مقالات الرأي

التجنيد الإجباري للبنات في سورية

سألت معارفي الباقين في سورية حتى الآن، وتقصّدت أن يكونوا من مختلف الطوائف والقوميات، سؤالًا تمهيدًا لمقالي هذا: هل توافق (توافقين) على تجنيد ابنتك في الجيش السوري؟ وجاءت الأجوبة مثلما توقعت متطابقة: مستحيل، وهل يمكن لي أن أرسل ابنتي إلى “المقبرة أو بيت هوى؟”.

في هذا السياق، ورد خبرٌ عن دراسة تقوم بها وزارة الدفاع السورية مع مجلس الشعب، نُشر في مواقع إعلامية معروفة تكتب بقلم النظام، وأهمها موقع “طرطوس قلب سورية النابض”، جاء فيه حرفيًا:

(تدرس وزارة الدفاع السورية مع مجلس الشعب قرار فرض التجنيد الإجباري للفتيات، بشروط تُلائم طبيعة الفتاة وبنصف الزمن الذي يقضيه الرجل في الخدمة الإجبارية، وستكون هذه الخدمة محصورة في المستشفيات العسكرية والأركان وكل الدوائر الإدارية العسكرية والشرطة والأمن، ومن الممكن أن يُعرض هذا القرار على مجلس الشعب للتصويت، بعد استكمال كل التفاصيل التي يناقشها المختصون في وزارة الدفاع والأركان، مع أعضاء من مجلس الشعب، ويذكر أنه سيكون هذا القرار جاهزًا قبل نهاية هذا العام، ويُقصد من هذا القرار إعطاء الفتاة دورًا في حماية الوطن، وتعتبر شريكة في حماة الديار، ومن أهم ما جاء في النقاش أن يُراعى للفتاة أن تكون الخدمة، بعد انتهاء الدورة التدريبية، في المحافظة التي تعيش فيها، كما أنه يمنع زواج الفتاة قبل تأدية الخدمة العسكرية، وإن حصل وتزوجت فلا تحصل على عقد الزواج في المحكمة الشرعية، وتُغرّم بمبلغ مالي سيُحدد خلال المناقشة في مجلس الشعب، ويأتي هذا القرار بعد أن أثبتت الأحداث في سورية قدرة الفتاة على الاشتراك في حماية الوطن، إلى جانب جنود الجيش العربي السوري الباسل، ويعتبر هذا القرار أحد الدروع في تعزيز المقاومة والممانعة، ضد الاحتلال الإسرائيلي والقوة الإمبريالية الأميركية والإرهاب العالمي).

بما أن خدمتي الإلزامية في جيش حماة الديار امتدت إلى أربع سنوات ونصف، وبما أني كنت مُعدًا ومُقدمًا لبرنامج (حماة الديار) مدة سنة ونصف، جلت فيها على كل قطعات الجيش المسلحة ومؤسساته الإنتاجية والطبية والإدارية، فإن تلك السنوات من عمري المهدور زودتني بمعرفة عميقة لبنية ذلك الجيش، والطريقة العنصرية التي يُعامل بها الضباط وصف الضباط والجنود، وأزعم أنه جيش كرتوني لا يقوى على الصمود في وجه أي معتدٍ على سيادة الوطن، وأن حافظ الأسد وعائلته أبعدوا عنه الضباط الشرفاء، بالعزل أو بالقتل، وأبقوا على قيادته لصوص المال والأعمال، فحوّلوا الجند إلى عبيد لقصورهم، وتحولت سورية الوطن إلى “سورية الأسد”، وكان الشعار الصباحي الذي نُردده، ونحن نعدو بين القرى على مسمع أهاليها لإرهابهم: (إلى الأبد، إلى الأبد، يا حافظ الأسد). و(حافظ… أسد.. رمز الوحدة العربية)، وأزعم أيضًا أن لا أحد يتقن استخدام السلاح الذي تدرب عليه حتى (الكلاشينكوف)، سوى ذلك النفر القليل الذي عوّل عليه الأسد ليكون أداة قتل بيده عند الحاجة.

كانت التقارير التي تُقرأ علينا في الاجتماع الصباحي تحوي، في ما تحويه، اعتداءات جنسية على الجنود تحديدًا، من دون أن تُوجه التهمة إلى الضباط إلا إذا كان الضابط من الطائفة التي يمقتونها، تمهيدًا لتسريحه أو سجنه إلى الأبد. أما عن المؤسسات الإنتاجية فكانت أشبه بمؤسسات خاصة لتلبية حاجة الضباط القادة والمسؤولين الحزبيين، من اللحوم والخبز والعسل والألبان والأجبان والفواكه والخضر والملابس، بلا مقابل، ويوزع ما تبقى على القطع العسكرية، حيث يحظى الضباط بالنصيب الأكبر، ثم صف الضباط بنصيب أقل، ثم الجنود بكثير من المرق وقليل من اللحم والعظم.

في المؤسسات الطبية وخصوصًا المشافي، يُعامل العسكري على أنه كذاب مُتمارض، وغالبًا ما يُعاقب بدلًا من أن يُعالج، وتتركز العناية فقط للضباط القادة، ولضباط الأمن والحزبيين، ودائمًا كانت مظاهر الفوضى وقلة النظافة، وعدم الإحساس بالمسؤولية الإنسانية والوطنية، هي المشترك السائد في جميع النقاط الطبية والمستوصفات والمستشفيات العسكرية.

في شُعب التجنيد التي تستقبل المدعوين إلى الخدمة الإلزامية، والتي من المفترض أن تكون أبنية جميلة نظيفة ويعمل فيها موظفون إداريون أكفاء، يجد الجندي نفسه وسط بيئة مظلمة وسخة، وأمام عسكريين نسوا الابتسامة، أو أنهم لم يجربوها، وحيال بداية مرحلة قاسية من القهر والاستعباد، تستمر معهم حتى نهاية خدمتهم، حيث يحتفل بهم أهلهم كما يوم ولادتهم.

وهكذا، بعدما دفع النظام مئات آلاف الشباب إلى الموت ليبقى في السلطة، يجد نفسه بحاجة إلى وقود جديد في حربه ضد شعبه، وقد وجد في البنات ضالته، وفي حال إقرار قانون يفرض الخدمة الإلزامية على البنات؛ فإن المتوقع أن تُهاجر عشرات آلاف العائلات السورية هربًا ببناتهم، لتبقى سورية مزرعة لطائفة واحدة، ربما ستوافق عائلاتها طوعًا أو اضطرارًا على تجنيد بناتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق