مقالات الرأي

المعتقلون الملف الأكثر إيلامًا

هم في الحقيقة مختطفون ومغيبون قسريًا، وليسوا معتقلين، فأغلبهم لم توجّه إليه تهمة، ولَم يمثل أمام قاض طوال سنوات الاعتقال؛ وقد تبيّن، من خلال صفقات التبادل التي جرت، أن هؤلاء كانوا رهائن لدى عصابة أخذت دور الدولة؛ فبين طفل لا يتجاوز عمره ثماني سنوات، وبين مختلّ عقليًا، أو امرأة تجاوزت الستين من العمر، لا يمكن في حال من الأحوال توجيه تهم الإرهاب إليهم، بل الإرهاب هو تعريضهم للاختطاف والتغييب القسري والتعذيب، وتعريضهم لمحنةٍ قاسية وشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، في سجون النظام.

لكن لماذا فشلت المعارضة السورية والعالم بأجمعه في معالجة هذا الملف النازف على طول البلاد وعرضها، حيث لا يوجد سوري واحد من المناطق التي ثارت على النظام إلا تأثر به، من خلال اعتقال قريب أو شقيق أو صديق؟

أطلق النظام السوري، في بداية الثورة، على جموع المتظاهرين صفة “عملاء الخارج”، وقال إنهم طائفيون، ثم صرح رئيس الأمر الواقع بأن هؤلاء مقسّمون بين إرهابيين وبيئة حاضنة للإرهاب، كما قال “لدينا ملايين الإرهابيين”، وأطلق يد أجهزته الأمنية لاعتقال كل من تطاله يدهم، والتهمة كانت “إرهابي” أو “مُحرض” أو “مُمول”، وركز في البدايات على قطاع الممرضين والأطباء، بتهمة تقديم الدعم والمساندة لـ “الإرهابيين”، حيث كان النظام، حين عثوره على مركز طبي يُسلّط عليه كل وسائل إعلامه، كما لو أنه عثر على مفاعل نووي تحت تصرف الثوار.

ملف المعتقلين مذكور في قرار مجلس الأمن 2254، كشرط فوق تفاوضي، أي أن إطلاق سراح المعتقلين كان يجب أن يتم قبل عقد أول جولة مفاوضات في جنيف، إلا أن النظام ضرب عرض الحائط بهذا القرار الدولي، ولَم يُنفّذ منه بندًا واحدًا حتى اليوم، مُستندًا إلى اثني عشر قرار فيتو روسي، شجعته على الاستمرار في عنجهيته وصلفه وتهربه من تنفيذ القرارات الدولية، وكل ذلك كان مرافقًا لغض طرف أميركي بل تواطؤ ضمني، على الرغم من ارتفاع حدة الخطاب الأميركي بين الحين والآخر، فالولايات المتحدة لم تقم بأي عمل يُجبر النظام على تنفيذ القرارات الدولية، حتى تلك الضربة الجوية اكتشف العالم أنها لم تكن سوى مسرحية هزلية سخيفة، منحت النظام تفويضًا جديدًا بالقتل والإرهاب.

المسؤولية الجنائية والأخلاقية في ملف المعتقلين تبقى مسؤولية روسية بحتة، فلو أرادت روسيا تطبيق القرار الدولي؛ ما كانت بحاجة إلى أكثر من تهديد صغير للنظام، برفع الغطاء السياسي عنه في مجلس الأمن، لو كان فعلًا هو من يرفض إطلاق سراح المعتقلين، وليس روسيا هي التي تُعرقل إطلاق سراحهم.

في المفاوضات الأخيرة، بين قادة “الجيش الحر” وروسيا، طالب القادةُ بإطلاق سراح المعتقلين، وكان الجواب الروسي أن هذا الملف سيتم نقاشه في سوتشي، علمًا أن الملف موجود على طاولة سوتشي منذ نسخته الأولى، ولَم يتحرك قيد أنملة، وروسيا الدولة تكذب تماهيًا مع نظام السفّاح الذي بدأ منذ أيام إرسال قوائم تضم مئات الأسماء إلى سجلات الأحوال المدنية في القطر، كي يتم شطب أسمائهم من سجل الأحياء، وتسجيلهم في سجل الوفيات، وإن استمر الحال على هذا المنوال أيامًا أخرى؛ فسيكون النظام قد أنهى ملف المعتقلين دون ضجيج.

المسرحيات التي تقوم بها إيران و”جبهة النصرة”، بين الحين والآخر، تُمثّل المشاهد التراجيدية الأكثر وضاعةً وانحطاطًا في تاريخ البشرية، فماذا يعني إفراج النظام عن بعض الأبرياء الذين اعتقلهم بالأمس، وهو قادر على اعتقال أضعافهم غدًا، وترك معتقلي الرأي في سجونه، منذ سنوات ثمان!

سيبقى هذا الملف جرحًا نازفًا يُدمي قلب كل سوري، وسيبقى وصمة عار على جبين الدول والأمم التي صمتت، أو تلك التي وقفت عاجزة عن إطلاق سراح معتقل واحد، على مدار ثماني سنوات.

مقالات ذات صلة

إغلاق