ترجمات

الولايات المتحدة تحتاج الآن إلى استراتيجية روسية أكثر من أي وقت مضى

الصورة: الرئيسان الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، يعقدان مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا بعد اجتماعهما في هلسنكي في تموز/ يوليو 2018. ليوناردو فويجر/ رويترز

الدرس الحقيقي من قمة هلسنكي

صدم الرئيس دونالد ترامب العالمَ، في وقت سابق من هذا الأسبوع، عندما وقف إلى جانب الرئيس فلاديمير بوتين، ورفض قبول الوقائع الأساسية لتدخل الكرملين في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016. وبدا أن ترامب كان يدعم بوتين ضد مجمّعه الاستخباري الخاص، وقال خلال المؤتمر الصحفي في هلسنكي: لا أرى أيّ سببٍ لأن تكون روسيا قد اخترقت مخدمات الحزب الديمقراطي. في الجواب نفسه، أكدّ ترامب أن قمة هلسنكي ستصبح لحظة تاريخية في العلاقات الأميركية الروسية. على الرغم من أنه حاول في وقت لاحق عكس مساره، من خلال الادعاء بأنه أخطأ بالقول/ اللفظ، إلا أن الضرر قد وقع. لم يحدث قط في القمم السابقة مع زعماء الكرملين أن ظهر رئيس أميركي ضعيفًا مثلما بدا ترامب عليه.

إن الجدل الذي يحيط بالمؤتمر الصحافي أكثر من أن يُفهم، لكنه لا ينبغي أن يحجب مصدرًا آخر، ربما أكثر أهمية، لضعف الولايات المتحدة في هلسنكي. في مواجهة التهديد الروسي المتزايد لمصالح الولايات المتحدة في الداخل، وفي جميع أنحاء العالم، لا تزال واشنطن تفتقر إلى أي شيء يشبه استراتيجية كبرى لمواجهته. أداء ترامب في هلسنكي أظهر للعالم أنه بعد عام ونصف من إدارته، لم يبدأ حتى في صياغة مقاربة. ما لم يتغير ذلك، كما قلتُ في عدد تموز/ يوليو – آب/ أغسطس، في مجلة (فورين أفيرز -شؤون الخارجية)، بعنوان (روسيا كما هي)، فإن مصالح الولايات المتحدة سوف تتعرض لمزيد من الاختراق، وسوف تزداد وقاحة/ جرأة بوتين.

قصة سياستين لروسيا

كان سؤال ترامب لتقييم مجمّع الاستخبارات الأميركية في القمة أكثر إثارة للانزعاج، بسبب الأدلة القديمة والموثقة بشكل جيد للتدخل الروسي. قبل عام ونصف من انعقاد القمة، نشر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية تقريرًا غير مصنَّف ينص بوضوح، وبكلّ تأكيد، على أن “بوتين، الرئيس الروسي، أمر بإجراء حملة تأثير/ نفوذ في عام 2016 تستهدف الانتخابات الرئاسية الأميركية. كانت أهداف روسيا تقويض الإيمان العام في العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة، وتشويه سمعة هيلاري كلينتون، وإلحاق الضرر بانتخابها ورئاستها المحتملة. وتابع التقرير: “نحن نقيّم أكثر بوتين والحكومة الروسية، وضعنا أولوية واضحة للرئيس المنتخب، ترامب. لدينا ثقة عالية في هذه الأحكام”. وأكدت لجنة منتقاة في مجلس الشيوخ مختصّة في الاستخبارات النتائج التي توصل إليها التقرير في تحقيقاته، قائلة: “تعتقد اللجنة أن النتائج التي توصلت إليها وكالة الاستخبارات الوطنية هي قرارات سليمة، وتلاحظ أن يستمر الجمع والتحليل ما بعد نشر تقرير وكالة الاستخبارات الوطنية لتعزيز ودعم تقييماتها”. وأضاف روبرت مولر المدعي الخاص، قبل أيام فقط من قمة ترامب- بوتين، تفاصيل مذهلة للعملية الروسية عندما نشر لائحة اتهام ضد 12 من ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية الذين شاركوا في الحملة.

كان بوتين قد أمر بوضوح بشنّ هجوم على سيادة الولايات المتحدة، بهدف مساعدة ترامب في الفوز بالانتخابات. ولكن عندما سُئل ترامب عن هذه العملية الروسية، حيث كان العالم بأسره يشاهد في قمة هلسنكي، قال مراوغًا: إنه يثق في كلا الطرفين. لا بد أن يكون ردّ ترامب قد فاجأ حتى بوتين، لكن من المؤكد أنه كان يزعج الأميركيين الذين يشاهدونه، مما أثار إدانة واسعة من قبل أعضاء الكونغرس، ومسؤولي الأمن الوطني السابقين، وخبراء السياسة الخارجية. السيناتور الجمهوري جون ماكين وصف تصريح ترامب في هلسنكي بأنه “أحد أكثر العروض المخزية لرئيس أميركي تختزنها الذاكرة”. جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفًا أداء مؤتمر ترامب الصحفي بأنه “ليس أقلّ من الخيانة”. أطلق المؤتمر الصحفي بحثًا مكثفًا من التفسيرات لآراء ترامب في روسيا. بدأ الكثير من المعلقين التكهن بشأن العلاقات، بين الحكومة الروسية والرئيس الأميركي، التي تم تشكيلها خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016، وربما حتى قبل ذلك بكثير.

كان أداء ترامب أيضًا مؤشرًا لما قاله عن المقاربة الأميركية الأوسع تجاه روسيا. إن تجاور تصريحاته/ بياناته العامة مع سياسات الإدارة التي حددها هو نفسه يؤكد على مخاطر عدم وضع استراتيجية كبرى. في بعض الإجراءات، يبدو أن الإدارة تتبع استراتيجية الاحتواء. وقد واصلت الإدارة العديد من مبادرات الردع السياسية التي اعتمدتها إدارة أوباما ردًّا على ضمّ بوتين لشبه جزيرة القرم، مثل فرض عقوبات على الأفراد والشركات الروسية، وتقوية حلف الناتو، ومساعدة أوكرانيا. في قليل من مجالات السياسة، تجاوزت إدارة ترامب ما كانت إدارة أوباما مستعدةً للقيام به، بما في ذلك، الأكثر أهمية، تقديم المساعدة القوية إلى أوكرانيا وإغلاق القنصليات الروسية في سان فرانسيسكو وسياتل.

عندما يتحدث ترامب عن مقاربته الشخصية تجاه روسيا، فإنه غالبًا ما يناقض سياسات إدارته، كما فعل في عرض حيّ في قمة هلسنكي. في المؤتمر الصحفي، لم يرفض فقط تأكيد الوقائع حول الإجراءات الروسية خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016، ولكنه لم يندد بضم القرم، والتدخل العسكري الروسي في شرق أوكرانيا، ودعم بوتين الثابت لبشار الأسد، أو لاستضافة كامله لأنشطة روسية عدوانية أخرى حول العالم. بدلًا من الاحتواء، أوضح ترامب أنه يريد أن يصادق بوتين. وبدلًا من يصف بوتين بأنه خصم، وصفه بأنه “منافس جيد”، وكان يعني ذلك كمجاملة. وكما فعل طوال سنوات، كرّر ترامب أنه سيكون من “الجيد” أن تتوافق الولايات المتحدة وروسيا. حتى المستشارون في حكومته صرّحوا للصحافيين بعد القمة أن ترامب كان يرتجل، ولا يتبع النص المتفق عليه في قمة هلسنكي. وبالتالي فإن لإدارة ترامب سياستان روسيتان، لا واحدة.

كيفية عدم الاشتباك

لا يوجد أي خطأ في استخدام كلٍّ من وسائل الاشتباك والاحتواء في الوقت نفسه لمتابعة أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة في ما يتعلق بروسيا. خلال الحرب الباردة، التقى القادة الأميركيون والسوفييت في اجتماعات قمة حتى عندما كان التوافق، كانت الاستراتيجية الكبرى للحزبين للتعامل مع الاتحاد السوفيتي هي الاحتواء. لكن أسلوب/ مقاربة ترامب للاشتباك، على الأقل كما هو متبع في هلسنكي، كان مختلفًا عن لقاءات الحرب الباردة بطريقتين مهمتين: أولًا، لم يغدق الإطراء أي رئيس أميركي خلال الحرب الباردة على نظرائه السوفييت كزعماء كبار أو أقوياء. جاء ذلك بعد نهاية الحرب الباردة.

ثانيًا، استخدم الرؤساء الأميركيون السابقون، إبّان الحرب الباردة وبعدها، مؤتمرات القمة لمتابعة أهداف السياسة الخارجية الأميركية الملموسة، بنجاح في بعض الأحيان، وفي بعض الأحيان لا. في هلسنكي، لم تكن أهداف المشاركة واضحة، ولم يترتب أي نتائج ملموسة عن الاجتماع. حتى أجندة المضي قدمًا كانت غامضة. الاقتراح العملي الوحيد الذي اقترحه بوتين كان اقتراحًا للتفاوض على تمديد معاهدة ستارت الجديدة، New START.

في ما يتعلق بالمسائل التي كان فيها جدول الأعمال الثنائي للتعاون أكثر دقة في هلسنكي، بدت “الصفقات” المقترحة خطيرة. الأكثر إثارة للقلق، يبدو أن ترامب وبوتين ناقشا إمكانية قيام مولر وفريق التحقيق معه بمقابلة ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية المتهمين بالتآمر ضد الولايات المتحدة، في مقابل منح السلطات القانونية الروسية الفرصة لمقابلة الحكومة الأميركية والمسؤولين الحكوميين السابقين (ومنهم المؤلف)، بشأن غسل الأموال المزعوم من روسيا من خلال بيل بروادر، رجل الأعمال البريطاني، وشركته: إيرميتاج كابيتال مانجمنت، Hermitage Capital Management. إضافةً إلى جنون هذه القصة، اقترح بوتين أن بروادر استخدم بعض هذه الأموال المغسولة المزعومة لتمويل حملة كلينتون في عام 2016. لا يوجد أي تكافؤ على الإطلاق بين عملاء الحكومة الروسية الذين انتهكوا سيادة الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية، والادعاءات الروسية التي تم اختراعها بالكامل ضد بروادر ومسؤولي الحكومة الأميركية الذين يُفترض أنهم ساعدوه. يبدو أن بوتين كذب على ترامب حول بروادر ورفاقه المزعومين كوسيلة لإسكات منتقدي بوتين. لكن في مؤتمر هلسنكي الصحفي، وصف ترامب اقتراح بوتين الشائن هذا بأنه “فكرة مثيرة للاهتمام”. ومن يدري ما هي “الأفكار المثيرة” التي تمّت مناقشتها خلف الأبواب المغلقة، عندما التقى الرئيسان على انفراد. بالفعل، تؤكد الحكومة الروسية التزاماتها بتنفيذ الاتفاقات الأمنية التي تم التفاوض عليها في هلسنكي، لكن الأميركيين لم يعرفوا بعد ما هي الاتفاقات الأمنية التي نوقشت. المشاركة الرئاسية التي تنتج هذه الأنواع من النتائج لا تتقدم، بل تقوّض المصالح الوطنية للولايات المتحدة.

استراتيجية كبرى متماسكة

أخيرًا، فإن غياب استراتيجية كبرى موحدة ومتماسكة للتعامل مع روسيا، يجعل من الصعب صياغة/ تشكيل دعم الحزبين في الداخل أو دعم الحلفاء في الخارج. كان جمال المصطلح المرن “الاحتواء” خلال الحرب الباردة هو أن الرؤساء الأميركيين ومعارضيهم من خارج الحكومة يمكنهم على الأقل الاتفاق على الاستراتيجية الأساسية، حتى عندما يتجادلون حول بعض قضايا السياسة الجوهرية. ما يلفت الانتباه اليوم، خاصة بعد قمة هلسنكي، هو مدى الدعم القليل الذي ولّده ترامب لسياسته الروسية حتى داخل حزبه، ناهيك عن الديمقراطيين أو الحلفاء.

لكي تكون الولايات المتحدة فعّالة على المدى الطويل، في احتواء روسيا بوتين، فإنها تحتاج إلى الوحدة في الداخل، والدعم من الحلفاء في الخارج. والخطوة الضرورية لتعزيز هذه الجبهة المتحدة هي الاتفاق على المبادئ الأساسية للاستراتيجية. إن العمل العقلاني لوضع مثل هذه الاستراتيجية الكبرى يجب أن يتم الآن أكثر من أي وقت مضى، خاصة في أعقاب قمة هلسنكي، حتى إذا كان نتاج هذه الاستراتيجيات يمكن أن يصبح قابلًا للاستخدام بعد إدارة ترامب.

اسم المقالة الأصلي The U.S. Needs a Russia Strategy Now More Than Ever
الكاتب مايكل ماكفاول، Michael McFaul
مكان النشر وتاريخه فورين أفيرز، FOREIGN AFFAIRS، 18/7
رابط المقالة https://www.foreignaffairs.com/articles/russian-federation/2018-07-18/us-needs-russia-strategy-now-more-ever?cid=nlc-fa_fatoday-20180719
عدد الكلمات 1344
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق