أدب وفنون

الفوعة.. والفيل يا ملك الزمان

بينما كنا هواة مسرحٍ في إدلب، ما بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، ثم بدأنا نُحضر لعملٍ مسرحي نُشارك به، في مهرجان الهواة المسرحي الذي كانت تُقيمه وزارة الثقافة، جاءنا شاب من قرية الفوعة “الشيعية”، يُريد الانضمام إلى فرقتنا المسرحية التي كانت امتدادًا لحركة مسرحية في إدلب، منذ بدايات القرن العشرين، ثم تبلورت في الخمسينيات والستينيات؛ حتى إني أحصيتُ أكثر من تسعين عرضًا مسرحيًا في مدينة إدلب وحدها، تم تقديمه عبر أجيال مسرحية مُتوالية؛ كان العلامة البارزة فيها: أحمد مروان فنري الذي أخرج ما يُقارب خمسين عرضًا منها.

رحبنا بحسين بيننا، وحين تبلورت موهبته الفطرية الأولى خلال التدريبات، صار عضوًا في أسرتنا المسرحية، يأتي من قريته -على حسابه- بوسائط نقل مختلفة، وحين تطول مدة تدريباتنا، وبخاصةٍ قبل سفرنا للمشاركة في مهرجان، وتتوقف وسائل النقل بين إدلب وقريته؛ ينام في بيت أحدنا على التوالي. ثم ذهب معنا إلى مهرجان الهواة المسرحي في اللاذقية.. وهناك تعرف إلى البحر بدهشة طفلٍ يُشاهده لأول مرة.

تم إيقاف عرضنا المسرحي هناك (لعبة الأحذية) الذي قمتُ بإعداده عن مسرحية (لعبة السلطان والوزير) للكاتب الليبي البوصيري عبد الله، وفيه إحياءٌ لتقليدٍ شعبيٍ على شواطئ المغرب العربي، ينتخبون فيه سلطانًا برمي الأحذية، ومَن يحصل على أكثر رقمٍ من الأحذية المقلوبة على قفاها يُتوجونه سلطانًا! لكن لجنة مشاهدة العروض لم يرق لها أن نُقِيم هذا الاحتفال الشعبي/ المسرحي، على شاطئ “لاذقية العرب”، فمنعته من المشاركة؛ غير أننا أديناه في “بروفة جنرال”، كما لو أننا نعرضه على الشاطئ، ومن خلفنا البحر، وأمامنا المشاركون من كل المحافظات السورية، يتوافدون فُرادى، ثم جماعاتٍ، ليحضروه في الهواء الطلق بلا ديكور ولا كواليس!

عُدنا إلى إدلب وفي فمنا غصة، كما يُقال، وعاد حسين إلى قريته، وقد انكسرت أولى أحلامه المسرحية بالوقوف على خشبة المسرح، وغادرت أنا لأكمل دراستي في جامعة حلب، مُساهمًا في إعادة تأسيس المسرح الجامعي، مع المخرج الراحل محمد دروبي، ثم أعود صيفًا إلى إدلب، وفيها رأيته قادمًا إلى رُكني الصيفي الدائم آنذاك في “حديقة المنشية”، وتتناثر على الطاولة أوراق مسرحيةٍ جديدةٍ أكتبها، قال لي مُتحمسًا:

  • نريد تأسيس فرقة هواة مسرحية في الفوعة.
  • حلو.
  • ونريدك معنا.
  • جاهز لأية مساعدة.
  • بل أنت الذي ستختار النص وتُخرِجه.
  • كم واحدًا أنتم يا حسون، وهل لديكم عنصر نسائي؟
  • نحن ستة شباب وأختي، وربما فتاة ثانية نمون على عائلتها.
  • حلو.. نبدأ أول شهر بدورة تدريبية ثم نختار نصًا مُناسبًا ونبدأ البروفات.

هكذا.. ذهبتُ إلى قرية الفوعة للمرة الثانية في عمري، حيث كان لباسُ نسائها لا يختلف بشيءٍ عن ألبسة نساء القرى في الشمال السوري؛ ولم يكُن قد ارتدينَ “الشادور” الإيراني بعد.

في شِبه الساحة الترابية، استقبلني حسين؛ فلمحت على الجدار وراءه صورةً كبيرة لحافظ الأسد، وبجانبها صورةٌ بنفس الحجم للخميني؛ ابتسم حسين لي وهو يُدندن بصوتٍ شجي:

  • أنا وانتَ ولا حَد تالتنا/ أنا وانتَ.. وبَس.

ثم أخذني إلى المدرسة الابتدائية في قريته؛ حيث نُجري فيها تدريباتنا.

استمرت دورة التأهيل شهرًا، كنتُ خلالها أعود مساءً إلى إدلب، بميكرو عمال النظافة الذي كان يجمعهم من القرى المحيطة بالمدينة للوردية الليلية، وسألني أحدهم مرة عن كتاب في يدي فقلت:

  • الفيل.. يا ملك الزمان.

ضحكوا.. وكأني ألُقي نكتةً مسائية، وسأل ثانيهم:

– أشو هَي.. حكاية؟

وحين حكيتها لهم بالعامية المُبسطة، أصابهم صمتٌ جماعي، حتى نزلت من الميكرو.. كنت في كل مرةٍ أجلب معي مسرحياتٍ من مكتبتي الخاصة، يستعيرها أعضاء الفرقة للقراءة والمناقشة، ثم اخترت لهم نصًا مسرحيًا يُمكن لفرقة هُواةٍ في قرية منسية، أن تعرضها في باحة المدرسة، وفي أي ساحة، بلا ديكور ولا إضاءة ولا ستائر ولا كواليس: “الفيل.. يا ملك الزمان” لسعد الله ونوس.

نضدت المسرحية يدويًا على ورق “حرير ستانلس”، وطبعتها على آلة سحبٍ في المركز الثقافي، ثم وزعت نسخها على أفراد الفرقة؛ وبينما كنا في أولى بروفات الحركة، تلعثم حسين قبل أن ينطق الجملة إياها: الفيل.. يا ملك الزمان، منتظرًا أن يُكملها الناسُ بعدَه: – داسَ أولادنا في الحارات…

لكنهم صمتوا خوفًا من استبدادٍ مُقيمٍ خارجَهُم، ثم جاء حسين مُتأخرًا عن موعد البروفة التالي على غير عادته؛ أخذني جانبًا:

– لم تُوافق الفرقة الحزبية على المسرحية.

يقصد فرقة حزب البعث السوري/ الأسدي في الفوعة.

ذهبت معه إلى مقر فرقتهم الحزبية؛ وبعد نقاشٍ عن النص الذي عُرِضَ في كثيرٍ من المدن السورية وفي المهرجانات؛ وتعريفًا بكاتبه الذي يرأس تحرير مجلة “الحياة المسرحية” الصادرة عن وزارة الثقافة؛ اقتنع الرفيق العتيد أمين الفرقة الحزبية على مضض، لكنه همس لحسين بشيءٍ ما؛ وحين خرجنا همس لي حسين:

– المنع جاء من مُمثل الولي الفقيه في الفوعة، ولن يستطيع رفاق البعث تجاوزه.

علقتُ ساخرًا:

– نُسميها إذًا: الفيل المُعمم.. يا ملك الزمان!

لم ألتق حسينًا، بعد صدمته المسرحية الثانية؛ بل حتى الآن.

ولا أدري إذا كان قد حقق حلمه بالصعود على الخشبة، أم أخذته خشبة الحياة إلى شيء آخر، ولا أدري –أيضًا- إذا كان قد صار من مُريدي الإمام المُعمم، أو من مُقاتليه، أو انشق مثل ابن قريته الرائد مازن الفواز، عن جيش النظام، مُلتحقًا بالجيش الحر، أو مثل محمد حمدون وأخيه جعفر…

لا أدري إذا عاش حسين حصارَ قريته لسنوات، وتم تهجيره منها إلى جنوب حمص بالباصات الخضراء التي نقلت سوريين مُهجرين مثلَهُ من قراهم وبلداتهم إلى الشمال السوري! ولا أعرف إذا كان حسين سيعود إلى بلدته، كما قد أعود أنا إلى مدينتي، ثم نُشكل فرقة مسرحية جديدة، لنعود إلى بروفات النص المسرحي ذاته: الفيل.. يا ملك الزمان!

ما أعرفه حقًا أن الفيلة من كل مذهبٍ وطائفةٍ ودين، قد تكاثرت في بلدنا سورية، حتى لم تترك لنا مكانًا في حاراتنا، ولاحقت كل من باح بشكواه منها، وداست كثيرين بحوافرها الرعناء، ونجا بنفسه –مُرغمًا- مَن نجا بالهجرة عن بيته وحارته وقريته وبلدته ومدينته وبلده… وفينا من قال للملك:

– جئنا نناشدك يا مولانا.. أن تُزوج الفيل، لنرى أولاده وأحفاده يسرحون في شوارعنا خَبط عشواء!

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق