تحقيقات وتقارير سياسية

حلب تركية والجزيرة كردية ودمشق أسدية والجنوب أردني إسرائيلي

أثار تحقيق نشرته صحيفة (يني شفق) التركية، أمس الجمعة، تساؤلات كانت حاضرة بين السوريين، وبين المهتمين في الشأن السوري، عن احتمال تقسيم البلاد، لإنهاء الحرب عليها، أو كمقدمة طويلة لنهاية هذه الحرب.

مضمون التحقيق أن المستقبل القريب لسورية أن تكون أربع (سوريات)، على أساس عرقي ومذهبي يعكس مناطق السيطرة العسكرية شبه الثابتة، بعد مكيدة (مناطق خفض التصعيد) الروسية، التي قلصت قوة ونفوذ الفصائل المعارضة إلى مستوى متدنٍ عصيٍّ على الوصف، بعدما أجهز مؤتمر (الرياض 2)، بالتزامن مع ذلك، على (هيئة المفاوضات)، وعلى (الائتلاف) والهيئات السياسية المشكلة له.

نقلت الصحيفة التركية عن مصادر وصفتها بالمطلعة أن ما يجري من وراء كواليس هو مفاوضات تركية روسية، تهدف إلى انسحاب نظام الأسد من مدينة حلب ودخول القوات التركية إليها.

ونقلت الصحيفة عن عضو الائتلاف، والمجلس الوطني الكردي فؤاد عليكو، أن ملامح خريطة (الممر السُنّي) قد اتضحت، وهي مكونة من حماة وحلب وإدلب، بعد إخلاء بلدتي الفوعة وكفريا التابعتين لإدلب. وأشار عليكو إلى أن النصف الثاني من العام الجاري سيشهد بداية تشكيل مناطق نفوذ لصالح أميركا و(قوات سورية الديمقراطية/ قسد) في الشرق، وتركيا و”الجيش الحر” في المنتصف، وروسيا ونظام الأسد في المناطق الغربية والجنوبية.

لكن محللين آخرين أضافوا منطقة رابعة تضع درعا في عهدة الأردن، والسويداء والقنيطرة في عهدة “إسرائيل”، مرحليًا، قبل ضمها إلى أحد الكيانين على المدى المتوسط، أو الطويل.

منطقة سُنيَّة

ستضم منطقة الشمال، الموصوفة بـ “السُنيَّة”، حماة وإدلب وحلب وتل أبيض وجبل التركمان، كترتيب تركي ناجز مع روسيا. وهذا السيناريو المتشائم يتوقع أن تضم تركيا هذه الأراضي بحكم الواقع، وعبر قرارات دولية يجري التحضير لها مع أوروبا خاصة لإعادة استيعاب اللاجئين الذين تستعد أوروبا لترحيلهم، مقابل استثمار مالي في هذه المناطق يمنحه الاتحاد الأوروبي لتركيا دون مقابل.

ويستدل أصحاب هذا السيناريو على قوة خيالهم بعمليات تجنيس السوريين التي تتقدم فيها تركيا، إضافة إلى ما نلاحظه من ميل عدد كبير من السوريين إلى البقاء في تركيا، ممن بدؤوا “يفقدون الرغبة في العودة إلى مناطقهم التي وفدوا منها”، خاصة أن تعويم النظام الأسدي، أو الترخيص لميليشيات الفوضى، يقوي رغبة العزوف عن العودة.

جزيرة كردية أميركية

المنطقة الشرقية، أو الجزيرة، ستبقى تحت ظل تبعية إدارية أميركية فترة طويلة، وستكون (وحدات حماية الشعب) الكردية “الأمينة” على نصيب الأكراد في المنطقة، إضافة إلى المكونات العرقية الأخرى في المنطقة ما بين الحدود العراقية وتل أبيض، كشريط ممتد على الحدود بين محافظة الحسكة وتركيا.

سقوط الدولة الأسدية

يتوقع هذا السيناريو بقاء النظام الأسدي إلى حين اكتمال تنفيذ هذا السيناريو، ما بين دمشق وحمص وشمال محافظة اللاذقية وطرطوس وبانياس الساحل، لكنه سيختفي لاحقًا من خلال أحد مصيرين: القتل، أو النفي برعاية روسية. أما إيران فستخرج من سورية بموجب سيناريو التقسيم وملحقاته.

دومينو الفوضى

لن تقتصر الفوضى على سورية، وما يتبعها من لبنان، فما قالته وزيرة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الابن: غوندوليزا رايس، قبل 15 سنة، عن (الفوضى الخلاقة) جارٍ ترسيمه على الأرض، لكن ما جرى في سورية سبق حصد النتائج في العراق، على الرغم من السبق العراقي في الفوضى.

العراق مهيّأٌ لفوضى مماثلة، وإيران مستعدة لفوضى خلاقة. وما بينهما من دول الخليج ستتداعى حتى قبل نضوب النفط منها، بينما سيأخذ لبنان نصيبه، ومصر نصيبها، وليبيا. وعلى مدى أبعد، سيطال هذا السيناريو المتشائم كلًا من تركيا، والدول المطلة على بحر قزوين.

عودة اللاجئين إلى “سورياتهم”

أدنى التشاؤم القول إن معظم اللاجئين لن يعودوا إلى إحدى “السوريات” الأربعة، ومنتهاه أن موجات لجوء أخرى قادمة، نحو أوروبا، ودول الخليج العربي، بعد إرخاء قبضة نظام الكفيل التي حدَّت من كثافة توجه اللاجئين نحو دول الخليج.

ترتيبات التفاؤل

يقول عليكو، في حديثه إلى (يني شفق): إن “انتقال الإشراف على حلب إلى تركيا خطوة مهمة لبقاء سورية موجودة ومستقرة (…) وإن بداية المرحلة الجديدة التي تأخذ فيها القوى الشرعية على الساحة زمام المبادرة ستزيد من آمال الحل السياسي والعسكري والاقتصادي. ويجب اعتبار العمليات في دمشق وحمص ودرعا هي أكثر التدخلات وضوحًا، بشأن رسم ملامح مناطق النفوذ”.

وبذلك، يرى عليكو أن هذه الترتيبات ستؤسس لمناطق نفوذ على فترة متوسطة، أو مديدة، وليست سيناريو تقسيم نهائي يجعل من سورية أربع سوريات، لكنه عند الحديث عن إعادة الإعمار يثق بتركيا أكثر مما يثق بقدرة النظام الأسدي في المنطقة (السنية): “لا يمكن حل هذه المعضلة سوى بضمان دولة قوية كتركيا، والنظام وروسيا وإيران يدركون هذه الحقيقة”.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق