تحقيقات وتقارير سياسية

في الذكرى الـ 229… ما الذي قدمته الثورة الفرنسية إلى العالم؟

احتفلت فرنسا بالذكرى الـ 229 للثورة الفرنسية التي توقف عندها مليًّا الفيلسوف والثوري كارل ماركس، مقيّمًا إياها من منظور طبقي وثوري رصين، وعبّر البيان الشّيوعي الذي أصدره ورفيقه فردريك إنجلز عام 1884 عن أن “علاقات الإنتاج الإقطاعية لم تعد تتلاءم مع القوى المنتجة في تمام نموّها، فأعاقت الإنتاج بدلًا من أن تدفعه نحو التقدم، ولذا تحولت إلى قيد كان لا بد من تحطيمه، وقد حُطّم”.

قيام هذه الثورة كان فتحًا جللًا دشّن عصرًا جديدًا للإنسانية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في تشكيل العالم المعاصر، متحولًا إلى تسونامي مُلهم للشعوب كافة، حيث أضحى عالم ما بعد هذه الثورة ليس كقبلها؛ كونه مثّل ولادة عالم جديد نشد الحرية والعدالة والمساواة والأخوة والتنوير.

كانت فرنسا الملكية في نهايات القرن الثامن عشر تغطّ في حلكة دامسة وظلم وجور اجتماعي لا مثيل له، وسطوة وتحالف بعرى مكينة؛ بين كنيسة باذخة بامتيازاتها تبيع الوهم على مدار الوقت، وتدعو الرعيّة إلى الطّاعة والاستكانة، وسلطة ملكية استبدادية فاسدة استمدّت شرعيتها من السماء باسم الحق الإلهي، وإقطاعيين لا يشبعون من دماء الفلاحين المنتجين المُفقّرين الذين يُحاصرهم الجوع والمرض والبؤس من كل حدب وصوب.

حين نستطلع المحطات التي مرت بها الثورة الفرنسية؛ نجد زادًا وفيرًا ذاخرًا بالعبر والدروس، لكل ما قام بعدها من ثورات وهبّات وانتفاضات على مستوى أوروبا وممالكها، حتى وصل تأثيرها ليلف الكوكب برمته ويصبح مصدر إلهام كبير، فالثّورة الفرنسية وسيروتها سفر ثري بكل نجاحاتها وأخطائها، وبانوراما شاملة ومكثّفة عن مراحل تدرّج الثورات، عند نضج ظروفها الموضوعية التي تشكل عاملًا رئيسًا لقيامها، وكذلك توفر العامل الذاتي وارتقاء أدائه خلال مسيرة الثورة صعودًا وهبوطًا، تبعًا لمقتضيات الصراع مع قوى الثورة المضادة. ودروس الثورة الفرنسية في هذا المضمار غنيّة بدلالتها؛ فيسارها الراديكالي الذي اجترح البطولات في إدارتها وقيادتها، ووضع خطط التقدم والتراجع من أجل إلحاق الهزيمة الساحقة بقوى الثورة المضادة وحلفائها في الداخل والخارج (روسيا والنمسا)، من أجل منع فشلها، على مبدأ المثل الفرنسي القائل: “الذين يصنعون أنصاف الثورات لا يفعلون شيئًا سوى حفر قبورهم”، وقع بدوره في هنات كان لا بد منها، وهذا أمر طبيعي في مجريات الصراع الثوري.

في خضم آلام الولادة لعالم جديد، مهدت له الظروف الاجتماعية الداخلية المتّخمة بالجور والاضّطهاد والمديونية للخارج والصراع مع الإنكليز على النفوذ والهيمنة؛ ظهر تأثير النخب المستنيرة جبارًا في حث الشعب الفرنسي على التّمرد؛ للانتقال من الظلام والجهل والسّطوة إلى شرفات النور والعقل والعلم، وكان ديكارت بإرثه مُلهِمًا للتفكير والاستنتاج، وكذلك روسو الذي كان بمقام الأب الفكري للثورة والمنظر الرئيس لمفهوم الراديكالية السياسية، وقد قال: “ولد الإنسان حرًا طليقًا، ومع ذلك فهو مثقل بالقيود في كل مكان!”، وفولتير وأوغست كومت وغيرهم كثيرون.

حين طفح الكيل، ولم يبق للشعب الفرنسي من طاقة، للاستمرار في دفع تكاليف مغامرات الملك وحاشيته؛ بدأ التململ والتّذمر من كل قوى المجتمع الفرنسي المتضررة من النظام الملكي الرجعي آنذاك، حيث بدأت تظهر صرخات الاحتجاج على نظام العسف والاستئثار من هنا وهناك، وككرة الثلج بدأ الحَراك الثوري يتدحرج ويكبر، بينما لويس السادس عشر وبطانته من كبار الأرستقراطيين والإكليروس الكنسي نائمون في العسل، ظنًا منهم أنهم محصّنون، وأن سلطانهم وباستيلهم (نسبة لسجن الباستيل الرهيب) كفيل بحماية مصالحهم (كانت الكنيسة تمتلك آنذاك وحدها 10 بالمئة من أراضي المملكة الفرنسية، مع امتيازات واسعة يصعب تقديرها، ومتحالفة في الوقت ذاته مع أرستقراطية شرسة غارقة في البذخ والمجون ومسيطرة على الفلاحين المنتجين لِجُلّ الثروة في عموم البلاد بقبضة من حديد)، وحين شعروا أن عرش مجدهم يهتز؛ بدؤوا يلجؤون إلى المناورة والمخاتلة، وهذا طبع الطغاة عمومًا حين يدهمهم الخطر الوجودي، حيث يعملون على إيهام الشعب أنهم سيستجيبون لمطالبه، وحين يكتشف الشعب خديعتهم، يرفع سقف مطالبه من جديد، ومع احتدام الصراع، تظهر قيادات تفرزها الأحداث ومجريات الحدث الثوري، لترسم خطط المرحلة القادمة. وهذا ما أثبتته الثورة الفرنسية عبر خط صعودها المشبع بالدراما، ومع سقوط الباستيل بكل ما له من رمزية، وكذلك الحضور الطاغي للمرأة الفرنسية وشجاعتها وبسالتها ومطالبتها، بل إجبارها لويس السادس عشر على ترك قصر فرساي والعودة إلى باريس، بل إجبار النظام الملكي على رفع العراقيل من أمام الجمعية الوطنية، من أجل استكمال مهماتها الإصلاحية، ثم تمرير إعلان حقوق الإنسان والمواطن، عبر وثيقة تاريخية كانت -وما زالت- وثيقة ناصعة أعادت القيمة المهدورة لبني البشر، وأكدت الحفاظ على كرامتهم وقدسيّة هذه الكرامة.

إن تشكيل الثورة لحرسها الوطني، من أجل حماية الشعب وإلهاب مشاعر الثائرين وإقناعهم بنبل أهداف ثورتهم وغاياتها، وإقامة النظام الشعبي البديل لسلطة الحلف غير المقدس للنظام الرجعي، كان خطوة عظيمة ومهمة حصّنت الثورة من الفشل، وكذلك التّدرج بهدم أركان عرش الطغيان والمتمثل بتجريده من قواه الخشنة والناعمة والتّصدي وإلحاق الهزيمة العسكرية بأنصاره النمساويين، في هضبة (فالمي) عام 1792 التي دفعت الشاعر غوته إلى تخليد ذكرى هذه المعركة بقوله: “من هذا المكان وفي هذا اليوم، بدأت حقبة جديدة في تاريخ العالم”.

بعد ذلك، أُدين لويس السادس عشر وأُعدم بالمقصلة، ليتم إعلان الجمهورية الفرنسية في 22/ 9/ 1793 مؤذنًا بولادة عالم جديد، صنعته ثورة فريدة عبر التاريخ، كانت وما زالت أمّ الثورات جمعاء بأجنداتها الفذّة كأداة جبارة للتغير، وبأنوار أفكارها وعظمة أفعالها، فالثورات كـ “قاطرات للتاريخ” على حد قول ماركس، لا تقوم بها الشعوب ترفًا بل تَعْبرُ من خلالها نحو مستقبل أفضل يسوده العدالة والحرية والكرامة، خاصة حين يدخل هذا التاريخ طور الاستنقاع والتّأسن.

صحيح أن الثورة الفرنسية لم تتمكّن من تحرير الإنسانية، ولم يكن لها أن تفعل ذلك، لكنها مهّدت الأرض نحو تطور الرأسمالية وإرساء قواعد تشكيلة اقتصادية اجتماعية وليدة، كنست نظامًا إقطاعيًا راكدًا وظلاميًا وظالمًا وبليدًا، وأرست قيمًا أصيلة في بناء دولة المواطنة وسيادة القانون وشرعية الشعب، والانتقال به من الاستعباد إلى فضاءات الحرية والمواطنة، فكانت “البروفا” العظيمة والملحمة الملهمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق