كلمة جيرون

لماذا هزم بروتوس؟

في مسرحية (يوليوس قيصر) لـ وليم شكسبير، بتحريض من كايوس كاسيوس، ألد أعداء قيصر؛ يقرر ماركوس بروتوس المحترم والمحبب إلى قلب الشعب الروماني، التخلصَ من قيصر، خوفًا من تحوله إلى دكتاتور، بعد تزايد سطوته وطموحه الذي لا حدود له. فقد بات اسمه مقرونًا باسم روما، وباتت السلطات جميعها بيده، بعد الانتصارات التي حققها في الحرب، وبعد قضائه على آخر خصومه “بومباي”؛ فاجتمع المعارضون له سرًا، وقرروا قتله منعًا للدكتاتورية، وحمايةً للديمقراطية الرومانية. لكن بعد أن قتلوه في الخامس عشر من آذار/ مارس، طعنًا بالخناجر، داخل قاعة مجلس الشيوخ “الكابيتول”، وبعد أن قال قيصر جملته الأثيرة: “حتى أنت يا بروتوس! إذن فليمت قيصر”؛ ينبري ماركوس أنطونيوس (الذي كان قد قدم التاج إلى قيصر ثلاثة مرات، لكنه رفضه) للدفاع عن قيصره والتشهير بالقتلة وقسوتهم، قارئًا وصيته، عارضًا على الجماهير الهائجة رداءه المليء بالثقوب، المضرج بالدماء، فيتركه بروتوس يلقي خطبته الشهيرة، ويغادر المكان، على الرغم من اعتراض كاسيوس! فهل كان يعلم أن هذه الخطبة ستغير رأي الشعب ومجرى التاريخ، أم كان واثقًا بأن هذا الشعب الذي وقف معه، لن يغير موقفه، أو تغيّره خطبة، مهما كانت عظيمة؟

بعض المصادر تؤكد أن بروتوس هو ابن غير شرعي لقيصر، وأن ما قاله قيصر، عندما طعنه بروتوس هو: “حتى أنت يا بني!”، لكن هذا لا يغير في الأمر شيئًا، فمن المؤكد أنه كان رجلًا عاطفيًا لا سياسيًا، مثل كاسيوس؛ ما جعله عاجزًا تمامًا عن تحمل رؤية قيصر ميتًا، فترك الساحة لخصمه، من دون تقدير لخطورة الرجل وخطورة العامة أيضًا.

من المعروف أن تحديد الهدف الأعلى للمسرحية، يغير ترتيب أحداثها، وبخاصة الذروة. فإذا كان الهدف الكلاسيكي المعروف لمسرحية (يوليوس قيصر) هو تأبيد القيصر، وتجريم قتله، وأن قاتله مقتول بالضرورة؛ فإن الذروة -بالتأكيد- تكون حدث مقتل القيصر، أما إذا كان الهدف، مثلًا، هو البحث في طبيعة الثورة والانقلاب، والفرق بينهما؛ فإن الذروة عندئذ ستكون خطبة أنطونيوس، لأنها تمكنت من تغيير رأي العامّة، وأدّت إلى انقلابهم على بروتوس ورفاقه “المتآمرين”، الذين أتقنوا تحريض الناس على الثورة ضد الدكتاتور، لكنهم أغفلوا تنظيمهم وإقناعهم بضرورة ذلك، كما أغفلوا خطورة الثورة المضادة والأسلحة الفتاكة التي تملكها. فالثورة تهدف إلى تغيير المجتمعات، لا الحكام، وكنس الماضي الظالم، لا إعادته، وكتابة عقد اجتماعي، لا ترقيعه، عقد جديد يقوم على المساواة والعدل، ويكون أكثر رحمة وإنسانية من سابقه.

الثورة تعتمد على قوة الجماهير المنظمة المؤمنة بقضيتها، التي لا تنقلب -فجأة- على أهدافها المصيرية، ولا يستطيع رجل واحد مثل أنطونيوس أن يغير رأيها بخطبة، تجعلها تندم على فعلتها، ثم تهجم على بيوت “المتآمرين القتلة” فتحرقها وتدمرها. وتنقسم الجماهير إلى معسكرين، وتبدأ بعدها حرب أهلية طاحنة، تنتهي أخيرًا بهزيمة بروتوس الذي يأمر خادمه بأن يمسك له السيف لينتحر، على الطريقة الرومانية، بينما يتوج المنتصر قيصرًا جديدًا.

فكم كان شكسبير بعيد النظر، عارفًا بطبيعة البشر وحركة التاريخ، ومدركًا للفرق بين الثورة والانقلاب!

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق