قضايا المجتمع

حملة وطنية لتسليم جثامين المعتقلين “المتوفين” تحت التعذيب

يطلق ناشطون وحقوقيون سوريون، هذا الأسبوع، حملة وطنية تهدف إلى المطالبة بتسليم جثامين الشهداء المتوفين أو المقتولين تحت التعذيب في سجون الطاغية الأسدي، إلى ذويهم. وتأتي هذه الحملة بالتزامن مع استمرار النظام السوري في الكشف عن قوائم متتالية لمئات من المعتقلين الشهداء في سجون الطاغية، من دون تسليم أي جثة حتى الآن إلى أسرة الشهيد، وهي مسألة تستدعي التوقف عندها والتحرك دوليًا وإقليميًا، للوصول إلى حق طبيعي للأهل هو استلام جثة ابنهم أو ابنتهم. حول هذه الحملة توجهت (جيرون) إلى بعض مطلقي الحملة والناشطين المهتمين بالقضية، وسألتهم: ما هي رسالة هذه الحملة؟ وهل تتوقعون أن تؤتي أكلها؟ أو هل من الممكن تجاوب نظام الإجرام الأسدي معها؟

السياسي والناشط منصور الأتاسي، أحد الأساسيين في هذه الحملة قال: “ابتدع النظام شكلًا جديدًا، للتخلص من نسبة الشهداء التي إذا أعلنت دفعة واحدة فستؤدي إلى احتجاجات ضخمة لا يمكن للنظام استيعابها، حتى الآن تبلّغ ذوو المعتقلين، عن طريق دوائر النفوس في عدد من المحافظات، أكثر من 16 ألف بلاغ، أن أولادهم قد توفوا في سجون النظام دون أي محاكمة، ويعدّ هذا الإجراء جريمة ضد الإنسانية. ومن بين المبلغين ألوف الأسر التي كان النظام ينفي وجود أولادهم عنده، ومن المعلوم أنه لا توجد أية جهة قادرة على إرسال أسماء المتوفيين للسجلات المدنية سوى النظام”.

ثم أكد أن “الأعداد ستتضاعف قريبًا في دوائر النفوس مع الأسف، وهو ما يؤكد أن مجزرة رهيبة ارتكبها النظام بحق عشرات ألوف السوريين، من دون محاكمة ودون سبب واضح، فضلًا عن الألوف من الشهداء الذين صفاهم النظام في سجن صيدنايا، بعد محاكمات صورية لم يشهد التاريخ مثيلًا لها”. وأضاف: “حسب المعلومات الواردة، فإن الشاب الشهيد في صيدنايا كان يحاكم بعد استشهاده، أي ينفذ بحقه حكم الإعدام قبل وفاته. وتمنع كل أسره تتبلغ عبر النفوس، من كتابة نعية، تحدد مكان الوفاة أو سببه، وكل ما يسمح به هو فتح باب التعزية لأيام، بحضور كثيف لرجال الأمن، ونحن الآن نعكس مطالب أسر الشهداء الذين بُلّغوا نبأ وفاة أبنائهم، بتسليمهم جثامين أولادهم ليدفنوها في مقابر مرخصة في مدنهم، وهذا المطلب هو حق طبيعي لأي أسرة توفي ابنها أو نفذ فيه حكم قضائي، فبعد تنفيذ الحكم أو وفاة المعتقل لأي سبب كان، تسقط جميع التهم ويبقى الجثمان من حق أسرته، إلا في بلدنا، حيث يمنع الأهل من استلام الجثمان حتى لا تتكشف أشكال التعذيب التي يتعرض لها المعتقل في غرف التحقيق، وهي أساليب وحشية لا يمكن تصورها في أشد روايات الرعب التي تتداولها هنا وهناك وسائل الإعلام المختلفة”.

بخصوص الأسباب التي دعتهم للبدء بالحملة، قال: “هي إنسانية بالدرجة الأولى والأساسية؛ فمن حق الأهالي -في كل الشرائع الدولية والدينية والإنسانية- أن يستلموا جثامين أبنائهم، وأن يدفنوها في مقابرهم، وأن يزوروها سنويًا، ولا يوجد أي تشريع سوري أو إنساني يمنع من ذلك، ولأن عددًا من الأسر الملوعة والموجودة في الداخل لا تستطيع أن تطالب بجثامين أولادهم، حفاظًا على الأحياء منهم، وبسبب حالة الخوف المنتشرة في الداخل السوري، حيث يتعرض أي محتج للاعتقال والتعذيب أو الموت، فقد توجه إلينا عدد من الأسر، يطلبون المساعدة في المطالبة بتسليمهم جثامين أولادهم المتوفين في معتقلات النظام والمبلغين هم بوفاتهم، وها نحن نفعل، بالإضافة إلى إظهار مدى الإجرام الذي وصل إليه النظام في التعامل مع المعتقلين”.

توقع الأتاسي النجاح للحملة بقوله: “من حيث المنطق والقانون الانساني والحقوقي، فإننا نتوقع النجاح في مسعانا، وتسليم الأهالي جثامين أولادهم، فهذا مطلب يغلب عليه الطابع الإنساني القانوني، والموقف الرافض لهذا المطلب يعكس الطبيعة اللاإنسانية للنظام، وقد أرسلنا أفكار الحملة إلى عدد من المنظمات الإنسانية، التي أكدت وقوفها معنا، وعمومًا إن هدف حملتنا هو مساعدة الأهالي باستلام جثامين أولادهم المستشهدين، نتيجة التعذيب، ونجاحنا يعني النجاح في تلبية مطلب عادل”.

الكاتب والناشط السوري الكردي أحمد قاسم أكد لـ (جيرون) أن “الموضوع مرتبط بمرحلة ما قبل التسوية السياسية للمسألة السورية، حيث إن هناك عشرات الآلاف من المُغَيَبين في معتقلات النظام، فضلًا عن الذين تم تصفيتهم بشكل أو بآخر. وما يقوم به بعض السوريين، كحملة وطنية، أعتقد أنه محاولة لتخفيف الآثار التي تركتها الكارثة والتخفيف من وطأتها، حيث إن الحملة تهدف أيضًا إلى اكتساب النظام ورقة تثبت بأن من تم تصفيتهم قد تم تبليغ أهاليهم، ولكن بشكل قد لا يحمّل النظام أسباب موتهم، وخاصة أن تبليغ أهالي الضحايا متضمن بشرط أن لا يتم إعلان التبليغ على الملأ، وألا يقوم أهالي الضحايا بعقد مجالس التعزية، مع أخذ تصريحات تحت المسؤولية، وهذا ما يثبت أن الحملة تهدف إلى تخفيف مسؤولية النظام عمّا جرى في المعتقلات، ومع ذلك، أعتقد أن الحملة بمجملها لن تحقق هدفها، وأن الشعب السوري لن يتخلى عن حقه في مقاضاة النظام على ما ارتكب من جرائم بحق المعتقلين في المعتقلات”.

أما الكاتب والناشط السوري عبد الرحيم خليفة فقد أكد أن “هذه الحملة، أو غيرها، من الحملات المشابهة، هي -بلا شك- حق وواجب، كونها من صلب الحقوق المنصوص عليها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وكافة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بها ذات الاختصاص، ويترتب على هذا الإجراء -إذا تمّ- حل مشكلات عالقة كثيرة لذوي الضحايا، فضلًا عن كونها طيًّا لملف عشرات الآلاف من الأسر التي تجهل مصير أبنائها، ومثواهم الأخير، إن كان قد ضمهم قبر، ولم تتم إذابتهم أو حرقهم، أو بأي طريقة أخرى، للتخلص من جثثهم”.

أضاف خليفة: “الحملة وضرورتها في هذه المرحلة تتأتى في فضح النظام وتعريته، في الوقت الذي يعاد إنتاجه، أو على الأقل تسويقه، من قبل القوى العالمية التي لم تعد ترى ضرورة لرحيله، بعد انكشاف مواقف أهم الأطراف المؤثرة في الملف السوري برمته. ومن غير المتوقع أن يستجيب النظام لمطلب كهذا، وهو الذي لم يستجب، ولم يعر أي اهتمام، لمطالب أقل بكثير، كالإفراج عن المعتقلين، وهو الذي، أيضًا، لم يعترف باعتقال أو احتجاز أو خطف عشرات الآلاف، خصوصًا أن ذلك يحمّله المسؤولية عن اعتقالهم وتعذيبهم حتى الموت بكل وحشية، دون رادع من ضمير، وبالتالي محاسبته كنظام ومؤسسات أمنية وأفراد، تضم كلها إلى ملفه الإجرامي، حين تأتي لحظة الحقيقة التي لا ريب فيها”.

مقالات ذات صلة

إغلاق