مقالات الرأي

“إسرائيل” كعصبية دينية للسوريين

يبدو الموقف من “إسرائيل” في أوساط السوريين، وكأنه عُرف اجتماعي يصعب الفكاك منه، لكن يمكن للجميع النفاق حياله. أو ربما أشبه بانتماء طائفي، لا يجوز النيل منه، لكنه لا يرتكز إلى قناعةٍ عقليةٍ راسخة. ولأننا نتناول في هذه الزاوية موضوعًا مفرط الحساسية، بالنسبة إلى السوريين؛ يجب أن نوضح مقاصد كلماتنا، بشكلٍ جلّي، كي لا تُؤول. فنحن نقول إن موقف السوريين من “إسرائيل”، هو عُرف، وليس قناعة. هو أشبه بطقس ديني، عدم أدائه يجعلك منبوذًا في محيطك المتزمت. ونحن لا نقصد هنا أبدًا أن السوريين يرون في “إسرائيل” صديقًا.

فإن أجرينا استقصاء آراء، في أوساط عينة تمثل مختلف أطياف السوريين، حول توصيف “إسرائيل” في نظرهم، فهم سيتفقون في غالبيتهم على أنها عدو. أو في أقل الأوصاف حديّة، ليست صديقًا محتملًا للسوريين. لكن ما سيختلفون حياله هو الموقف منها: هل يجب قبولها والتأقلم مع وجودها، بوصف العداء معها عداءً حدوديًا، من منطلق الواقعية السياسية؟ أم يجب تسخير كل الطاقات للصراع معها، بوصف ذلك الصراع صراعًا وجوديًا لا مرونة حياله مطلقًا؟

بخلاف ما يعتقد الكثيرون، لا يبدو الموقف من “إسرائيل” “مُتحدًا” سياسيًا للسوريين؛ فهم لا يتفقون حياله، على الأقل، وراء الكواليس. لكن المشكلة أنهم في نشاطاتهم السياسية العلنية، لا يتجرؤون على الكشف عن مواقفهم الحقيقية، حيال هذا الملف الحساس بالنسبة إلى الجمهور السوري.

وفي انعطافات الثورة السورية الأخيرة، نحو الانكسار العسكري والسياسي، زادت تلك الحساسية حيال الموقف من “إسرائيل”، مع ارتفاع أصواتٍ تجرأت على كسر هذا التابو. سرعان ما أُخرست تلك الأصوات. وكان الخط العام الذي اعتمده معظم المعارضين السوريين هو ألا نسمح للنظام بالمزاودة علينا في هذا الملف. رغم ذلك، يعلم الجميع، سواء في جمهور الموالاة، أو في جمهور المعارضة والثورة، أن النظام، صاحب شعارات الممانعة، ينسق مع الإسرائيليين، في أقل الحدود، عبر وسطاء. ويصل معهم إلى حلول وسط تخدم مصالحهم، بصورة تضمن بقائه. وتجلى ذلك في أجلى صوره، مؤخرًا، في الجنوب السوري.

وعلى الرغم من كل ما سبق، أنجرّ ناشطون معارضون كُثر إلى مزاودات النظام، بخصوص عملية إجلاء عناصر من (الخوذ البيضاء) وعائلاتهم، عبر الجولان السوري المحتل، بمشاركة إسرائيلية. وتفنن بعضهم في تفسير سرّ اهتمام دول غربية ببضع مئات من الناشطين الإغاثيين السوريين، مقابل تجاهل مصير مئات آلاف المدنيين المتروكين لآلة نظام الأسد والراعي الروسي؛ فكان أن اقترح بعضهم، وجود عملاء لاستخبارات أجنبية في أوساط المجموعة التي سيتم إجلاؤها، حيث اندفعت ثلاث دول كبرى على الأقل، للدخول على خط إجلاء هذه المجموعة، بمشاركة إسرائيلية، وبقبول أردني. لكن لماذا انتظرت دول الغرب حتى الآن لإجلاء عملائها، إن وُجدوا! ولماذا تركوهم حتى حُوصِروا في جيب صغير، وأصبحت حياتهم مهددة؟! ألم يكن من المتاح إجلاؤهم في وقت سابق على ذلك بكثير، ما دامت الولايات المتحدة الأميركية قد وافقت، مبكرًا، على التخلي عن جنوب سورية، للروس، ونظام الأسد؟!

الوقوف عند الأسئلة الأخيرة، دقائق، يسمح لنا باستنباط تفسير آخر لما حدث. وهو أن عناصر (الخوذ البيضاء)، حُوصروا بالفعل، في ذلك الجيب الصغير، كما حُوصر قبلهم ناشطون إعلاميون، تُركوا لمصايرهم في مواجهة آلة الحرب الأسدية المتقدمة باتجاههم. وفي لحظة محددة، قررت دول غربية و”إسرائيل” التدخلَ عبر خطوة سيكولوجية هادفة. ففي نهاية المطاف، يرانا معظم الإسرائيليين كأعداءٍ لهم، كما نراهم تمامًا. لذلك، فإن تغذية نعراتنا الخلافية أمرٌ جيدٌ في نظرهم. وهم يعلمون تمامًا أن الموقف من “إسرائيل” أشبه بنعرة دينية في أوساط السوريين، يرفع الجميع شعارًا رافضًا لها، فيما الجميع يعلم ضمنًا أن فن الممكن يلزمنا بالتعامل معها، بشكل مباشر، أو عبر وسطاء. سواء كنا نؤمن بأن هذا التعامل مؤقت، إلى أن تتغير الظروف بصورة تسمح بتجدد الاشتباك معها، أو دائم بحكم الإقرار بها، كأمر واقع يستحيل تغييره في منطقتنا.

الموقف من “إسرائيل” أشبه بعصبية دينية بالنسبة إلى السوريين، فهو يزيد من تعقيدات السياسة في أوساطهم، ويلزم ناشطيهم الفاعلين بالتقيّة في هذا المجال. أما ساسة “إسرائيل”، فيتمتعون دون شك في تبديل الأدوار مع السوريين. فهم في حين يُوحون بتأييدهم للحراك الثوري السوري، ويستغلون أي فرصة لتقديم الدعم الإغاثي، وفي حالات محدودة ونادرة، العسكري، لفصائل قرب خط الاشتباك. فيمنحون النظام زوادةً من التهم بحق المعارضة، وتارةً أخرى، يمررون عبر صحفهم رسائل تفيد بأن الأسد أفضل حليف لهم في سورية، وبأن المستقبل قد يحمل سلامًا دائمًا بينهم وبينه. ومرة أخرى، نرى الإسرائيليين أنفسهم ينقذون ناشطين إغاثيين تقطعت بهم السبل، وآلة الحرب الأسدية تقترب منهم لتلتهمهم، فيمررونهم عبر مناطق محتلة، كي يمنحوا نظام الأسد مجددًا، زوادة أخرى من التهم بحق المعارضة. وهكذا دواليك.

لكن، هل حقًا، أن العداء حيال “إسرائيل” هو موقف عقلاني لا مرونة فيه، لدى السوريين؟ دعنا نرجع للتاريخ القريب، حينما كان الأسد الأب يفاوض الإسرائيليين، ويقترب من اتفاق سلام. كان كثير من السوريين يعتبرون ذلك “شطارة” من الأسد. وحينما أشيع عن خط تفاوض غير مباشر، بين الأسد الابن والإسرائيليين، بوساطة تركية، لم يكن أحد يعدّ ذلك إدانة. أما في التاريخ الأقرب، حينما أصبحت فصائل جهادية على تماسٍ مباشرٍ مع “إسرائيل”، وتجنبت الاشتباك معها، لم يرَ أحد من جمهور الثورة أو المعارضة في ذلك ما يبرر الإدانة، فالواقعية تفرض على تلك الفصائل ألا يفتحوا أكثر من جبهة. الجميع كان يصمت عن حقيقة أن الصراع مع “إسرائيل” أمرٌ لا يحتمل إلا التأجيل. بل كان الجميع يصمت عن حقيقة أن فتح قنوات تواصل مع الإسرائيليين، عبر وسطاء، أو بشكل مباشر، أمر قد تفرضه الواقعية السياسية على الناشطين في عالم السياسة بسورية. فأن تكون جارًا لـ ”إسرائيل” يعني أن تعلم أن أمنها محور اهتمام القوى الدولية الكبرى. وهو ورقة قوة في يدك، وفي الوقت نفسه، هو عبء استراتيجي عليك. أمر لطالما أتقن نظام الأسد اللعب على حبائله، فيما عانى معظم المعارضين من فوبيا الوصم بالعلاقة مع “إسرائيل”.

لا يعني ذلك، أنه كان على المعارضة السورية المحاولة أكثر، في سياق فتح قنوات تواصل مع “إسرائيل”. فالأخيرة لا يعنيها من يريد التحدث إليها من الجانب الآخر. ما يعنيها، إن كنت تريد التحدث إليها، هو ما مدى قوتك على أرض الواقع، بجوارها. إن كنت قويًا على الأرض، فإن ”إسرائيل” ستتحدث إليك بالتأكيد. أما إن لم تكن كذلك، فيمكن لـ ”إسرائيل” أن تتلاعب على حبائل التواصل معك، لأهداف سيكولوجية فقط، لا أكثر، مفادها، أن توصل السوريين إلى قناعات سلبية حيال بعضهم، وأن تغذي انقساماتهم. لا أكثر.

والغريب في الأمر أن الإسرائيليين الذين يُعِدّون، على الدوام، العدّةَ لمواجهة محيطهم المعادي لهم، بكل السبل الممكنة، وبصورة مستمرة لا تتوقف، رغم ذلك، يجاهرون دومًا بفتح قنوات تواصل مع أطراف عربية وإسلامية، ويتفاخرون بوجود علاقات علنيّة أو سريّة مع أطراف من المفترض أن تكون على ضفة العداء معهم. وعلى الرغم من الركيزة العقائدية التي تحكم تفكير كثير من الإسرائيليين، وتؤسس للعداء مع المسلمين، يُظهر الساسة الإسرائيليون جرأة في الحديث عن علاقات طيبة مع أطراف عربية. ولكن لماذا؟! لماذا يختلف أعداؤنا عنا؟ فنحن نرفض الحديث علنًا عن التواصل معهم، ونعتبر ذلك تهمة تستحق توصيف الخيانة، لكننا لا نعدّ العُدّة لمواجهتهم، ونفتح قنوات تواصل سرّية معهم.. فيما هم، يفعلون العكس! ربما ببساطة، لأن العداء لـ ”إسرائيل” في أوساطنا أصبح عُرفًا أو عصبية دينية، يتقيد الجميع بها، لإرضاء المجتمع. وليس فعلًا مستقرًا على قناعة. وذلك بخلافهم تمامًا.

Authors

مقالات ذات صلة

إغلاق