أبحاث ودراسات

من الانقلاب إلى الثورة.. إلى الانقلاب على الثورة!

23 تموز/ يوليو 1952 كان يمكن أن يكون مجرد انقلاب عسكري، كغيره من انقلابات العالم الثالث، لكن جمال عبد الناصر حوّله إلى ثورةٍ تكالبت عليها قوى الشر في هذا العالم، ومع غياب جمال عبد الناصر؛ توالت الانقلابات العسكرية على تلك الثورة من أنور السادات إلى حسني مبارك، ولاح فجر الثورة مرة أخرى، في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، لكن انقلاب السيسي على الثورة كان بالمرصاد…

إلا أن ذلك الحدث كان له ما بعده؛ ذلك أن ثورة جمال عبد الناصر حالفها الصواب أحيانًا، فانتصرت وحققت وارتقت، وجانبها الصواب أحيانًا أخرى، فانتكست بالأخطاء والخطايا، ثم من داخل الثورة، بأدواتها بأجهزتها، انقضّت عصابات المرتدّين على “الثورة” تدميرًا، وتهشيمًا… لكن بعد 66 عامًا على 23 تموز/ يوليو 1952، ما زال الحدث وما ترتب عليه حاضرًا، البعض يعتبر أنه حدث بات من الماضي، يسعون للتخلص من تداعياته الإيجابية، وتضخيم السلبيات، والبعض الآخر -ونحن منهم- يبحث عن العبرة من التجربة تعزيزًا للإيجابي، وتجنيبًا للسلبي، فتواريخ الشعوب تبنى لبنة لبنة، ويرتفع البناء بالتراكم. هكذا قررنا أن ندخل إلى رحاب انقلاب 23 تموز/ يوليو 1952، ومن ثم ثورة جمال عبد الناصر، والانقلاب عليها، من باب مشاهد أدّت إلى الحدث، وأخرى من قلب الحدث، وثالثة من الردة، ورابعة من المستقبل المأمول.

( 2 )

إن الحديث عن الثورة يبدأ بالحديث عن جمال عبد الناصر الميلاد، والظروف الموضوعية المحيطة، ففي 15 كانون الثاني/ يناير 1918، بينما كان العالم ينفض غبار الحرب الأوروبية الأولى، كانت جيوش أوروبا الاستعمارية، في طريقها إلى الوطن العربي، تعزّز وجودها السابق، وتقتسم غنائم الحرب، ونحن -العرب- كنا الغنائم، جاؤوا يقطّعون أوصال الوطن “الأرض”، والأمة “الشعب”، إلى مستعمرات، تخدم أطماعهم، ويسمونها “دولًا”، جواسيسهم يكرموّن الخونة، من أبناء جلدتنا، فيبنون من جماجم الشهداء عروشًا لهم على اقتطاعات من وطن العرب، ومن أمة العرب. ليل عربي حالك السواد، لكن عرب الأرض، والتاريخ، في بيوتهم الطينية وأكواخهم يعدوّن للمقاومة، جنازير مدرعات الأعداء التحمت، بعظام الشهداء، الهجمة كبيرة والخسائر فادحة، لكن الأرض- الأم- العربية، ولادّة، تعوضّ الخسائر وأكثر، في تلك الليلة 15 كانون الثاني/ يناير 1918، وُلد عشرات آلاف الأطفال العرب، كان بينهم جمال عبد الناصر، في مركز الأمة “مصر الكنانة”، لكن ذلك المركز، في خريطة المستعمرين، أصبح “دولة معزولة” عن الدائرة الأم، والمركز بلا دائرة ليس مركزًا، والدائرة بلا مركز ليست دائرة، المهم أن جمال عبد الناصر وُلد وشبّ، في ذلك المركز التاريخي لتلك الدائرة التاريخية. المشهد من حوله مأسوي: الجنوب مقتطع لصالح ما يسمونه “دولة السودان”، يفتعلون فيها التناقضات، والجوع، بينما هي مستودع غذاء العالم. أما الغرب العربي، فمقتطع ثم مقطّع هو الآخر، إلى “دول” تحت مسميات مختلفة، وربما أشياء أخرى، هذا الغرب العربي هو الأقرب للمستعمرين، فليكن جزءًا منهم، أو على الأصح، جزءًا لهم، وإذا فشلوا؛ فلترسّخ الإقطاعيات، دولًا منفصلة، وهذا ما حصل. أما الشرق، فهو عقدة العقد، لكن لكلّ عقدة، عند ذلك الغرب الاستعماري المتحضّر المتقدم عنصريًا، حلًا، والحل هو إقامة مستعمرة صهيونية، على تخوم المركز من المشرق، وحول المستوطنة إقطاعيات، نبشوا حتى مستحاثات ما قبل التاريخ، لتكون أساسًا لدويلات، وأشلاء، لا حول لها ولا قوة، وهذا الشرق كان، وسيبقى دائمًا، بوابة مصر العربية، أما شمال مصر، فالبحر الأبيض المتوسط مكتظ بأساطيل دول الهيمنة الدولية، وفي السماء قاذفاتهم، تهدّد كل شيء، وأما باطن الأرض العربية، فقد غاصت إليه حفاراتهم، تستنزف كل شيء أيضًا، إنهم، باختصار، يقتلون أمّة، يمثلّون بمـا يعتبرونه جثتها التي فاجأت الجميع بأنها نابضة بالحياة، وأنها عصية على الموت. هذا هو المنظر العام، لأرض الوطن العربي، ولشعب الأمة العربية، التي أجهزوا حتى على اسمها، فأصبحت في قواميسهم : “منطقة الشرق الأوسط”، وفلسطين تبدّل اسمها إلى “إسرائيل”، ودولًا واقعية “فعلية تمارس كل فعيلة” بين المحيط والخليج، متعددة الأسماء والأشكال والحدود والحكام، وترفع نغمة الحديث، عن أعراق، وقبائل، وأديان، وطوائف، ومذاهب، هي بالأساس المكون الحضاري للأمة العربية، على أنها أمم مضطهدة تستحق كل واحدة منها الاستقلال التام عن بعضها البعض، وعن الأمة، ولكل منها حق تقرير المصير المنفصل، ثم عن طوائف، ومذاهب، وإثنيات يجب أن تقتتل، حتى الموت، فيما بينها!

( 3 )

المهم أن الأمة العربية، في منظورهم، تم تفكيكها، حيث يستطيع أي قائد عسكري استعماري أن يرسم خطًا على الخريطة، لتقام في اليوم الثاني عليه أسلاك شائكة ومخافر جمارك ومخابرات وشرطة وأمن عام وعَلم ونشيد، وحاكمٌ يصممّون له الأزياء التي تناسب مقامه الرفيع من الدشداشة إلى السموكن، رئيس أو ملك أو أمير أو سلطان وإلى آخرهم… ومن مهازل القدر أن يطلع علينا حزب سياسي يسمى بالمقاييس السائدة “تقدمي أممي”، ليقول إن الأمة العربية لم تفّكك؛ لأنها بالأصل غير مكتملة التكوين، وبالتالي فهي غير موجودة، ولم توجد أصلًا، ولا أعرف كيف يمكن أن نصل إلى الأممية، ونحن نهشّم الأمة التي ننتمي إليها؟!

ما يعنينا الآن أن الصورة تحت الأرض، بالقرب من الجذور، كانت تختلف عن السطح؛ الأمة تفككت هذا صحيح، أما في الأعماق فالأمة حية تقاوم تتحدّى في محنة. نعم الأعداء أقوياء، نعم الخونة كثر وعلى رؤوسهم التيجان، وتحت تصرفهم حكومات، وبين أيديهم إمكانات مخيفة؛ لكن الأمة لم تمت، كما توهموا، إنها تقاوم فتضحّي فتنجب لتكمل دورة الحياة العربية السرّية التي يصعب على كمبيوتراتهم فهم مكنونات هذه المقدرة على الحياة. حيث ما يكاد الأعداء يستقرّون على أنهم أزالوا الأمة العربية من الوجود، حتى يحدث ما يبدد أوهامهم.

( 4 )

هكذا، دون أن ندري ودون أن نقصد، انتقل بنا الحديث عن ولادة جمال عبد الناصر إلى حديث عن حياة الأمة العربية فهـل ذهبنا بعيدًا؟ لا؛ لأن جمال عبد الناصر واحد من الرموز المهمة، واحد من عصارة كبد الأمة أنجبته في ليل عربي حالك السواد أنجبته، بينما الأعداء ينظمّون مراسم دفنها عبر (سايكس-بيكو) و(سان ريمو) و(وعد بلفور) ومعاهدات تقسيم المغرب العربي والخليج العربي، لتصرخ في وجه العالم مع صرخة جمال عبد الناصر الأولى أنها هنا وأنهم يدفنون أوهامهم. ثم من “بني مر” في صعيد مصر إلى الفلوّجة في صعيد فلسطين، ولد جمال عبد الناصر من جديد، حيث الصحراء والأفق الممتد بعيدًا يتيح الرؤيا الشاملة للمشهد العربي؛ فالأوامر صريحة والأسلحة تطلق إلى الخلف، وحيث الحدود بين مصر وفلسطين وهمٌ كبير، وحيث المستعمرة الصهيونية تتكامل، من حيث الوظائف مع الأدوار التخريبية التي تقوم بها السلطات التي تسمى “عربية”. الصهيونية تشرف على التجزئة ودول التجزئة تشكلّ خط هدنة وحاجزًا بين جماهير الأمة العربية، وبين إنقاذ أرض الأجداد والأبناء والإخوة في فلسطين، وحيث المسرحية واضحة نصًا وتنفيذًا وإخراجًا، وحيث أصحاب الجلالة والفخامة أرسلوا جيوشهم لنجدة فلسطين، ظاهريًا؛ فعادت جيوشهم بعد تنفيذ المهمة، وقد قدمت للصهيونية دولة اسمها “إسرائيل”، داخل حدود هدنة يسعون الآن لترسيمها نهائيًا، عبر عملية مكشوفة لتبادل الأدوار الصهيونية، تبرّر للمستبدين استبدادهم في الوطن العربي؛ لأن الديمقراطية تأتي بعد التحرير! والاستبداد السلطوي يؤمّن استمرار وجود “دولة إسرائيل”، كدولة من دول جميعها غير مشروعة، فهي ليست عربية وإنما تتساوى بأنها شرق أوسطية.

ومن الفلوجة في فلسطين، إلى ثورة تموز/ يوليو في القاهرة، بدأ جمال عبد الناصر مسيرة التحدّي. في البداية بدأت قوى السيطرة الدولية، من قوى الاستعمار القديم إلى قوى السيطرة الإمبريالية الحديثة، تتعامل مع ما جرى في مصر على أنه “انقلاب عسكري”، ضمن موجة الانقلابات العسكرية التي يشهدها العالم الثالث، وأن هذه “العسكرتاريا” قد تكون غير ضارة لقوى الهيمنة الدولية. وبدأت موجات الجواسيس والدبلوماسيين تتدفق على القاهرة، لاحتواء “البكباشي” الحاكم، لكن الرجل كان مختلفًا. هنا بدأ جمال عبد الناصر يدخل ذاكرة الشعب العربي، وبقدر ما يقاوم ويرفض ويتحدى، كان الرمز يكبر، وبقدر ما كانت التحديات تكبر أمامه، كان يستكشف عمق الانتماء القومي ووحدة الأمة العربية؛ فكانت حرب السويس، وكانت الجمهورية العربية المتحدة، وكانت قرارات الاستقلال الاقتصادي، وكانت هذه الدعوة المستمرة للجماهير العربية لبناء أداة الثورة العربية والانتظام في صفوف “الطليعة العربية”، لبناء ثورة عربية شاملة…

( 5 )

لكن الأعداء لم يمهلوه؛ فكان انفصال الإقليم الشمالي عن العربية المتحدة، ثم كانت نكسة 67، لكنه مرة أخرى -من بين الأنقاض- رفع شعار المقاومة الصحيح: “لا صلح لا اعتراف لا مفاوضات”، و”ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”… إلى أن استشهد، اغتيالًا وغدرًا، قبل أن يحقق أهدافه، فلا الجماهير العربية أشادت بناء “الطليعة العربية” كأداة للثورة العربية، ولا أجهزة “الدولة الإقليمية” في مصر كانت الأداة المناسبة للانتصار في معركة الأمة العربية. بل كانت دائمًا وأبدًا سلاحًا بيد أعداء حركة التحرر القومي للأمة العربية، وفي مصر لم تشّذ تلك الأجهزة عن القاعدة؛ فما كاد جمال عبد الناصر يوارى الثرى حتى تحّولت تلك الأجهزة إلى أدوات فتاكة بأيدي القوى المضادة، تقود الردة عن الثورة، لقد غدرت الإقليمية بجمال عبد الناصر فخذلته في الداخل، وانقلبت عليه بعد ذلك وحاصرته إقليميات أصحاب الجلالة والفخامة من الخارج، على طول الأرض العربية وعرضها، وانقضّت قوى الأعداء تجهز عليه ثم على مشروعه التحرري القومي العربي التقدمي، بينما الجماهير العربية سلاحه الأساس والوحيد معّطلة عن الفعل الثوري؛ لأنها لا تمتلك أداة ذلك الفعل الثوري ولا أسلحته، فاكتفت تلك الجماهير بلطم الخدود وذرف الدموع، لكن قوى الغدر المحلية والدولية لم تكتف بما فعلته بجمال عبد الناصر وهو حي، فهي تصلبه كل يوم، منذ ذلك اليوم الأسود في 28 أيلول/ سبتمبر 1970 حتى الآن، لقد حملت الأجهزة الإقليمية (التي من المفترض أنها أجهزة جمال عبد الناصر) أنور السادات إلى الردة، ومن ثم إلى حفل الاستسلام الشهير في القدس المحتلة و “كامب ديفيد”، وهي بذلك عبّرت عن حقيقة انتماء أجهزة التجزئة العربية، فهي سلاح صهيوني في وجه الجماهير العربية، ولا يحق لأحد أن يُخدع بها والسلطة الإقليمية هذه، إذا اعتلى ناصيتها قائد قومي كجمال عبد الناصر، تتحيّن الفرص للغدر به والإجهاز عليه، ولا يحق لأحد من القوميين، بعد الدروس المتراكمة، أن يتوّهم غير ذلك، أو أن تخدعه هذه الأجهزة بأنها طيّعة وأنها ملك يديه، مهما تزلّفت له وانتهزت وانحنت ونافقت…إنه “السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي”، بكل أجهزتهم وأدواتهم، وهذا درس لا يحق لعربي قومي تقدمي أن يغفل عنه، فإن لم تبنَ السلطات في الوطن العربي في إطار المشروع النهضوي التنويري التحرري الديمقراطي العادل المنظم؛ فستمارس دورها القمعي والتدميري وستنشر الفساد والإفساد، وستدمّر مشروع التحرر والنهوض في نهاية المطاف، وستضيف إلى الطغاة التقليديين طغاة أكثر خطرًا…

هكذا؛ فقدنا جمال عبد الناصر الذات، وبقي لنا جمال عبد الناصر الموضوع والمشروع والنضال، وعلى الذين يحملون اسمه أن يتحرروا من الانتماء إلى الأجهزة الإقليمية في الوطن العربي، أيًا كانت الشعارات المرفوعة، فهي مخلب القط للقوى المافوية الدولية، وأن ينتظموا في خنادق النضال الشعبي القومي العربي التقدمي “طليعة عربية”، تحمل مشروعه ومشروع الأمة الحضاري التنويري، في بناء دولة التحرر والوحدة والاشتراكية والديمقراطية والعدالة والمساواة بين المحيط والخليج، هكذا يكون الانتماء إلى الأمة، وبهذا فقط يتم الاقتداء بجمال عبد الناصر، وما دون ذلك هو متاجرة رخيصة، وقد آن للجماهير العربية أن تغلق سوق النخاسة والنفاق، وأن تغلق دكاكين الاتجار برموزها وأبطالها التاريخيين وبخاصة جمال عبد الناصر.

مقالات ذات صلة

إغلاق