مقالات الرأي

تعفيش جثامين الضحايا!

ليس لأن التعفيش أبشع الارتكابات التي أقدمت عليها جماعات الأسد والميليشيات الحليفة له، من أدعياء” المقاومة والممانعة”، فهو أقلّ بكثير من القتل تحت التعذيب، أو دفن الناس وهم أحياء، وحرقهم وهم يتلوون من نار الجريمة تأكل لحم أجسادهم قطعة قطعة حتى الموت. وكذلك اغتيالهم بعمليات تسلية للقناصة المنتشرين في أعالي الأبنية، في المدن والبلدات.

نعم التعفيش أقلّ بكثير، كجريمة، مقارنة بالجرائم الأخرى للقطعان الفاشية، وقد بدأ التعفيش من جثامين الضحايا، قبل انتشار المصطلح، وهو أشد وحشية وأكثر نذالة من تعفيش الأثاث والممتلكات وقطعان المواشي ومستودعات الشركات والمحال والدكاكين وأسلاك الكهرباء والتمديدات الصحية والأبواب والنوافذ والستائر وأدوات الكهرباء المنزلية والسيارات والدراجات والثياب، وفوق ذلك تعفيش ذاكرة الإنسان: الصور والكتب والأوراق والتحف وكل ما له صلة بحياة المواطن اليومية.

ما حفزني، بل قل استفزني، لكتابة هذه المادة، هو تواتر الأخبار عن ضحايا جدد في معتقلات السلطة الفاشية، وتواريخ قتلهم كلها قديمة، تعود لسنوات 2012-2013-2016، ولا زالت القوائم تتوالى تباعًا؛ إذ أفادت المعلومات عن 300 معتقل من مدينة داريّا فقط، قضوا في معتقلات سلطة المافيا، وبدأ ذووهم نشر الأسماء على التوالي.

عادت بي الذاكرة إلى السنوات الأولى للثورة، عندما بدأ زخ الرصاص على المتظاهرين العزّل، وسقوط أجسادهم الغضة مضرجة بالدماء في الشوارع والساحات. كان اختطاف الزمر الأمنية للجثامين من الشوارع، وإخفاؤها عن أهالي وذوي الضحايا، بمثابة قتلٍ مرة أخرى لهم ولذويهم. وكان طلب الأهالي بتسليمهم جثامين أبنائهم يُواجَه بالرفض، بل بإنكار الواقعة نهائيًا، وصولًا إلى تهديدهم بذات المصير، إن عاودوا السؤال عن أبنائهم المفقودين/ المقتولين. زد على ذلك، قيام رجال الأمن والاستخبارات وتشكيلات العصابة الحاكمة، بمداهمة المستشفيات لأخذ الجرحى والقضاء عليهم. وهو ما دفع الفئات الثائرة إلى إنشاء ما عُرف “بالمشافي الميدانية”، أملًا بمعالجة الجرحى وحماية أرواحهم من وحشية الفاشيين المتوحشين.

حينئذٍ خمّن الناس أن العصابة الحاكمة تهدف من هذا السلوك إلى التستر على الأعداد الهائلة من الضحايا الذين واجهوا الرصاص بصدور عزلاء. وذهبوا إلى التقدير بأن السلطة تتنكر لوجود القتلى/ الضحايا، وترفض تسليم جثامينهم خوفًا من أن تتحول عمليات التشييع إلى تظاهرات احتجاج. لم يتوقع السوريون أن هذا السلوك الوحشي يهدف إلى النيل من نفوس الأحياء، وبث الرعب في نفوسهم، وإغراقهم في القلق والهلع، ليس على من فقدوا فقط، بل على مصير الأحياء الباقين. فضلًا عن توفير الفرصة لضباط الأمن الصغار وللمخبرين، للاستثمار في الادعاء بمساعدة ذوي الضحية، بكشف مصيره، أو تسليمهم جثمانه في حالة أنه “توفي”، مقابل مبالغ طائلة تبدأ من مليون ليرة ولا تتوقف عند 15 مليون. وغالبًا كانت تلك عمليات نصب واحتيال لرجال الأمن، يقبضون منها الملايين، ويكذبون ولا يستطيع الأهالي رفع صوتهم، لأنهم سيتعرضون للتنكيل وربما للموت.

