفت قطة سودا معناتو منامك فسد.

– منام جنسي كان الأول والأخير في زحمة الموت تلك، هل تعتقدون أنني سأعرضه عليكم حقًا؟! (لن أفعل).

– أنزل الدرج والخوف يشلني، باللباس الميداني الكامل، على كتف الفيلد العسكري جهاز لا سلكي، وثمة مكان للاسلكي آخر عند الركبة، أقف في منتصف الدرج، حين أرى من شق الباب تجمعًا كبيرًا لشباب باللباس المدني في ساحة خارج المبنى، وثمة جنود في حركة دائبة ينظمون هؤلاء الشباب، أدور وأصعد الدرج هاربًا، لكن رأسًا –ميداني هو الآخر- يطل من الباب ويصرخ بي:

– جباعي ولك، وين طالع؟

– سيدي بدي جيب اللاسلكي التاني، نسيتو فوق.

– إيه انزيل انزيل، ما حدا رح يحاسبك عليه.

قال الرأس ذلك واختفى من شق الباب، ورغم أن هذا ما قاله فقط، لكنني كنت أعرف، دون أن أعرف، أنه يقصد: “لما تروح تقاتل ما حدا رح يحاسبك على جهاز لا سلكي ضايع”. ورغم أن الرأس اختفى، ولم أعد أراه لا هو ولا الساحة التي يتجمع فيها الشباب، فإنني كنت أرى توزيع المجموعات لتقاد إلى المعركة.

استغللت اختفاء الرأس، وركضت الدرج صعودًا، حتى وصلت إلى السطح، هو سطح غرفة عادية كالتي يمكن رؤيتها في أي قطعة عسكرية، ولكنه في الوقت نفسه سطح “التكية السليمانية”، بقبابها التي تشبه جرّات كبيرة مقلوبة، بل إن بعض الأشجار تطل على السطح تمامًا كما أشجار التكية.

اختبأتُ خلف قبة، تمتد أمامي قباب أخرى، ثم طنف السطح، لتأتي بعده أرض يباب صفراء اللون، كانت تخرج إليها أرتال شديدة التنظيم من الأطفال، بلباس “الطلائع” (يشبهون في سيرهم سير الأطفال في فيلم The Wall)، كانوا يدخلون من الباب الذي أطل منه الرأس شبابًا بلباس مدني، يمرون تحت السطح الذي أنا عليه، ليخرجوا من الجهة الأخرى جيشًا من الأطفال. كان المنظر بالضبط، إذا افترضنا أنه مرسوم على هذه الشاشة: أنا على السطح خلف قبة: في أسفل الشاشة، يمتد السطح إلى الأعلى حتى ثلثها تقريبًا، هناك، عند نهاية السطح، على الجانب الأيمن، يجلس جمل مسلوخ الجلد بالكامل، لونه زهري لامع، مع بعض الحمرة الخفيفة، يجلس على أربعته ويجتر شيئًا ما بهدوء، وثمة لا مبالاة مؤلمة في عينيه. بعد السطح يظهر الأطفال الطلائعيون وهم يخترقون صفار الأرض اليباب بنظام شديد المهابة، شديد الرتابة. في ثلثي الشاشة الباقي.

– أقف على الجانب اللبناني من الحدود مع “نون”، يمكنني رؤية الطريق الملتوي كله بين المصنع ودمشق، طريق ترابي متعرج يصب في فندق سميراميس، حيث المسرح العسكري، حيث خدمت أربع سنوات، حيث توقف الزمن.

نون تحاول أن تقنعني بمرافقتها إلى سورية، وأنا أرنو إلى سميراميس وأهز رأسي إلى الأعلى رافضًا مرافقتها، تغريني ببطاقتها الأممية، كل ما عليّ فعله هو الجلوس إلى جانبها، ولن يزعجني أحد لأنني برفقة “الأمم المتحدة”. أحول نظري عن سميراميس لأرى نون، نعم نون هي التي تتحدث، وهذا هو شكلها، لكن ودون أي تغير في الصوت أو الشكل أراها ستيفان دي ميستورا، والسيدة الممتلئة المسؤولة عن مفوضية اللاجئين (لا أعرف من هي، أو من هو المسؤول عن مفوضية اللاجئين، لكن المنام قرر أنها تلك السيدة). أبتسم لنون… تعبر نون الحدود اللبنانية وأنا إلى جانبها، ولكنني أراقبنا نحن الاثنين، إذ لا زلت واقفًا على الجانب اللبناني من الحدود، نصل إلى الحدود السورية، تُخرِج نون بطاقتها، يبتسم الجندي ويعيد لها بطاقتها، ثم ينزلني من السيارة، لاويًا يدَيَّ خلف ظهري.

أقول أنا الباقي على الجانب اللبناني من الحدود:

– قلتلّك.

وأبتسم ابتسامة نصر.

ملاحظة: المنامات الثلاثة الأولى حلمت بها خلال فترة اعتقالي القصير/الطويل.
منام الجمل، كان أول منام أحلم به بعد خروجي (مرت خمسة أشهر بعد الخروج دون أي منام، ولا حتى كابوس).

منام سميراميس تم إنتاجه في بيروت.

المنام الجنسي حلمت به في فرع المنطقة، حيث كنت أؤمر في أيامي الأولى مع مجموعة من المعتقلين الجدد، بنقل الجثث من مراحيض الفرع في الأسفل، إلى شاحنة كبيرة مصندقة تقف سادّةً الباب الداخلي للفرع. في فرع الموت ذاك حلمت بالجنس، وكأنه إرادة الحياة في وجه موت كنا نراه وننتظره كل يوم.

* اللوحة للفنان السوري سهيل ذبيان

مقالات ذات صلة

إغلاق