قضايا المجتمع

التربية والمواطنة: أهمية تكريس المواطنة في وعي التلاميذ

تحدث باحثون سوريون عن علاقة التربية بالمواطنة، وقالوا إنها “تتطلب، إضافة إلى المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية، شعورَ المواطن بمواطنيته، من خلال اشتراكه في الشأن العام لوطنه، خاصة في عصر العولمة ومواقع التواصل الاجتماعي التي تُيسّر له إمكانية التعرّف إلى أنماط حياة المواطنين في الدول الأخرى، حيث يتمكن من التواصل مع الآخرين، ويتعرّف إلى مساحة الحريات التي يتمتعون بها، في الفكر والتعبير والتنقل والتملك والعمل”. وتأتي أهمية هذه المسألة من ارتباطها المباشر بظروف سورية الآنية، وعلاقة المواطنة بالمناهج التعليمية والبرامج الإعلامية، في ظروف الحرب والثورة.

في هذا الموضوع، أكد الباحث الدكتور حمزة رستناوي لـ (جيرون) أن “الشعب السوري موجود بالقوة، وتحويله إلى وجود بالفعل يحتاج في المُستقبل إلى إظهار سياسي ثقافي، عبر الاشتغال على دولة المواطنة المتساوية (علمانية – ديمقراطية)، وتنمية ثقافة الانتماء الوطني الجامع، فالهوية والوطنية والانتماء، في كثير من الأحوال، هي تجارب تُخطّط لها النُخب الثقافية والسياسية، بما يشمل العسكرية أحيانًا. لنلاحظ -مثلًا- أثر تجربة أتاتورك في الهوية الوطنية التركية، أو تجارب الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية سابقًا؛ إذن الوطنية في جزء كبير منها صناعة ثقافية/ سياسية واعية، تقوم بها النخب الحاكمة والمؤثرة. ومن أهم الوسائل في ذلك التربية والتعليم، تربية الأجيال الناشئة على مفاهيم المواطنة والحقوق المدنية وتاريخ الوطن السوري. ليس الأمر فقط مناهج تعليمية ودروسًا تشمل مواد التاريخ والجغرافيا والاجتماع، بل الأهم من ذلك أن يعيش الطالب حالة الاندماج المدروس والتكافؤ والتعرف إلى الآخر شريكه في الوطن، كذلك التدرب على ثقافة الحرية والمشاركة الديمقراطية، ومنع تدريس العقائد الدينية من منظور فئوي خاص، ويكون هناك منهاج واحد لكل الطلاب في المدارس والجامعات، بغض النظر عن مشاربهم الدينية والعرقية”.

أضاف رستناوي: “تتعامل الدولة معهم فقط كسوريين، ومن المهم كذلك التركيز على النشاطات والفعاليات الثقافية الفنية الشبابية الترفيهية، خارج الدرس والحرم الدراسي بالخاصة. الدولة كذلك مُلزمة بسنّ قوانين تجرم العنصرية وسائر التعبيرات الطائفية والفئوية التميزية. لا ينبغي ربط سورية بديكتاتور أو عائلة، هي ليست سورية الأسد، بل هي سورية العظيمة، سورية لكل السوريين، سورية أولًا، دونما تعارض مع بعد عربي إسلامي – كردي للسوريين، ولكنها تبقى فقط أبعادًا ثقافية، لا ينبني عليها، دستوريًا، أي امتيازات أو أفضلية لسوري على سوري. سورية لكل السوريين، سورية خارج إطار المحاصصة الطائفية وخارج حسابات العلوية والسنّية السياسية. والخلاصة أن أي هوية وطنية لا تترافق بمبدأ المواطنة لا يعوّل عليها، وستبقى هشة ضعيفة، والهوية السورية في مرحلة مخاض مفتوح على شتّى الاحتمالات، وتحتاج إلى اشتغال سياسي/ ثقافي مستقبلي”.

الباحث في (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) الدكتور عبد الله تركماني قال لـ (جيرون): “يندرج موضوع التربية على المواطنة، ضمن إطار ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية. وتقوم بهذه التربية عدة أطراف: المناهج الدراسية ووسائل الاعلام والأسرة.. ومن المهم أن يمارس الإنسان مواطنيته، من خلال انخراطه في الشأن العام، وفي سورية لم نعرف المعنى العميق للمواطنة، في ظل نظام الاستبداد الذي ميز بين المواطنين، على أسس ما قبل وطنية، حين قدم أهل الولاء على حساب أهل الكفاءة”. وأضاف تركماني: “تكمن أهمية مفهوم المواطنة في ظروفنا الحالية، ظروف الحرب والثورة، في تأكيد وطنيتنا السورية الجامعة. أما تحقيق المواطنية الحقيقية فلن يتم إلا بعد الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية، وإقامة دولة الحق والقانون التي توفر إمكانية التنشئة المواطنية، في مناهج التعليم ووسائل الإعلام، وحق الانخراط في الأحزاب والنقابات، والمساواة بين المواطنين الأحرار في الحقوق والواجبات”.

