أدب وفنون

الشاعر والتشكيلي السوري منذر المصري: بقيت، كي أكون جزءًا من التغيير الذي كنت آمله وأحلم بحصوله

  • التفاؤل اليوم واجب أخلاقي
  • بقيت، كي أكون جزءًا من التغيير الذي كنت آمله وأحلم بحصوله
  • أشد ما أكرهه في اليأس.. سهولته

مثل فراشة حطت رسالته على هاتفي، ونقلتني إلى معرضه الذي يحمل عنوان (إخوتي) في صالة “آرت كافيه” باللاذقية، دخلت عالم الفنان الشاعر منذر المصري، تأملتُ طويلًا في شريط الفيديو وصور اللوحات، بدت لي وكأنها “بورتريهات” لشخص واحد بعينين شاخصتين وأسنان حادة ولسان ممدود، شخص يطل بوضعيات مختلفة في مكان ثابت عصي على التغيير.

– إلامَ ترمي يا صديقي؟ كتبتُ له، أجاب:

= “إنه ليس شخصًا واحدًا، إنها حالة واحدة تتخذ ملامح ووضعيات مختلفة، تختلف في بعض المفردات، وتتشارك في مفردات محددة، الفاصلة التي أحدد بها فتحة الأنف، مثلًا، الأسنان أو الأنياب واللسان.

– ما هي هذه الحالة؟

= بصراحة هي الوحشية! ولكنها وحشية شبه كاريكاتورية! فالشخوص تغلب عليهم البلاهة، ما عدا الفتاة طبعًا. أهؤلاء أخوتي؟ نعم إنهم كذلك بالمعنى الحيواني للكلمة! لا أخفيكِ، كان عنوان العرض: (وحوشي)، لكني آثرت أن أطلق عليهم (إخوتي).

الجميع يعلم أني أدرت للرسم ظهري، ولكن ليس كاملًا. من حين لآخر، أعود لما أعلم أنني خُلقت له، لكني عصيت واخترت مصيرًا آخرًا، وأرسم مجموعة ما، (الطيور الليلية)، (زجاجات لا أحد غير الله يعلم ماذا تحتوي)، (لا أرسم شيئًا أرسم الزمن). وهكذا… مجموعتي هذه نتاج عمل ثلاث سنوات /2013- 2015/ وحقيقةً لا أدري ما الذي دفعني إلى عرضها الآن، ربما لأنها تتماهى بطريقة أو بأخرى مع حالتنا نحن -السوريين- داخل البلد وفي المخيمات، بشر تمزق الحرب بلدهم، وتمزق مصايرهم.

– تتغير الألوان لكن الخلفية ثابتة أشبه بجدار من سبع مقاطع أفقية، هل هو جدار الثورة، جدار الخوف، جدار الزنزانة، أم ماذا؟ ولماذا أكثرتَ من اللون الأحمر بتدرجاته وتكويناته المختلفة لتشكيل مزاج اللوحة؟

= خلفية اللوحات الخمس هي أوراق من دفتر مسطّر. هذه الخطوط التي تعبر اللوحة أفقيًا، هي الأسطر، وأعترف لكِ، أنها كانت كلها بيضاء، لكني عندما قررت عرضها أمام الجمهور، ارتأيت أن ألوّنها، كل لوحة بلون مختلف، لكن الأحمر تكرر فيها بالمصادفة! أو غصبًا عني! وكأنه الأكثر واقعية.

– وماذا عن الأنثى الوحيدة في فضاء المعرض؟

= الأنثى الوحيدة، هي الوحشية بعينها، هي الأفعى، كما عرفها كل من حدّق بها، رغم أنها لا تظهر نابيها، فقط تخرج لسانها المدبب الدامي، وهي الوحيدة بين الإخوة التي تظهر قسوة صافية من أي ادعاء.

– أعتقد أن المنحوتة الوحيدة في المعرض هي نتاج تجربة جديدة تحاول خوضها، فمتى ولماذا وكيف بدأت؟

= التمثال المعدني ذو الرأس الصخري عملٌ من مجموعة. كان لي أن تأثرت بطريقة بيكاسو غير الاحترافية في منحوتاته، حجارة أجمعها من شاطئ (فشفيش)، خردة ملقاة على الأرصفة، قطع خشب مهترئة وقضبان حديدية ملتوية وصدئة، وقد قمت بتنفيذ أعمال شديدة التنوع، سُعدت بها لدرجة أنني فكرت، لو كُتب لي أن أعيش وأعتاش في الخارج، لكنت نحاتًا!

– ما الذي دفعك إلى عرض هذه المجموعة في قلب اللاذقية، وفي صالة “آرت كافيه“؟

= اخترت العرض في وسط المدينة، لأنني شخص متعصب للاذقية تجمع، لا للاذقية تفرق، لاذقية تضم إلى قلبها، لا تنبذ إلى أطرافها. للأسف! كل شيء اليوم يذهب إلى الأطراف، وكأن هناك مخططًا ما لخطف كل معنى أصيل فيها، أو لأقل خطف تاريخها البعيد والقريب، فلا يوجد اليوم في مركز المدينة صالة عرض واحدة، بعد إغلاق صالة (إيمار)، وانتقال مركز الفنون التشكيلية الذي أقمتُ فيه معرضي الأول والثاني، كما أقام به لؤي كيالي معرضه (في سبيل القضية) وأحرقه. آسف، هناك صالة تابعة لنقابة الفنانين التشكيليين، لكني لست عضوًا في النقابة، ولا في اتحاد الكتاب. قلتُ.. لا أدري ماذا يدفعني إلى عرض هذه اللوحات، ولكني بالتأكيد أستطيع أن أجد بعض الدوافع، منها الإصرار على أنني ما زلت حيًا، وأن اللاذقية ما زالت مدينتي، وأن أهلها ما زالوا أهلي وأحبتي وأصدقائي، وأنني ما زلت قادرًا على الحرب من أجلها، ومن أجل ناسها الجميلين. نعم الحرب، نحن -الباقين- نحارب كل يوم لنبقى.

(آرت كافيه – ناي) مقهى صغير، يمتاز بجو حميم، يقع في الشارع الضيق الذي يصل سوق الصفن بشارع السينمات، يملكه صديقي المصور الضوئي أنس إسماعيل، الذي جهد خلال ما يزيد عن عشر سنين، لتحويله إلى مركز ثقافي متميز بحق، فقدم فيه عشرات العروض الموسيقية والمسرحية وحفلات توقيع الكتب، كما أقام المعارض التصويرية والتشكيلية للفنانين الذين لا يجدون مكانًا آخر يعرضون به، مثلي.

– لعلك أنتجت في السنوات السبع الماضية من النصوص واللوحات أكثر مما فعلت في أي وقت سابق، فهل تعتقد أنها مفارقة أم أمر طبيعي أن تزداد الطاقة الإبداعية مع صراعات الخارج واضطراب أعماقنا؟

= لم أنتج خلال السنوات السبع الماضية سوى القليل، كلها مخطوطات قديمة لم يتح لي نشرها مسبقًا. الجميع يعلم كارثية برنامج إصداراتي! ما عدا (حقل الفخاري- أربع مشهديات ضد العدم- 2017- دار ممدوح عدوان) التي كتبتُ ثلاثًا منها حديثًا، ولليوم لم أجد الوقت ولا المزاج لإصدار مجموعتي الشعرية الجديدة، ذلك لأني انغمست كليًا بما أسميته “القيامة السورية”. غرقتُ في كتابة المقالات بدل الشعر، وأصدرت كتابًا يمثّل شهادتي على ما حصل بعنوان: (مغلقة بسبب الإصلاحات- بيت المواطن -2017). ولكن هذا لم يكن طارئًا عليّ، فمنذ سنة 2000، أنا، عوضًا من أن يأتيني الوحي بأفكار قصائد أو رسوم، راح يأتيني بأفكار سياسية، أو شبه سياسية، فمن أين لي أن أكون سياسيًا؟ من يصدق، شاعر مثلي عُرف بنرجسيته وذاتيته، يكتب في عام 2007 (السيناريوهات الثلاثة لنهاية الأبدية)! ولقد دفعت ثمن هذا الكثير، بالتأكيد ليس فقط عشرات القصائد التي لم أكتبها، وعشرات اللوحات التي لم أرسمها، بل أكثر بما لا يمكن حسبانه. هل أنا نادم على هذا؟ بالتأكيد لا. كيف لي أن أعترف بندمي علنًا أمام الجميع!؟

قلتُ، أنا أحتاج إلى صياغة أفكاري بكلمات حتى أصدق بها: “في 2011، لم أستطع أن أبقى كما أنا، كما لم أستطع أن أكون شخصًا آخرًا، وحقيقة لا أدري ماذا يعني قول كهذا، مثله مثل قول خطر لي اليوم حول ذات الموضوع: “هناك وقت لتصير شخصًا آخرًا، وهناك وقت لتبقى أنت”. بالنسبة إلي هذا شيء محوري في تجربتيّ الأدبية والحياتية على السواء، حتى إني عنونت مختاراتي الشعرية التي صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة- 2010: (…لأني لست شخصًا آخر)، ثم بعد هذا بسنة كان عنوان مختاراتي الثانية التي نُشرت كملحق في مجلة (انزياحات) اليمنية: (لا ريب أن لي وجهًا آخر)! ورغم أن كل شيء اليوم يدفع الإنسان السوري أن يحيا حياته يومًا بيوم، ولحظة بلحظة، وألّا يفكر سوى بخلاصه الفردي، فإني للأسف لم يكن بوسعي اختيار هذا الحل.

– آثرتَ البقاء في سورية، فبأي الأحاسيس تقارب أوراقك وألوانك، وأنت على تماس مباشر مع الكارثة والمحرقة المستمرة، كيف تكتب وترسم، وما هي المتغيرات التي طرأت على أدواتك؟

= بقيت، في البداية كي أكون جزءًا من التغيير الذي كنت آمله وأحلم بحصوله، كي أشهده وأعيشه وأحتفل به. ولكن بعدها صار هدف بقائي أن أكون جزءًا من الأشياء الباقية، من البشر الباقين رغم كل شيء. وربما من الغرابة أن تسمعيني أقول إنني بت أكثر انتماءً إلى شعبي وأكثر ارتباطًا بسوريتي خلال هذه السنين السبع أكثر من أي يوم مضى.

– هل الإبداع شكل من أشكال الخلاص الفردي، ولو لحين، وهل يملك فاعلية التأثير على الذائقة الجمالية للمتلقين في زمن الحروب والثورات؟

= كان إلياس مرقص يردد أمامي: “لا يوجد خلاص فردي”. وكنت أهزّ رأسي دون قناعة كافية، وأقول: “في بلادنا لا يوجد خلاص جماعي”. فيصحح لي بأنه رغم أهمية الظرف المادي الذي يحكم تفكير وتصرف البشر، فإن ذلك يعود لقناعة أو لطبيعة أو لمزاج كل منا. إذا لم نقل لأيديولوجية، ولا يهم هنا لو كنا نخبًا.. فلاسفة وشعراء وفنانين، أو بشرًا عاديين!

عندما قال لي صديق: “منذر، أنا لا أومن إلا بالفرد المتمرد”. أجبته لو أنني أستطيع الاكتفاء بتمردي الفردي؛ لكان كل شيء سهلًا بالنسبة إلي. فأنا اليوم: “أرسم بعشر ريش، أكتب بخمسة أقلام، آكل بثلاث معالق”.

عندما وافق سامي أحمد صاحب دار (تكوين) على طباعة مجموعتي (بولونيزات) و(محمد سيدة- هامش الهامش) وكلاهما كتابان غير تجاريين بالتأكيد؛ سألته: “لمن اليوم نكتب ونطبع كتبًا يا صديقي؟”، أجابني:”للا أحد، كما كان دائمًا، للا أحد معروف أو محدد، لأناس مجهولين لا ندري من هم، ولا من أين يأتون، لكنهم موجودون، ثق”.

كتبت على الصفحة الأولى في أول مجموعاتي (آمال شاقة – 1978): “أشد ما أكرهه في اليأس.. سهولته”. اليوم أكثر من أي يوم مضى، أجد أن التفاؤل واجب أخلاقي، ذلك لأنه حق، ودين، لأناس فقدوا كل شيء. لست أعمى إلى الحد الذي لا أرى به كيف ينحدر المكان ويهبط، وكيف ينحدر معه الناس العالقون به ويهبطون، لكن من بقي معهم، لا مفر له ولا خيار سوى التشبث بأي حبل أو غصن يطاله، لمحاولة إبطاء هذا السقوط وإيقافه عند حد، ومن ثم تسلق المنحدر والصعود شيئًا فشيئًا للحياة والمستقبل ثانية.

مقالات ذات صلة

إغلاق