هموم ثقافية

التغريب

ليس المقصود هنا ما ذهبت إليه القواميس العربية من معان: النفي والإبعاد عن الوطن، كعقوبة للجناة. وليس المقصود كذلك، الحركة الثقافية والفكرية المعاصرة التي سميت بـ “حركة التغريب” التي تدعو للثقافة الغربية، وتنبهر بها وتقلدها، وتعمل على استبدالها بالثقافة المحلية الأصيلة؛ بل المقصود هو المفهوم المسرحي، المرتبط بالكاتب والمخرج الألماني برتولد بريخت، الذي أطلقه في كتاب (الأرغانون الصغير للمسرح) ونشره عام 1948، مبيّنًا فيه نظريته في “المسرح الملحمي“، قافزًا، ليس فقط فوق منهج ستنسلافسكي؛ بل فوق منهج “التطهير” catharsis الذي أسسه أرسطو، في أقدم كتاب عن فن المسرح: (فن الشعر) الذي كرسه وتبناه ستانسلافسكي في منهجه “الاندماج أو المعايشة” الواقعي.

لقد صمد منهج التطهير أكثر من اثنين وعشرين قرنًا، وكان مسرحيو عصر النهضة ومفكروه، أول من حاول تجديده، بالتحرر من “قانون الوحدات الثلاث”، وطبيعة الصراع التراجيدي، أما بروز مفهوم الدراما النثرية وكتّابها الكبار، أمثال: إبسن وتشيخوف وسترندبيرغ وغيرهم، فكان له أكبر الأثر في الخروج عليه، وتحطيمه، من حيث الشكل على الأقل؛ حيث تم الابتعاد عن تقسيم المسرحية إلى تراجيديا وكوميديا، واستبدالها بالدراما، والاستعاضة عن الشعر بالنثر، والأبطال (الملوك والأمراء)، بأشخاص عاديين من عامة الشعب…الخ.

لكن مفهوم التطهير -في جوهره- بقي صامدًا، إلى أن نسفه بريخت بمفهوم “التغريب”. لقد اعتبر بريخت المنهج الأرسطي شكلًا من أشكال الاستلاب؛ أي هيمنة الفن على العقل، واعتبار الفن حقيقة مطلقة، نصدقها ونتأثر بها ونندمج فيها، في الوقت الذي يجب علينا أن نفهمها ونعيد التفكير في معانيها.

وإذا كان “الاندماج” (وسيلة التطهير، وأهم أداة من أدواته)، فالتغريب هو: إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها، سواء من حيث النص المسرحي أو أداء الممثل أو طريقة الإخراج أو وظيفة السينوغرافيا. وقد كان التغريب –بهذا المعنى- عدوًا للثابت، داعيًا للتغير وعدم التسليم بالحقيقة الواحدة “الواقعية”، كما تعودنا أن نراها، ومحاولة النظر إليها من زاوية أخرى، كما يراها الشاعر. وللوصول إلى هذا الهدف كان التغريب وسيلة المسرح الملحمي لكسر الإيهام، و”تثوير الواقع”، وذلك بتغيير طريقة التلقي، أي التفاعل مع العرض والمشاركة فيه؛ بحيث يكون المشاهد جزءًا منه، غير منفصل عنه، غير منفعل به، بل فاعل وشريك له؛ ويكون “التلقي” عن طريق العقل، وليس القلب والعواطف، كما يحدث في المسرح الأرسطي.

وقد أوضح بريخت، في أكثر من مكان، أن التغريب في المسرح، وسيلة وليس هدفًا؛ حيث بات في نهاية الستينيات “موضة” وتقليدًا أعمى، تناول القشور وابتعد عن جوهر فكرة التغريب والغاية منه. كما حدث في أغلب البلدان العربية، وبخاصة مصر وسورية؛ فالتغريب ليس محض خطاب مباشر يهدم الجدار الرابع! ولا جلوس الممثل في الصالة، وأداء دوره بين المشاهدين! ولا “البحبشة” في التراث المحلي عن شكل فولكلوري جديد للفرجة! بل هو فلسفة وتكنيك متكامل يتناول العرض كله. إنه استخدام مختلف وغير مألوف أو عادي، للنص والمكان والأغراض والشخصيات والكلمات… وذلك للفت الانتباه إليها وإثارة التفكير فيها، لا التعاطف معها وتصديقها! فإذا وضعت -مثلًا- حذاء باليًا فوق غطاء مائدة أنيقة، في مطعم راق؛ فسوف يكون هذا غريبًا، ما يثير التساؤل والتفكير، ويفتح الباب واسعًا على الخيال والاجتهاد..

التغريب إذًا أداة مسرحية، هدفها إثارة التساؤلات وكشف الحقائق وكسر الأوهام! وهو – في الحياة- يدربنا على دراسة الظواهر والتناقضات الاجتماعية والمعيشية السلبية، التي تنعكس على حياتنا، فيدفعنا إلى فهمها والعمل على تغييرها.‏

لا شك أن بريخت تأثر بمفهوم الجدل والاغتراب عند هيجل، وكان همه نقل الإنسان، من حالة اللاوعي إلى حالة الوعي، لكن تأثره كان أكبر بالفلسفة الماركسية. لكن ما يهمنا هنا، هو انعكاس فكرة التغريب على الفن. وإذا كان المخرج معنيًا بفلسفة العرض، فالممثل معني –دائمًا- بطريقة أدائه وتقديمه للدور. فما هو الفرق بين الممثل المندمج “التطهيري” والممثل “التغريبي، أو المنفصل، إذا صح التعبير؟

 

إن أفضل طريقة لفهم ذلك هي طريقة الدوائر؛ ففي منهج الاندماج ثمة دائرتان فقط: الشخص “الممثل” أو الفنان (ولنفترض أنه أحمد)، والشخصية “الدور” الذي سيؤديه (ولنفترض أنه هاملت)، ويجب على هاتين الدائرتين المنفصلتين أن تتحددا فوق الخشبة، في دائرة واحد، بحيث يصبح الممثل (أحمد) هو الشخصية (هاملت)، دون زيادة أو نقصان. ويتجلى نجاحه في تطابق هاتين الدائرتين؛ بحيث يذوب الممثل في الشخصية التي يؤديها! وهذا هو جوهر نظرية ستانسلافسكي الاندماجية.

أما في المسرح الملحمي، فقد افترض بريخت وجود دائرة ثالثة، مهمتها المراقبة، هي جزء من شخصية أحمد، تراقبه، ولا تسمح له بـ (الاندماج الكامل) في الشخصية، لكنها تراقب الشخصية –أيضًا- ولا تسمح لها بـ (الانفلات) من سيطرة الممثل.

هذا التكنيك الجديد في الأداء هو ما نطلق عليه اسم “التغريب” في التمثيل، ووظيفته كسر الاندماج، وفسح المجال أمام المشاهد لمراقبة ما يحدث والتفكير فيه.

قد يظن البعض أن التغريب أسهل على الممثل، من الاندماج في الشخصية، لكن الأمر ليس كذلك أبدًا! فهو يضعه أمام تحديات إضافية، لأنه يضيف إلى “الاندماج” مهمة جديدة هي القدرة على الإفلات منه والعودة إليه بفنية عالية. فقد يقوم الممثل بفك ربطة عنقه وشدها على جبينه، كي يهدئ وجع رأسه، بسبب خلاف حاد مع زوجته! وقد يقوم آخر بخلع شاربيه وذقنه أمام الجمهور في لحظة غضب أو إحباط.. وقد تمشي ممثلة على ساقين من خشب بطول مترين، يغطيهما فستان عرس طويل، تجره خلفها في لحظة حلم أو كابوس.. وقد يتحرك الممثل على عجلات، أو يطير في الفضاء أو يقف على رأسه… لكن هذا كله لن يكون مفيدًا إذا لم يكن مُتقنًا ومقنعًا، أي مبررًا فنيًا ونفسيًا، بحيث يؤدي إلى اقتراح بصري يثير الدهشة والتفكير؛ وهو غاية التغريب وهدفه الأول.

مقالات ذات صلة

إغلاق