الباحث السوري محمد نور النمر، المهتم بهذه المسألة، قال لـ (جيرون): “ليس مصادفة تاريخية أن تنخرط سورية في الربيع العربي، وأن تتحول قيم المواطنة ومبادئها في الحرية والكرامة وحق المواطنين جميعهم في الوطن، إلى شعارات ومُثل وقيم تنادي بها الثورة السورية، في الحياة السياسية والاجتماعية، ولم تكن مبادئ المواطنة وقيمها حاضرتين في فكر الثورة السورية إلا لتغيير الواقع القائم على التمييز، والإقصاء، والقهر، والظلم، والعبودية، هذا الواقع المفروض على السوريين منذ عقود. ولم يكن التعليم خارج تلك المنظومة الاستبدادية، إنما في صلبها، حيث حجّمَ النظام الاستبدادي التربية والتعليم بحجم أهدافه التسلطية، وحول المدرسة إلى آلة دعائية تعبدية باسمه، ووجه المنظومة التربوية لتكون مُخرجاتها أداة أخرى في ترسيخ واقع القهر والحرمان في فضاءات المجتمع كله، فتحولت قيم التعليم الإنسانية العليا في المناهج المدرسية إلى قيم الاستبداد والتربية عليه، وصناعة الولاء الأعمى لرموزه، وقد بُني النسق التربوي بمكوناته كلها، الفكرية والسلوكية، من أجل هذه الغاية”. ثم أكد جازمًا “لا تحقق التربية على المواطنة أهدافها المنشودة في بناء المجتمع الديمقراطي، من دون عملية إشراك المجتمع المحلي المرتبط بالمدرسة بمثل أولياء التلاميذ مثلًا، لذلك لا بد من اطلاعهم على الخطة القيمية والتعليمية، مع التأكيد على أنهم شركاء في هذا النمط من التربية، من أجل أن تتكرس المواطنة في وعي التلاميذ فكرًا وممارسة، داخلَ المدرسة وخارجها”.

أما الباحث السوري نبيل قسيس، فقد تحدث إلى (جيرون) بقوله:إن انطلقنا من تعريف أولي للمواطنة على أنه شعور بالانتماء لكيان تحده الأرض والإنسان والدولة، وأن واحدة من أهم خصائصه هي ذلك الحرص على سلامة هذا الكيان وازدهاره؛ فإن شرط امتلاك المساحة لترجمة هذا الحرص لن يكون شرطًا نافلًا، وهنا تحديدًا نتحدث عن الحق في المساهمة في الشأن العام، بشقيه الاجتماعي والسياسي، وهذا لن يكون ميسّرًا إلا في دولة الحريات، هذا من جهة، ومن ناحية أخرى فإن إحساسًا عميقًا بالأمان على مستوياته المتعددة؛ المعيشي والصحي والأمني، لهو أكثر من ضروري، لتعزيز هذا الشعور بالانتماء”. ثم قال قسيس: “إن وجود الحلم المشترك الذي سيعبر عن نفسه بوحدة القضية، حيث يتقاسم أفراد المجتمع هذا الحلم الذي يعدهم بحياة أفضل، سيكون العامل الثالث في تعزيز شعور المواطنة لديهم، إضافة إلى عاملي الحرية والأمان. وهنا بالذات لن يكون لدور التعليم والإعلام أي دور؛ إن انتفت العوامل السابقة، بل على العكس سيتحول التربوي والإعلامي لاحقًا إلى خطاب زائف ومفضوح في وجدان الأمة وضميرها. إن التربوي والإعلامي لا يتعدى دورهما سوى أن يكونا منبرين تعبويين، يخبو أثرهما، بل يكون سلبيًا، إن كانا في واقع منفصم عن خطابهما”. ثم نبه قسيس إلى أن “المسائل تتعقد أكثر في زمن الصراعات الداخلية، كما هو الحال وضع سورية اليوم، حيث ينتفي العاملان الأولان: الحريات والأمان، وتكبر مقابلهما مساحة الحلم الذي يتنازع مع اليأس عكسًا، حسب تأرجح معدلات الأمان، ويصبح للدور الإعلامي أولًا والتربوي ثانيًا، أثرٌ أكبر إن تم تسييرهما بحكمة وحنكة كبيرة، ولكي يتوفر ذلك يجب أن يتوفر قبلها المشروع. فمن المفارقات أن في حالات الصراعات الداخلية تحديدًا تعدد المشاريع التي ستنتج تعددًا في الخطاب؛ ما سيعكس نفسه على الخطاب التربوي والإعلامي.

لن يكون من اليسير وضع خطة تعبوية، بشقيها الإعلامي والتربوي، إن لم تتوحد الرؤى لدى قوى المجتمع المتجانس مطلبيًا، وتقود الى وضع مشروع متجانس. وفي خلاصة القول ليس للمناهج التربوية أهمية، إن لم تتموضع في بيئة مستقرة تتوفر فيها الشروط المذكورة آنفًا. وليس للخطاب الإعلامي قيمة، إن لم يعبر عن مشروع واقعي تتبناه قوى مجتمع متجانسة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق