مقالات الرأي

تشكُّل صورة سورية القادمة

تقع ممكنات النهوض السوري في خلفية مشهد الصراعات العسكرية والسياسية الجارية، وهي تنتظر استكمال الترتيبات العسكرية من جهة، وحدوث صفقة سياسية أشمل وأعمّ بين الروس والأميركيين، مهّد لها لقاء القمة الأخير بين الرئيسين بوتين وترامب في العاصمة الفنلندية، في 16 تموز/ يوليو 2018. بالفعل، خفّفت قمة هلسنكي من حدّة التجاذبات السياسية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا، في العديد من الملفّات الدولية ومن ضمنها القضية السورية، وكانت العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى حافة الحرب الباردة في أكثر من محطّة.

ولم تمضِ أيام قليلة على هذه القمة، حتى أعلن الروس عن خطّة قدموها إلى الجانب الأميركي، تقضي بعودة 1.7 مليون لاجئ سوري من لبنان والأردن في فترة قريبة. وبغضّ النظر عن واقعية هذه الخطة والعقبات التي تعترضها، فهي تؤشّر إلى عمق التفاهمات التي حصلت حول المسألة السورية في هلسنكي، وأنّ روسيا كفّت عن محاولاتها للاستفراد بهذا بالملفّ.

صحيح أنّ الرئيس ترامب شدّد على موضوع إخراج الإيرانيين من سورية، لكنّه لم يكن حازمًا كما في تصريحاته السابقة؛ ما يشير إلى تفاهم مع الروس حول هذا الملفّ وتوكيلهم بمعالجته، ومن المرجّح أن تعمد روسيا إلى استخدام الإيرانيين كورقة لموازنة النفوذ التركي شمال سورية، وذلك كمقدمة للدّفع بتركيا وإيران خارج الحدود السورية، بعد ضمان مصالح هاتين الدولتين الإقليميتين، في بعض المناطق التي تعدّ حيوية بالنسبة إليهما في المدى المنظور. وفي هذه الأثناء أيضًا، تتم تهدئة المخاوف الإسرائيلية حول مسألة الأمن على حدود الجولان، وذلك من خلال ضمان احترام اتفاق فكّ الاشتباك عام 1974، وإبعاد الميليشيات المرتبطة بإيران عن منطقة الجولان.

وفي ضوء الحديث المستمر عن قرب انسحاب القوات الأميركية من سورية، يتّضح شيئًا فشيئًا أن الروس هم من سيشرفون على المناطق التي سينسحب منها الأميركيون في منطقة الجزيرة وفي قاعدة التّنف، وما سيترتّب على ذلك من تفاهمات لاستيعاب (قوات سورية الديمقراطية/ قسد)، مثلما حدث في مناطق أخرى، بخاصة في الجنوب. وفي حال تحقّق هذا السيناريو، قد تتحول روسيا إلى الضامن الأساس لحدود سورية ووحدة أراضيها بتفويض أميركي-دولي.

يبقى الاستحقاق القريب والأهم هو ما يتمّ إعداده لمعالجة الوضع الأكثر تعقيدًا في إدلب، وطبيعة التفاهمات مع تركيا للعثور على حلّ. وعلى الرغم من احتجاجات الأتراك من وقتٍ إلى آخر على قصف إدلب، والتهديد بالانسحاب من اتفاقات أستانا، فمن المستبعد أن يتحوّل تعاونهم مع روسيا إلى صراع مكشوف، لا سيّما أن الوجود العسكري التركي ذاته، من خلال نقاط المراقبة، هو ثمرة تفاهمات سابقة معها.

استباقًا لأي هجوم على إدلب، دعت تركيا مؤخرًا إلى اجتماع يضم قادة الفصائل والائتلاف، للبحث في تشكيل “جيش وطني”، ولو أنّ ذلك سيصطدم بالدور المهيمن لـ “هيئة تحرير الشام”؛ ما يزيد من احتمال الحسم العسكري في بعض الأحيان أو الأماكن. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن لا وجهة أخرى هذه المرّة، يذهب إليها المقاتلون الرافضون للمصالحات والتفاهمات.

مع ذلك، يمكن العثور في اتفاقات الروس والفصائل المسلحة في الجنوب، باستثناء ما يتعلق بـ (داعش) و(هيئة تحرير الشام/ النصرة)، على صيغةٍ لما ستكون عليه خطوات الحلّ المرتقب في إدلب، أي عودة مؤسسات الدولة للعمل مع بقاء المسلحين في بيئاتهم كقوى أمنية. كما أنّ احتمال تعاون الفصائل المسلحة في إدلب مع الروس يبقى محدودًا، مقارنةً بباقي المناطق في سورية؛ بسبب المنافسة التركية الواضحة في هذا الشأن.

علاوة على ما سيؤول إليه وضع الفصائل المسلحة في إدلب، توجد الآن ثلاث كتل عسكرية ستساهم في تشكيل عماد الجيش الجديد والقوى الشرطية في سورية، وهي الجيش النظامي والميليشيات ذات الصلة، وفصائل الجنوب، و(قوات سورية الديمقراطية/ قسد)، وذلك بالتوازي مع التّقدم المرتقب على مسار الحلّ السياسي.

تنضوي الترتيبات العسكرية الجارية على الأرض، في إطار ممكنات الخروج من مستنقع الصراع في سورية وعليها، وهو الذي بات يشكّل عبئًا على الأطراف المنخرطة فيه. هنا يبرز الدور الروسي كرافعة لإخراج الجميع من مأزقهم، ونقل الوضع في سورية إلى ميدانٍ جديد تتفوّق فيه التوافقات السياسية على استخدام القوى العسكرية المحلية، في الصراعات البينية بين الدول.

أيًّا كانت صورة هذا الحلّ، فهو سيؤمّن مساحةً أكبر في التعبير عن الرأي، وتفعيل الهيئات الرقابية على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وسائل الإعلام. كما ستعود الكتلة الشعبية الأساسية التي انخرطت في مجريات الثورة بصورةٍ ما إلى المشاركة السلمية، من باب المجتمع المدني هذه المرّة، وليس الأهلي الذي التجأت إليه نتيجة القمع والتدخل الخارجي وانسداد الأفق، بعد أشهر قليلة على اندلاع التظاهرات، ولجوء الكثيرين إلى الدين كملاذ وهوية، أكثر من كونه قضية إيمانية وعقائدية.

إنّ عودة السياسة إلى المجتمع هي أحد أهم الكوابح غير الدستورية للحيلولة دون عودة الاستبداد، وتكريس ثقافة المواطنة والتوجّه الحيادي العلماني للدولة الحديثة، على أن تتوقّف المواجهات “الدون كيشوتية” للعلمانية المبتسرة والاستبدادية مع العقائد الدينية، والتركيز على مبدأ “خير الأعمال ما ينفع الناس”، في الدولة التي توازن قوانينها بين حقوق المواطنين وواجباتهم، وتنقلهم إلى مستوى تحقيق ذاتهم الشخصية والوطنية.

لم تتوقّف التحولات السياسية والاجتماعية عن الجريان في سورية منذ عام 2011، ولو أن صداها ما زال خافتًا جرّاء الانهاك واليأس الذي وسم حياة السوريين خلال الحرب. كما أنّ تجربة السوريين المريرة مع الاستبداد والتطرف ستدفعهم ليكونوا أكثر تقبُّلًا للتغيير في اتجاه رفض مختلف أشكال الاستبداد؛ ما قد يفتح المجال لظهور طيفٍ ديمقراطي واسعٍ من الحركات والأحزاب السياسية التي ستساهم بدورها في مأسسة العمل الديمقراطي، بما في ذلك التيارات الإسلامية الديمقراطية التي ستنمو على حساب الفكر الإسلامي السياسي التقليدي من الإخوان المسلمين ومشتقاتهم السلفية والتكفيرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق