أدب وفنون

في ثقافة المطلق أو اليقين

لا بد لكل من يقرأ بعناية ما ينشر بالعربية، سواء في كتب البحث الفكرية على اختلافها، أو في ضروب الصحافة عمومًا، أن تدهشه درجة اليقين التي تسِمُ الأفكار المطروحة، أيًا كان مجالها، في العلوم الإنسانية على اختلافها، وكذلك في العلوم الاجتماعية، إلا ما ندر. وهو يقين يصعب العثور عليه في الكتابات المحررة بغير اللغة العربية، كما لو أنه سمتها المميزة أو أنه أحد مقوماتها!

كان الكثير من الكتاب العرب الكلاسيكيين يضيفون في نهاية مقالاتهم العلمية أو الفقهية أو الأدبية عبارة “والله أعلم”؛ وهي جملة يقولون بها حدود علمهم البشري، متيحين بذلك المجال لكل إضافة ممكنة أو تصحيح ضروري في المستقبل. ذلك أنهم، تحت تأثير الثقافة الدينية السائدة في عصورهم، أو بفعل وعيهم المرهف، بما يمكن أن ينطوي عليه تعبيرهم، من إطلاق لا يملكون من مقوماته شيئًا، كانوا يستدركون الخطأ، أو سوء التحليل، أو خلل النظر فيما كتبوه، ويحملون قارئهم على التفكير مليًا في أن وراء علمهم وقولهم من “وسع علمه كل شيء”. كانوا بذلك على وفاق تام في التعبير مع ثقافة عصرهم، ومرهفي الوعي بإمكاناتهم.

ولقد جاء عصر الترجمة في عهد المأمون، لكي يتيح لمترجمي الفلسفة اليونانية تطويع اللغة العربية ذات النزعة الإطلاقية إلى لغة تقبل التساؤل والشك والاشتراط. وشيئًا فشيئًا، أخذت لغة الفلاسفة وكبار الكتاب تستوعب هذا التغيير. ومن الممكن الإشارة بوجه خاص وغير حصري إلى لغة أربعة من هؤلاء، على اختلاف مجالات اهتماماتهم: الجاحظ والغزالي وابن رشد وابن خلدون. لكن هذه اللغة ظلت وقفًا على نخبة مختارة، ولم تتجاوزها إلى عموم الكتاب والمفكرين الذين عرفتهم الثقافة العربية، اعتبارًا من القرن الخامس عشر. وكان لا بد من انتظار منعطف القرن التاسع عشر والعشرين، وثمرات التفاعل الفكري والاجتماعي والسياسي، الذي جرى طوال القرن التاسع عشر، بين الحداثة الأوروبية والنهضة العربية، لكي نشهد استعادة هذه اللغة النسبية التي كان أول من أعاد لها ألقها علي عبد الرازق، في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، ومعاصره وصديقه طه حسين، في كتابه (في الشعر الجاهلي).

سوى أن ثقافة المطلق عادت لتفرض نفسها منذ أن تمكن سدنتها من تجريد علي عبد الرازق من صفة العالم، وتسريحه من عمله كقاض شرعي، وبعد ذلك، من إرغام طه حسين على المثول أمام المحكمة بسبب كتابه؛ وانتظر الساسة -آنئذ- الفرصة الملائمة لإبعاده عن عمادة كلية الآداب. وكان أن أدّى ذلك كله إلى هيمنة هذه الثقافة على كل أشكال التعبير الفكري والسياسي والأدبي والفني، طوال القرن العشرين، حتى يومنا هذا، مؤكدة، حتى بعد أكثر من خمسين عامًا على محنة علي عبد الرازق وطه حسين، على استمرارها في الهيمنة، حين اضطرت نصر حامد أبو زيد إلى مغادرة مصر، بسبب مواقفه الفكرية التي تندرج في سياق التيار العقلاني، وقد عوقب على استخدامه سلفيْه في بداية القرن الماضي.

ولعل الملاحظة التاريخية واليومية تسمح باستنتاج أن ثقافة المطلق لا تزال هي المهيمنة إذن. وأنها لا تنحصر، بوصفها ثقافة اليقين، في الحياة اليومية، ضمن المجال الديني، أو المجال السياسي، بل تكاد تعمُّ كافة فضاءات الحياة الثقافية بلا استثناء، وأنها تتجلى مجسَّدة بوجه خاص على صعيد الخطابات لغة ومضمونًا، ومن ورائها المواقف التي تعكس ضروب انسداد وجمود، تعاني منها المجتمعات العربية اليوم على الصُّعد كلها.

