قضايا المجتمع

رسائل الأسد.. تفكيك شيفرة التنمية

تقلّصت جبهات الصراع، على إثر توصل فصائل المعارضة في جنوب البلاد إلى اتفاق، يقضي بوقف المعارك وانسحاب مقاتليها نحو الشمال.

وفق حكومة الأسد، فإن الفصل الأخير من الحرب التي مضى عليها أكثر من سبع سنوات، قد أشرف على نهايته. ويعمل الفريق التقني الحكومي على إطلاق “عملية تنموية شاملة”، تشمل تأمين مستلزمات الإنتاج، وتحسين أوضاع المدن الصناعية، لاستقطاب شركات الاستثمار ورجال الأعمال، والمباشرة بإصلاح إداري ينهي زمن الفوضى والفساد!

تنطوي المضامين السابقة، على إشارات يمكن اختصارها كما يلي: بمعزل عن تداعيات الحرب وتفكيك آثارها وقياسها منفصلة، ثم تحديد عواقب استمرارها؛ فإن التنمية ترتبط، في المعنى العام، بمتلازمة أساسية: الحوكمة والشفافية والنزاهة؛ حيث يمهد توفرها الطريق لاستثمارات ناجحة تزيد إنتاجية المجتمع، وتخلق فرص عمل جديدة، تدفع جميعها عجلة النمو نحو اتجاهات صحيحة.

في ظل فساد هرمي متنوع، ينظر إليه كممارسة مشروعة، لا تبدو رأسمالية القلة الحاكمة في دمشق، التي تتجمع الموارد والسلطة بين أيدي أفرادها، معنيةً كثيرًا بتعظيم النمو والتنمية، بقدر ما تعنيها رفاهيتها الخاصة، واستحواذها على مكامن الربح، وتحويل مخرجاتها إلى حسابات مصرفية خارج البلاد.

يوفر التقويم الموضوعي لهذا المشهد، وغياب متلازمة التنمية (وهي ركيزة نجاح أي خطة من هذا القبيل)، عن بلدٍ ما يزال يفتقر إلى الحوكمة والحياة السياسية المنفتحة على الآخر، والديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، فرصةً معرفيةً، تزيد قناعتنا بأن الأوليغارشية التي تحكم دولة الأسد لا يمكن لسياساتها أن تتوافق بحال مع هدف التنمية الأساس: رفاهية الشعب. وأن الترويج الحكومي لنهضة الاقتصاد هو -بكل تأكيد- مجرد تكتيك استراتيجي، يهدف النظام من ورائه إلى خلق شعبوية محلية، ومناطقية، يدعم بها قائمة مؤيديه.

تربط حكومة دمشق حديثها التنموي، بعودة الاستقرار إلى عموم البلاد، مستفيدة مما تصفه “انتصارات ميدانية حققها الجيش بمساعدة حلفائه”، وتقرن الاستقرار بعودة مؤسسات النظام للعمل، داخل مناطق بقيت حتى فترة قريبة خارج سيطرتها، كما تبشر بانفتاحها الكلي على أنشطة الأعمال، ورأس المال الخارجي، وتوفير بيئة شفافة خالية من الفساد.

إن الصورة التي يتمّ ترويجها عن هذه البيئة يكشف أبعادَها خبرٌ صغيرٌ، أعلنه الموقع الرسمي لرئاسة الحكومة، يوم 15 تموز/ يوليو الجاري، ومضمونه قيام حملة ضد البضائع المهربة والمزورة والمجهولة المصدر، ومن ضمنها منتجات غذائية يقال إنها لا تصلح للاستهلاك. أحد متابعي الموقع علّق متهكمًا: “اقطعوا رأس الأفعى، ولا تكتفوا بِعَضّ الذنب”. وكتب آخر: “بلا كذب، كما العادة، هناك أحد الوزراء قد أتم صفقة، ويريد تسويقها”. وتساءل ثالث: “أليست البضائع والمواد المهربة تدخل عن طريق مسؤولين فاسدين!”.

نقلت جريدة (الوطن) -وهي صحيفة يومية موالية وشبه رسمية- في إطار متابعتها، على لسان مراسلها في حماة (وسط البلاد)، اقتصار الحملة على صغار التجار وأصحاب البسطات، الفقراء، ممن يعيلون أسرهم منها، وغضت الطرف عن مستودعات تعجّ بكل أنواع المهربات في قرى شمالية قريبة من المركز (لم تطلها الحملة لكونها محمية، أو مدعومة)! يقول المراسل: “تساءلنا عن سبب عدم استهدافها؛ فقال لنا أحد المصادر في الجمارك بصراحة: إننا لا نملك إجابة على هذا السؤال”.

(تبلغ قيمة المواد المهربة شهريًا، بحسب تقرير أعدته اللجنة المالية في الهيئة العليا للبحث العلمي -وهي لجنة حكومية- نحو 250 مليون دولار).

في العام 2005، تبنى أعضاء المؤتمر القطري السابع للحزب الحاكم، فكرةَ مواجهة الفساد، وطالبوا بحضور الأسد بتشكيل لجنة تضع آليات فاعلة لمكافحته. وبعد مضي 13عامًا، لم يأخذ الطلب طريقه إلى التنفيذ، وبقي مجرد مقترح (إعلامي دعائي) مؤجل، أضيف إلى مطالب أخرى كانت ضاغطة آنذاك، مثل وقف العمل بقانون الطوارئ، وإصدار قانون تشكيل أحزاب سياسية خارج إطار الجبهة الوطنية التقدمية، وهيمنة الحزب القائد للدولة والمجتمع.

يخطط الأسد، بتوافق دول مؤثرة في ملف الحرب، من أجل بقائه. ومن أجل نجاح مسعاه، يرسل إشارات تطمينية سياسية واقتصادية، تقدمه كرئيس إصلاحي، يستعد لإطلالة جديدة أعيد إنتاجها على عجل.

ومهما اتسقت تفاصيل هذا المسار، وهناك عوامل كثيرة من المرجح أن تعرقله؛ فإن الذي فشل في تنفيذ الحد الأدنى من الإصلاحات، خلال العقد الأول من رئاسته، وأغرق فشله البلاد في أتون حرب دموية مكلفة، سيفشل بكل تأكيد في تقديم نفسه من جديد، ليس نتيجة حماقة دفعته إلى ارتكاب جرائم موصوفة ضد شعبه، فحسب، بل نتيجة أداء وتطبيق ووقائع تؤكد، بطبيعة الحال، عدم أهليته لقيادة بلد ينظر إليه سكانه على أنه مجرد قائد ميليشيات طائفية، لا يهمه غير الاحتفاظ بالسلطة.

مقالات ذات صلة

إغلاق