تحقيقات وتقارير سياسية

السويداء بين فكي الحوت

مضى يوم 25 من تموز/ يوليو عام 2018 يوما داميا على السويداء، ما يزيد عن 200 شهيد وأكثر من 300 من الجرحى شديدي الخطورة، حيث سجلت حالات مجازر جماعية لأسر بأكملها؛ ذلك بعدما ضربت “داعش”، آلة القتل المتنقلة في الأرض السورية كاملة، قرى المنطقة الشمالية الشرقية في السويداء: الشبكي، الشريحي، دوما، السويمرة وصولا لقرية المتونة شمالاً على طريق دمشق السويداء وبعض جوارهم المحيط. ترافق هذا مع عدد من التفجيرات داخل السويداء المدينة بلغت الستة راح ضحيتها ما يقرب الخمسين ضحية كان أخطرها الذي ضرب سوق الخضرة صباحاً حيث يتجمع الباعة أمام بضائعهم لطول يوم عمل شاق.

في خلفية المشهد الدامي تظهر نقاط عدة بارزة مفادها:

  • في شهر أيار الماضي تم نقل ما يزيد عن الألف من “داعش” من مخيم اليرموك بباصات مكيفة إلى البادية الشرقية من السويداء، وذلك برعاية روسيا والنظام بعد اتفاق مخيم اليرموك وقتها.
  • حاول الروس ابتزاز السويداء ورجال الكرامة حصراً برفع الغطاء عن شبابها المتخلف عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية البالغ عددهم ما بين 30 و50 ألف ممن رفضوا الالتحاق بالجيش وقتل إخوانهم في باقي المناطق السورية، أتى هذا عبر رسائل نقلها جنرالات روس لمشايخ المنطقة وزعاماتها التقليدية الذين رفضوا تصنيف رجال الكرامة بالإرهابين حسب زعم الروس، كما ولم تتضح الصورة التي يطلب بها الروس التحاق أبناء السويداء في الجيش وخاصة الفيلق الروسي، وذلك في محاولة لتغطية العجز العددي للقوات البديلة عن الإيرانية.
  • تم سحب السلاح من قبل العديد من الميليشيات التي سلحها النظام في الفترة السابقة قبل يومين فقط من هذا الهجوم.
  • بما يتعلق بترتيب المنطقة الجنوبية، أجرى رئيس الأركان الروسي مباحثات مع مثيله من الدفاع الإسرائيلي حول ابعاد ايران عن حدود إسرائيل لمسافة 100 كم، وكانت حجة الروس أنهم لا يملكون العدد الكافي لتغطية وحماية حدود إسرائيل ولا سبيل للاستغناء عن الميليشيات الإيرانية إلا بوجود بديل لها.
  • أثناء هجمات داعش، لم يتدخل الجيش لا الروسي منه ولا النظام، ومن صد الهجوم هم الأهالي من كل قرى المحافظات ومن حركة رجال الكرامة، وعدد من “الفزعات” التي أتت من جرمانا وقرى جبل الشيخ.
  • ضرب التنظيم القرى ذات التعداد الصغير سكانياً وعند ساعات الفجر الأولى، وعمل على ارتكاب مجازر جماعية في أسر بأكملها، حيث سجلت أعداد كبيرة من ذات العائلة، كما حاول تنفيذ عمليات اغتيال وتفجير داخل المحافظة حيث دخل البعض منهم على دراجات نارية في صباح يوم الجريمة، ما أدى لمقتل العديد من أبناء المدينة أثناء تصديهم لهم.
  • من المفيد هنا انه تم اغتيال المرحوم الأستاذ أبو طارق هندي أبو سعيد على يد عناصر التنظيم، والذي كان ابنه نورس أبو سعيد قد قضى تحت التعذيب في سجون النظام عام 2013.

أمام هذه النقاط المثبتة يتضح بداءة مسؤولية النظام الروسي، ومن خلفه النظام السوري، الأولى والمباشرة عن تواجد “داعش” في المنطقة الشرقية لمحافظة السويداء، خاصة بعد سحب قوات الجيش من أطراف المحافظة الشرقية وزجهم في معارك درعا خلال الشهر المنصرم، وترك المساحة مفتوحة أمام التنظيم لدخول القرى الأمنة، وهو ما حمّله الشيخ أمين طريف في رسالته التي نقلها للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية ذات الصلة.

ثمة سيناريوهات عدة تبرز لدى السؤال عن جدوى هذه المجزرة بحق أهالي السويداء والذين اختاروا الحياد منذ البداية في الحرب السورية القذرة، وليس فقط بل شكلت السويداء مكاناً للسلم الأهلي والتعايش السلمي بين كل المكونات السورية التي نزحت إليها، كما ان مسلحي رجال الكرامة وغيرهم لم يشهد لهم أية حادثة بالاعتداء على الجيش السوري و كانوا وفقط تحت راية حماية الأرض والعرض وهذا ما عملوا عليه طوال فترة تشكيلهم، وعلى العكس تعرضوا لقتل مؤسسهم الشيخ وحيد البلعوس ومعهم ما لا يقل عن 50 من رجال الكرامة والمدنيين عندما تعرضوا لتفجيرين في بداية الحملة العسكرية الروسية على سوريا شهر أيلول 2015.  كما ان معارضة السويداء معارضة سلمية سياسية لم تحمل السلاح ولم تنجر للقتل والقتال، ووحدهم فقط تلك الميليشيات المسماة لمصلحة النظام وأمنه هي من مارست عمليات الخطف والتهريب والتنسيق مع خلايا :داعش” في الريف الشرقي للمحافظة.

وبالعودة للسيناريوهات المحركة للحدث ومآلاته، تبرز مصلحة كل من ايران وروسيا رئيسية فيه، وإن كان لكل منهم دوافعه المختلفة؛ فالروس يبحثون عن أعداد من الشرطة والعساكر لتغطية العجز الحاصل بشرط تخليها عن القوات والميليشيات الإيرانية، وهذا ضمن التفاهمات الاسرائيلية والأمريكية المعلنة، ومع أنها تبدو طريقة خاطئة في استنفار أهل السويداء لكنه من غير المستبعد أن تعمل بهكذا سيناريو لدفع الأهالي بطلب حمايتهم بعد هكذا مجزرة مروعة. السيناريو الثاني هو نموذج إيراني يهدف لزعزعة أمن المنطقة الجنوبية لتبرير بقائها الميليشوي فيها، والضغط على الروس في ذلك، كما للعمل على تأليب الرأي العام المحلي لأهالي السويداء برفض تدخل الروس والجيش السوري بعد تخليهم عن حمايتهم، ما يدفع بالروس لاستدعاء الميليشيات الإيرانية للمساندة. وبكل الحالات تبدو أصابع الجريمة المنظمة تعمل على خطي الإرهاب المنظم والمتحرك بأهداف محسوبة لتحقيق مكاسب سياسية وجيوسياسية في كل مكان حلت به، فلم تبقى منطقة في سوريا، إلا وكانت “داعش” حجة أية قوة عالمية لتدميرها وتهجير سكانها؛ كما تبدو أصابع الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المحلية والدولية ضليعة بهكذا نوع من العمليات لترهيب السكان الآمنين وتحقيق غايتها في إعادة ترتيب أية منطقة يريدون الدخول إليها.

السويداء كانت ولازالت بين فكي الحوت، الإرهاب والاستبداد الأمني بلعبته المحلية والدولية القذرة التي يذهب ضحيتها الأبرياء من المدنيين في كامل الأرض السورية، “والسويداء كما غيرها من المدن السورية ليست أغلى من حماة” حسب ما يردد قادة الأجهزة الأمنية السورية؛ فإن تصادف يوم هذه المجزرة مع ذكرى انطلاق الثورة السورية الكبرى في 22 تموز 1925، فإنها لتذكر بأن  الدين لله والوطن للجميع، وأن منظومات الإرهاب ومن خلفها الأجهزة الأمنية هي ذاتها من يعبث بحياة السوريين وأمنهم ومواطنتهم، ما يجعل من الضرورة بمكان طلب الحماية الدولية العاجلة من مجلس الأمن لحماية المدنيين السوريين من أبناء السويداء بمن فيهم من الأقليات الدرزية والنازحين من باقي المحافظات السورية بمثل عدد السكان الأصليين والحفاظ على أمنها وتعايشها السلمي، مع ضرورة رص الصفوف بين جميع أبناء المحافظة لدرء الخطر المحكم عليهم من فكي حوت القتل الذي تعيشه كامل الرض السورية، وإلا بقيت قيد مساومات المثلث الروسي الإيراني السوري والنتيجة ستكون كما كانت في عين العرب الكردية ومناطقها، وستكون الجريمة أكبر وأبشع وأكثر امتداداً…

مقالات ذات صلة

إغلاق