أول مجال يمكن أن نشير إليه، هو أن التعبير والخطاب الدينييْن السائدين، اتخذا من اليقين بداية الطريق لا منتهاه، في حين أن من المتاح -ومن المباح أيضًا- وضع اليقين في المجال الديني غاية يمكن أن تدرك بعد البحث والتفكير. وهو ما يعنى أن أي تساؤل في مجال الفكر الديني، لا يزال محصورًا ضمن هيئات أشخاص تعيش على، وبنى فكرية تستمد من جهود فقهية هائلة، استجابت لعصرها ولأسئلته وضروراته، لكنها لم تعد في معظمها قابلة للاستجابة لأسئلة العصر أو للتعايش معه.

وثاني المجالات هو التعبير والخطاب السياسيين العربيين، حيث يجد اليقين فضاءه بامتياز؛ إذ، بسبب غياب الحرية الكامل، لا وجود للفرد، بل للجماعة- القطيع. ومن ثمَّ، لا وجود لأي مساحة للشك، ولا للإمكان، ولا للتساؤل، ولا للنقد، ولا للاعتراض. كل إمكان ممارسة ذلك ينحصر في دائرة صغيرة مغلقة على نفسها، هي غالبًا الجماعة الحاكمة، أيًا كانت طبيعتها وتكوينها، وحاشيتها من حولها. أما اللغة فتتنوع بين خشبية بلا رنين أو حديدية مع إيقاع الوعد والوعيد. ولقد أمكن لهذه الدائرة أن تتناسخ دوائر أخرى، كان من الممكن رؤيتها وهي تعيد إنتاج سلوك وأفعال الدائرة الأم، دائرة السلطة المركزية، في الوقت الذي تدّعي فيه قيامها نقيضًا لهذه الأخيرة أو ثورة عليها.

ثالث المجالات هو التعبير والخطاب الأدبي. ومن المؤسف أن هذا المجال، الذي كان يمكن أن يؤلف في مجمل نتاجه -لا من خلال بعض الأعمال الاستثنائية التي تبقى مع ذلك قليلة- القطب المقابل، حتى لا نقول المضاد، للمطلق ولليقين بما يملكه من أدوات لا حصر لها، كان هو الآخر، وربما بالتبعية أو تحت وطأة السلطة السياسية، حقل المطلق واليقين. لكن السلطة السياسية كانت أشد خبثًا، حين مارست المراوغة، وسمحت بهامش طفيف من الحرية يتيح التساؤل والنقد بمقدار. أطلق على ذلك يومئذ “أدب التنفيس”، وتجلى في أبهى حلله في أعمال مسرحية هزلية، معظمها ميلودرامية، وكذلك في عدد من الأعمال التي بدت للوهلة الأولى شديدة الاختلاف -ولم تكن للأسف كذلك- عن سواها من الأعمال “الطيِّعة”. لا شك أن بعض الأصوات، في الرواية وفي القصة وفي الشعر، كانت تحاول، من ناحيتها، مراوغة معاكسة، من أجل الخروج على هذه القاعدة التي كانت السلطة السياسية تفرضها وتسهر رقابتُها على احترامها. سوى أن أصحابها اضطروا إلى الهجرة، وإلى أن يعيشوا بعيدًا عن الأرض التي كانت تغذي أعمالهم، بعد أن منعت أعمالهم من النشر أو من العرض دون إبداء الأسباب!

من بعض أهم نتائج ذلك كله في المجالات الثلاثة المذكورة: غياب الرأي والرأي الآخر في حضور وحدانية الرأي الذي هو، دومًا، رأي السلطة الحاكمة؛ وغياب دلالة “الإمكان” أو ما يمكن أن نطلق عليه “الفعل الشرطي” الذي يحتمل أكثر من وجه، من الكتابات العربية عمومًا، حتى في المحادثات الشفهية؛ وظهور فئة من الدجالين (زعماء، وأولياء، وكتابًا، وفنانين..) يزعم كل واحدٍ من أفرادها تمثيل أمة بأكملها، من دون أن يرف له جفن!

ألا يمكن أن يفسر هذا -لو صحَّ- بعض أسباب نكوص الثورات العربية التي انطلقت في العالم العربي قبل سبع سنوات، وقصورها؟

مقالات ذات صلة

إغلاق