القصص التي علمت بها أو شهدت مجرياتها كثيرة، سأكتفي بعرض ثلاث قصص في هذا المجال، أتيح لي أن أطّلع على مجرياتهما.

الأولى في داريا، في خريف 2012، عند مدخل المدينة من جهة دمشق- كفرسوسة، قام عناصر الحاجز المشترك لما يدعى “الحرس الجمهوري” والأمن الجوي، بإخراج الشاب الداراني “سيف الدين” من بيته، وقتله واختطاف جثمانه، دون أن يكون له أي مشاركة في الاحتجاجات، فقط لأن الحي القريب من بيته غادره سكانه، أما هو فقد آثر البقاء في منزله، فقتلوه بدم بارد، وراحوا يساومون زوجته وذويه على 300 ألف ليرة سورية لتسليمهم الجثمان. حاصل الأمر أنهم أخذوا المبلغ ولم يأتوا بالجثمان. لاحقًا نسفوا منزله المطل على الطريق العام لداريا من جهة كفرسوسة – دمشق.

الحادثة الثانية في العام 2014، عن جثمان ذلك الطبيب الذي قام بواجبه الإنساني بعلاج جريح مدني في مشفى المجتهد بدمشق؛ ما أثار حقد طبيب ينتمي إلى العصابة الحاكمة، وشى به، فأخذته المخابرات، ثم علم ذووه أنه قضى تحت التعذيب، وحين طالبوا بجثمانه، تعرضوا لمساومة مالية، ولما ذهبوا لاستلام الجثمان؛ كان الجثمان ليس لابنهم، وبوقاحة وخسة، قال لهم الضابط المسؤول: “خذوا أي جثة من البراد وادفنوها على أنها هي جثة فلان”!

الحادثة الثالثة، هي قصة المصور الفوتوغرافي الفلسطيني السوري، ابن مخيم اليرموك، نيراز سعيد، الذي انكشف مصيره في هذه الفترة (تموز/ يوليو 2018). وكان قد تم اختطافه في 2015، تحت ستار” تسوية وضع”، وكما كل ذوي المعتقلين، سعت زوجته وأهله للكشف عن مصيره وإنقاذه، وأبدوا جاهزيتهم لدفع مبالغ كبيرة مقابل ذلك، وتأكدوا مؤخرًا أنه قد تم إعدامه بقرار من “محكمة ميدانية”، لكن المتوسطين تابعوا مطالبة ذويه بمبالغ طائلة، حتى وقت قريب، مدَعين أنه حي وسينقذونه!

ولمن دفنوا بالمقابر الجماعية، على يد أدوات النظام، نصيبهم من التعفيش أيضًا.

يظن ذلك البدوي راعي المواشي، الذي شهد على تفريغ حمولة “برّاد” كبير مكتظ بالجثامين، في مقبرة جماعية قرب تل أصفر، شمال شرق السويداء، أنّ الغرض من تعرية جثامين الرجال القتلى، قبل تحميلها في الناقلات، هو تفتيش جيوب القتلى ومحافظهم وسرقة ما تيسر لهم، ذلك -حسب تقديره- حتى يقتصدوا بالوقت ولا ينشغلوا بتفتيش ثياب كل قتيل على حدة. ولم يقتنع بالاحتمال الذي ذكرته على مسامعه: أنه ربما حتى لا يتعرف أحد على هذه الجثث لمن تعود، إن عبثت الرياح برمال المقبرة في تل أصفر، أو إن اكتشف أحد الرعاة من البدو تلك المقبرة. وبقي متشبثًا برأيه عن سبب تعرية الجثامين قبل دفنها في المقبرة الجماعية. كان ذلك إثر مجزرة الاجتياح الأول لعصابات الأسد وميليشيات إيران لمدينة درعا، وبعض مدن محافظة حوران في نهايات العام 2011.

إنه التعفيش المبكر لجثامين الضحايا. منه كانت بداية التعفيش الأشد قهرًا وأذى.

مقالات ذات صلة

إغلاق