مقالات الرأي

تأصيل الاستبداد

الإشكالات الكبيرة التي طالت دول الربيع العربي، وما أفرزه الواقع من حقائق تُجافي مطالب الحراك الشعبي وتبتعد عن أحلام وتطلعات المواطنين معيشيًا وحياتيًا، عبّدت الطريق أمام طيف من الكتّاب لطرح آرائهم وتحليلاتهم التي تعمل على تزييف الوعي العام، وتدسّ السمّ بالعسل، عبر تحميل الشعوب التي ابتلعت ذلّها وتهميشها قرونًا طويلة مسؤولية الخراب.

سُبّحة طويلة من الآراء المترابطة، وفق سلسلة واحدة أساسها تأصيل الاستبداد، صارت أكثر وضوحًا وجذبًا، وأخطرها التي تقول “هذه البلاد لا تصلح للديمقراطية -الخصوصية الثقافية العربية لا تقبل الحرية- الديكتاتورية أفضل من الفوضى والدمار”، وصارت تساق كحقائق لا غنى عنها، نتيجة انفجارات الحروب في ليبيا واليمن وسورية التي شكّلت دموية حربها وتشعّباتها، والعجز عن استنباط الحلول، مدخلًا لتعويم مثل هذه الآراء التي تفعل فعل الطلقات في دفع الشعوب المضطهدة إلى الانكفاء عن المطالبة بحقوقها.

التسابق على تسويق فكرة أن هذه البلاد التي لا تصلح للديمقراطية، واعتبار الديمقراطية بداية للمحاصصات الطائفية والإثنية، اعتمادًا على التجربة اللبنانية، يشكّل تعاميًا عن جملة حقائق، أهمّها أن الديمقراطية -بوصفها شكلًا من أشكال الحكم- لا ترتبط بمنطقة دون غيرها من العالم، وأن هذه البلاد عرفت عبر تاريخها أوّل برلمان سياسي في تاريخ الإنسان المدوّن في حدود 3000 ق. م في سومر، وقد كان مؤلّفًا من مجلسين: “الأعيان والعموم” الذين يتشاورون في إدارة شؤون البلاد، ويقع على عاتقهم اتخاذ القرارات التي يصادق عليها الملك، وأن هذه البلاد عرفت في عصر الخلفاء الراشدين “نظام الشورى”، كنظام شبه عادل، وبمعنى مجازي: شبه ديمقراطي، يقوم على استشارة الشعب أو نوّابه. كما عرفت الأقطار العربية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت مجالس نيابية ودساتير كان من الممكن أن تمثّل بذرة للديمقراطية، وفشل هذه التجربة لم يكن ناتجًا عن خصوصية المنطقة وشعوبها، إنما عن غياب الوعي والقوى السياسية القادرة على إنجاحها.

مما لا شك فيه أن المنطقة العربية تثير الكثير من الجدل في ما يتعلق بالحريات والحقوق والديمقراطية، كونها مجتمعات أبوية مُسيطرًا عليها داخل حلقة مفرغة تولّد التبعية الفردية للأقوى، وتمنع الإحساس بالتميّز والاستقلالية والمطالبة بالحقوق، وتعزّز حالة الخضوع الفردي التام للتيارات الفكرية السائدة في المجتمع، سواء أكانت تيارات دينية أم أعرافًا اجتماعية، تساهم في الحسم واتخاذ القرار وتحديد المنحى العام للتفكير، وغالبًا ما ينظر إليها باعتبارها قضية خصوصية ثقافية عربية أو قضية هوية بمعنى التمايز عن الآخر الغربي، ولكنها في حقيقتها أقرب ما تكون إلى رِدّة الجماهير وانكسارها أمام قوى التسلّط المختلفة التي أنتجت بنية مركّبة تتزاوج فيها العبودية والاستبداد، لتقدّم شكلًا متكيفًا مع كارثة الطغيان. فالجدران العالية لمفهوم الخصوصية الثقافية التي يتحالف على تسويقها خليط غريب من خطابات ماركسية تقليدية وإسلامية وقبلية وحكومية، أصبحت عبئًا ثقيل الوطأة على الـمجتمعات والأفراد في الـمنطقة العربية؛ حيث إنها تعوق انتماء الفرد إلى وطنه وتعوق انتماءه إلى عالـم اليوم وحراكه الاجتماعي والثقافي، والأخطر من ذلك أنها صارت أداة فعّالة للدفاع عن كل جوانب التخلف والاستبداد.

الكارثة الحقيقية في مجمل ما وصلت إليه البلدان العربية تكمن في هيكلية الدول التي ابتعدت عن التغيرات الإنسانية الكبرى، وفي أنها حُكمت طوال عقود، بالحديد والنار، من قِبل دكتاتوريات مختلفة الأنماط، بنَت ممالكها ورسّخت وجودها عبر فرض شرائعها المبنية على جهل وخوف الشعوب وسلبهم حرياتهم، وتدفع الناس إلى البحث عن الهويات الصغرى والتاريخية، في محاولة يائسة لمواجهة الواقع المهيمن؛ فتعود العشائرية والقبلية والطائفية، وينتشر الفكر الديني وسفك الدماء تحت شعارات تكفيرية، وسط شعوب لم تؤهلها مسيرتها لخوض قفزات نوعية وتطورات حياتية تنتج جيلًا جديدًا من العلاقات والمفاهيم لكسر حلقة التسلّط. هذا ما شهدناه عقب احتلال العراق، وما شهدته سورية عقب ثورتها في الممارسات التي تشير إلى بروز دكتاتوريات بالجملة، تمارس سلطتها تحت غطاء الثورة أو الدين أو الوطنية أو المذهب والطائفة. فالدكتاتورية الكامنة في أي منظومة فكرية، أديانًا أو أيديولوجيات، لم تشكّل بديلًا صالحًا نحو الخلاص، ولن تنهي الفوضى كما يدّعي البعض، عبر مقولة “الديكتاتورية أفضل من الفوضى”، إنما هي استمرار لأمراض الواقع واستقدام لديكتاتور آخر يدوس على مشروع بناء دول حداثية، والضامن لمواجهتها هو يقظة الشعب ونُخبه، وحرصه على ألا يظهر ديكتاتور، سواء أكان فردًا أم طبقة أو جماعة؛ ما يوجب التأسيس السليم للمجتمع المدني، والظهور القويّ للأحزاب والمجالس النيابية ومراكز القرار اللازمة لإدارة شؤون المجتمع والدولة، لتساهم في بناء آلية للتداول السلمي للسلطة وتأصيل النظم الديمقراطية، وهذا يتطلّب جهدًا مضافًا لتغيير المفاهيم والأفكار والثقافة ونزع بذور الديكتاتورية المستترة، فسقوط الديكتاتور لا يسقط الدكتاتورية.

حالة الإحباط، نتيجة الأوضاع السياسيّة المضطربة التي سادت بعد تسونامي الثورات، والانتقال من المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية نحو هاوية الفوضى والاحتقان الطائفي والسقوط في مستنقع الاقتتال، دفعت عددًا من السياسيين ومدّعي الثقافة إلى تصوير حراك الجماهير كخطيئة ومؤامرة، وأنه حراك أسود يُقاد بأيديولوجية دينية إقصائية متطرّفة، لاقت رواجًا لدى تيار واسع من الأقليات الخائفة والعلمانين الرافضين للدولة الدينية. وهو تعامٍ مقصود عن أسباب اندفاع هذه الشعوب لتنادي حريتها، وتسويقًا للاستبداد والمستبدّين، وكأنه كُتِب على الشعوب التي لم تذق طعم الحرية والديمقراطية أن تغضّ الطرف عن كل ما يمارس بحقّها، وتعمل جاهدة لإطالة عمر شاهنشاهات أو سلاطين أو رؤساء، وكأنه قُدِّر لهذه الشعوب أن تبقى ضحية لنِير الدكتاتوريات دون أن ترفع صوتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق