هموم ثقافية

مي سكاف لروحك السلام وياسمين الشام

ليته كان خبرًا كاذبًا ذاك الذي تناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، في الثالث والعشرين من تموز، عن رحيل مي سكاف في منفاها، وهي ما تزال في التاسعة والأربعين من عمرها. ليتنا نستطيع شطب هذا اليوم الأسود المشؤوم من تاريخ ثورتنا، لتعود إلينا أيقونة الأمل بحضورها الجميل، وصفحتها البيضاء، وصوتها الحر، الجريء على الرغم من كل ما تعرضت له من التهديد والضغوط في بلدها سورية، وفي رحلة التهجير القسري التي وصلت بها إلى فرنسا.

فقدُ مي خسارة كبيرة لا تعوّض، ليس فقط لأنها وقفت بصلابة الأبطال بين المتظاهرين، وفي قلب الثورة منذ شرارتها الأولى، وقالت لطاغية الشام “خذ صورك وارحل عنا”، إنما -أيضًا- لأنها إنسانة حقيقية، وفنانة موهوبة أطلقت كل طاقتها الإبداعية للوصول إلى الرأي العام، ولكشف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب السوري، بغطاء من الصمت الدولي، منذ سبع سنين.

لا أصدق أن قلبها استسلم للقهر، وكفّ عن النبض في لحظة من لحظات الخذلان واليأس المطلق، فقبل أقل من عام، كان لي معها حوار على الهاتف، وكانت شعلة من العنفوان والتحدي، وحين سألتها عن دور المثقفين السوريين في بلدان اللجوء، قالت: “يجب أن لا نترك منبرًا، مهما كان صغيرًا، حتى لو كان في الشارع أو المقهى، كي نقول الحقيقة، ونذكّر العالم أن الثورة السورية قامت من أجل الكرامة، وأن هذا النظام لم يكن قادرًا على أن يرد إلا بجوهره المتوحش، هذا الكلام علينا أن نكرره إلى أن نموت، وليس لدينا سوى وسيلة واحدة، أن نثبت على موقف موحد: نريد دولة مدنية، دولة مؤسسات من دون جهاز أمني عسكري، نريد فصل السلطات، نريد قضاءً نزيهًا، ونريد أن يسقط بشار الأسد وكل أعوانه والواقفين إلى جانبه، هؤلاء هم من يستحقون أن يكونوا في السجون وفي القبور. شهداء سورية هم العهد، الشباب الذين رحلوا وتركوا رسالتهم لنا، أجسادهم رحلت عنا، لكن أرواحهم باقية فينا، يجب أن لا نتنازل وأن لا نخون دماءهم”.

لم يكن في حديثها أي ادعاء، هي التي انتمت إلى الثورة، بكل فكرها وضميرها وحواسها، ولم تتوقف -يومًا- عن العطاء، وطرق كل الأبواب السلمية، لطرد غول الاستبداد وانتصار الديمقراطية في سورية. كانت أم الجميع، وكانت تعمل بدأب وصمت، وبالحد الأدنى من الشروط المادية وربما المعنوية. جعلت من صفحتها على (فيسبوك)، منبرًا لمن لا صوت لهم، قدمت العديد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، وفي عام 2016 كادت أن تقدم نفسها فريسة للنمور في برلين، احتجاجًا على الظلم، كي توقظ ضمير العالم، لفتح الحدود المغلقة أمام اللاجئين العالقين، وألقت كلمة في مسرح “مكسيم غوركي” أبكت الكثير من الحاضرين، تأثرًا وتعاطفًا، مع أولئك الحالمين بالنجاة.

في عام 2017، كانت بطلة الفيلم القصير (سراب) من سيناريو وإخراج ملهم أبو الخير. فيلم أُهدي إلى رزان زيتونة، وبدأ باقتباس لأمين معلوف: “في بلادنا تقوم الثورات باسم الشعب، ويجد الشعب نفسه مطرودًا ومرميًا على الطرقات”! وفي الفيلم كانت مي تنام في سريرها الفقير، وتحلم بأنها أصبحت أول رئيسة لسورية، بانتخاب ديمقراطي، وحين تستيقظ من حلمها، تدرك أنها ليست سوى لاجئة في بلد غريب، تبكي التهميش والحنين إلى أهلها ووطنها.

بعد الفيلم بشهور قليلة، شاركت مي فريقًا من الهواة في عرض تعبيري راقص، قُدم في ساحة الباستيل بباريس لتذكير المارة، الفرنسيين منهم والسياح، بمجازر الكيمياوي التي ارتكبتها قوات النظام السوري بحق المدنيين، وقبل رحيلها الصادم كانت تجمع أوراق وأعمال فراشة الثورة فدوى سليمان، وتفكر في إنجاز عرض مسرحي عن صديقتها التي سبقتها إلى العالم الآخر، وربما كان ثمة الكثير من المشاريع الأخرى التي كانت تحضر لها بصمت، قبل أن يخطفها الموت خلسة منا.

رحلت مي سكاف، وهي تقاوم وتحلم بوطن حر يضم جسدها، إن باغتها الموت، وستبقى في قلوبنا وضمائرنا صورة الأمل، ورمز المرأة الشجاعة التي وهبت حياتها وفنها لقضية عادلة، وانتمت بكل جوارحها، إلى ألم المقهورين بسلطة دكتاتورية لم يعرف التاريخ مثيلًا لقدرتها على البطش والتنكيل.

مقالات ذات صلة

إغلاق