مقالات الرأي

لا المدينة مدينة ولا الريف ريف

تتجدّد النقاشات السورية، والعربية، متسائلة عن مخاطر ترييف المدن، وأن مشكلة بلداننا المتخلفة تكمن في هذه القضية. يرافق ذلك لعناتٌ مُحقة ولا تنتهي على السلطات التي وصلت إلى الحكم وكانت أصولها ريفية، وأنّها لم تكن فقط ريفية، بل طائفية كذلك. هذا النقاش يقول أيضًا إنّه ما إن نُزعت السلطة من المدن، وانقطع نسل التطور الطبيعي للتاريخ، حتى انقطعت المدنيّة، وتوقف التطور، وحشرنا في لجّة التخلف والهمجية، ولن نخرج من هذا المستنقع إلّا بإعادة الريفي إلى قريته، حيث مكانه الطبيعي، والمدني حاكمًا!

لا شك أن المدينة رُيّفت، وهذه ظاهرة تتجاوز دولتنا السورية، وقد وصلت إلى سلطتها “مافيا ريفية”، حكمت وتحكمت، فهي ظاهرة عالم ثالثية وربما رابعية، وهنا يكون السؤال: لماذا هي ظاهرة عامة، وكذلك لماذا يتمّ التركيز عليها في سوريتنا، وكأنّها أسّ الصراع كلّه؟

لا يعدم النقاش محاولة تأريخه، فيقال إن الترييف بدأ مع جمال عبد الناصر في 1958، واكتمل مع البعث في 1963، ولاحقًا 1970، وأغلقت دائرته مع الثمانينيات، حيث تريفت السلطة وتطيفت بشكلٍ كاملٍ، وبالتالي لم يعد للنخب المدينية دورٌ في إنتاج الثقافة والمدنية والتحضر.. ليس هذا الكلام جلّه بخاطئ، ولكن المشكلة تكمن فيه وفي تفسيره؟ تخفي هذه الأسئلة أسئلة أخرى: لماذا كان سهلًا إقصاء المدينة ونخبها تلك، وفي مصر قبل سورية ودول أخرى؟ ولماذا لم تصمد وقد كان الجيش هامشيًا وللنخب امتدادٌ عالميٌ، ثم لماذا لم يتحرك الشعبي الليبرالي والمتنور والمتحضر حينذاك للدفاع عن نخبه تلك؟

بوضوح أقول: في عالم محكومٍ برأسمالية كونية، خارج دولها الأصلية، ليس هناك من مدنٍ متحضرة ولا ريف همجي؛ هناك مدنٌ طرفية وريف كذلك. مدننا، ومنها دمشق وحلب، لم تتجاوز العائلية ولا المناطقية ولا الحي ولا الطائفية ولا التدين كحال الريف تمامًا. قضية الظواهر الجديدة تكمن فقط في درجة وجودها، وليست في النوعية، ومن هنا، وبتغير الحقب، كان الاختلاف بين المدن والريف شحيحًا. نقاشنا أعلاه يذهب نحو الصراع على السلطة، والسؤال: أين الريف قبل الخمسينيات في برامج تلك السلطة؟ هنا القضية، الحقيقة لم يكن الريف موجودًا، ولا الصناعة المضخّمة ليبراليّا حينذاك موجودة، ولا المشروع الوطني والقومي موجودان، ولهذا لعبت الأحزاب القومية على هذه القضية، ووصلت إلى السلطة بسببها، ولهذا قامت بإصلاح زراعي، وبتوسيع التعليم وتعميمه، ورفعت شعار القضية الوطنية والقومية، ولم تكتفِ بالتأميم البسيط بل كذلك بتصنيعٍ أولي وواسع.

في سورية، أحكم النظام الأمني مع السبعينيات كلّ منافذ السياسة والحريات، وأقام علاقات كثيرة مع أبناء الريف والمدن، ولكنها كانت لخدمة مراكزه الأساسية، وأمنت له أوسع نهبٍ قامت به دوائره. أي أنه استفاد من كلّ سياسات الإصلاح، ما قبل السبعينيات وبعدها، والانفتاح على المدينة، لتعقيم السياسة ولتعقيم البلد من الثروات، وأسوأ ما فعله أنّه عمّم سياسات ليبرالية جديدة، أدّت إلى انهيار كبير في المجتمع والسياسة والثقافة. السلطة لم تقرأ جيدًا نتائج سياساتها القمعية التي توسعت مع الثمانينيات، وكانت محاولتها للتقرب من التيار الليبرالي في التسعينيات فاشلة بالكامل، فبدلًا من أن توسع له حرياته السياسية، أغلقت ذلك بالقمع والاعتقال، ومع الثورة بالقتل. والكلام ينطبق على ما بعد عام 2000؛ إذًا لم ينفتح المجتمع لنقاشٍ سياسي وثقافي وتنويري حقيقي، وهو لم يوجد في تاريخ سورية من أصله، ودائمًا كان النقاش مبتورًا، ولم تكن طبقات السلطة تعي مشكلات المجتمع، وكانت قضيتها تأبدها في الحكم. لنلاحظ هنا كيف حدثت الانقلابات العسكرية بعد الاستقلال، ولاحقًا كيفية اندفاع قادة سورية حينذاك للاحتماء بعبد الناصر، ولاحقًا حدثت انقلابات داخلية، واستمر ذلك إلى أن أحكم الجنرال حافظ الأسد السلطة له، وشكّل السلطة والدولة وفق رؤيته، وبما لا ينزع مكتسبات الناس المحصلة بعد 1963. ولكنه انفتح على تجار المدن المتبقين، وعلى الدول العربية والغرب وأميركا. مع السبعينيات، انتهى أيّ شكل للحريات، وضُبط الاقتصاد، وبدأت عملية إعادة المجتمع إلى تاريخه كطوائف وعائلات وعشائر. الدولة التي شكلتها حقبة السبعينيات هي دولة للنهب وللقمع وللبنى ما قبل الحديثة التي أعيد تشكيلها، وتشكلت في مؤسسات الدولة عبر توزيعٍ عددي يتناسب معها، وأمّا الجيش والأمن والشرطة فكانت وفق معايير خاصة، ووفق مرجعية توظف الطائفية والمناطقية والعشائرية والثقة وعدمها.

أسئلتنا السابقة تستدعي سؤالًا مركزيًا: كيف يتشكل الوعي؟ هل عبر التعليم والقراءة، أم عبر التطور الاقتصادي الصناعي بالتحديد، أم عبر دمج الأمرين معًا، أي التعليم والثقافة وكذلك الاقتصاد؟ هذا السؤال ينفتح على آخر، يقول: أيّ الطبقات لها مصلحة في التطور المجتمعي، وتنجزه عبر التعليم والاقتصاد والحريات؟! سؤالنا هذا يفترض مشروعًا وطنيًا، ينهض بكلية المجتمع ومن كل نواحيه. هذه الفكرة طُرحت في سورية أيضًا في سنوات الثورة، وخِيض في نقاشات مطوّلة طالت الثورة ذاتها؛ فهل يمكن لثورةٍ لا تُنجزها المدينة أن تنجح؟ أو هل يمكن لثورةٍ لا تطرح برنامجًا ثوريًا أن تنجح؟ وهل لثورةٍ معظم تظاهراتها في المدن الريفية والأحياء المهمشة أن تنجح، لا سيما أن وعيها ديني وعشائري ومناطقي، وكذلك قومي كما هو حال الكرد؟

لنقل إن وضعنا، كما كل الثورات العربية، ليس بسيطًا ليتم فهمه بسهولةٍ، وإذا أضفنا تغييب كل منافذ الحوار والسياسة والحريات، فإن هذا يمنع أي تعلّم أو ثقافة أو سياسة موضوعية، ولكن تحركات الشعوب لا تنتظر الوعي الثوري، فهناك شروط مانعة لتشكله كما أوضحنا؛ فهي تتحرك بسبب واقعها الذي أصبح يفرض عليها أن تثور. نعم هنا القضية، فالواقع العربي تأزم تأزمًا كبيرًا مع نهاية 2010، وذلك بسبب سياسات ليبرالية جديدة، تقول بتخلي الدولة عن أي واجبات تجاه الشعب، ومنها تعطل الزراعة بسبب الغلاء، وارتفاع الأسعار بالأسواق، وانخفاض قيمة العملة، وتكدس ملايين العاطلين عن العمل، وعدا كل ذلك فهناك الأنظمة الأمنية والقمعية. في ظل هذا الوضع، يكون الوعي السائد في المدن والأرياف، وفي كل مكان، هو وعي ديني وطائفي وعشائري ومناطقي وقومي للمتضررين من النظام “القومي”. شكل الوعي هذا لم يمنعه أن يكون وطنيًا، ورفض طوال 2011 و2012، أن يُسيس الأشكال السابقة.

الجدال هذا يتجدد تباعًا، ويمكن القول هنا: لا إمكانية لطيّه قبل تشكّل اقتصاد صناعي، وزراعة متطورة، وتعليم حداثي، ونظام ديمقراطي، فيه فصل للسلطات، والحريات فيه مصانة. الانطلاق من التعليم كحلٍّ أو الثقافة المواطنية أو حتى الاقتصاد، واعتباره الأولوية لم يعد صحيحًا، وبالتالي هناك ضرورة كبيرة لفهم الواقع؛ واقعنا السوري لا يُختصر بمدينة وريف.

مقالات ذات صلة

إغلاق