أدب وفنون

“أعطوا ما لقيصر لقيصر…”

على الرغم من خبراتي في السفر، وقعتُ في “مطبّ” الاستسلام ليقينية العادة! وبسبب ثقتي المبالغ فيها، في معرفتي بتفاصيل المطارات وممراتها المتعرجة والمتداخلة، أصبحت أضحوكة بنظر نفسي، وخسرت خسائر مادية غير قليلة، قياسًا إلى ميزانيتي المتواضعة.

قبل مرور الذكرى الثانية لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، بخمسة أيام، كنت مرة أخرى، في مطار أتاتورك، قاصدًا سويسرا. قبل عامين، مساء يوم الانقلاب، غادرت إسطنبول إلى سويسرا، ما دفع ببعض السوريين المقيمين في تركيا، إلى اتهامي “بالمساهمة في الانقلاب!”، وبما أني كنت سليل “عسكريتاريا” الأسد، لم أستطع نكران “التهمة الباطلة”؛ فأبي كان شرطيًا، لبعض الوقت، في ظل سيادة “القائد الخالد”! وأنا كنت معلمًا مشاغبًا في عهد “البوط العسكري”، قبل استضافتي في منتجع “المزة”، ومن ثم صرفي من الخدمة مع أخي الكبير، ولكل ذلك كانت “نظرية المؤامرة” تنطبق علي، وكأنني أنا من حاك خيوطها، فاستسلمت لتهمة السوريين-الأتراك، الظالمة، دون مقاومة.

هذا العام، فتحت بريدي الإلكتروني لأجد فيه رسالة من سويسرا، تتضمن بطاقة سفر من تركيا إلى سويسرا، مدفوعة الثمن، ذهابًا وإيابًا، غير قابلة للإلغاء، وتحتها سطر واحد ينص على قبول الدعوة أو رمي البطاقة في سلة المهملات، فما كان مني إلا القبول بها، والتضحية بعزائم السوريين-الأتراك اليومية المجانية، مستبعدًا احتمال الاتهام بالمؤامرة، لأن الانطلاق سيكون هذه السنة، من مطار “صبيحة” الآسيوي، وليس من مطار أتاتورك الأوروبي الذي احتل العسكر الانقلابيون مدارجه قبل سنتين، بعد مغادرتي له بساعات، فنمت ليلة العاشر من الشهر، على وسادة من “حرير” صيني، واستيقظت على صوت تركي ينادي باسمي “مايكل”، يطالبني بالصعود إلى طائرة مغادرة، ولما كان سمعي ضعيفًا، على عادة “الختايرة” الشكاكين، فقد قلت لنفسي: إنهم يقصدون غيري، فمن أين لهم أن يعرفوا اسمي؟ هذه “مؤامرة” جديدة، تريد إبعادي عن الباب المخصص لسفري، ومع ذلك نظرت إلى بطاقتي التي تحمل رقم الباب الذي سأصعد منه إلى طائرتي، فوجدته يختلف عن رقم الباب الذي تم الإعلان عنه، فابتسمت “بخبث”، وأسعدني ذكائي، وغفوت على وسادتي الحريرية، ولم أستيقظ إلا بعد مغادرة الطائرة.

لم يجدِ صراخي بالعربي وبرطمتي بالفرنسية، ففي كل تركيا من الصعب، بل من النادر أن نجد من يتكلم الفرنسية، حتى في مكاتب شركات الطيران، في بلدٍ عدد السائحين فيه تجاوز هذا العام ثلاثين مليونًا، ووجدت نفسي، رغمًا عني، أستخدم لغة الخرسان لشرح مشكلتي، والتهديد بالصراخ، للقول إن مسؤولية خسارتي لبطاقة السفر، تقع على عاتق الشركة “الشاحنة”، وإن صاحب الدعوة السويسري سيتقدم بشكوى إلى “السيد دي ميستورا”، أو إلى مكاتب حقوق الإنسان، أو مكاتب اللاجئين السوريين-الأوروبيين هناك، علما أنني لست من الناشطين السوريين، إلا في مجال العلاقات الإنسانية بين السوريين، غير المعترف بها. أخيرًا، رأفَت بحالي موظفة تركية تحمل الجنسية الكندية، التي تتكلم الإنكليزية، ففهمت لغة الخرسان الفرنسيين، واستصدرت لي بطاقة جديدة، مع دفع غرامة 250 ليرة تركية، فهدأ غضبي، بعد أن “كسّرتها” إلى العملة العالمية التي يفهمها كل البشر، ووجدت أنها تعادل نحو 50 دولارًا، وهو ثمن “نصية” عرق في مطاعم تقسيم، فدفعتها، وأعلمت الداعي: أن عليه تعويضي الخسارة، فوافق مشكورًا.

أخيرًا، وصلت إلى بلد المال وحقوق الإنسان، ووجدت من يستقبلني في المطار، مع مخطط لزيارة بعض المناطق السويسرية في جبال الألب، وتلقنت درسًا في ضرورة تعلم اللغات، وبخاصة الإنكليزية، وسخرت من كسلي في اكتساب اللغات، وخاصة التركية منها، فبعد أكثر من عام أمضيته في بلاد بني عثمان، لم أستطع فيه تعلّم حتى الأرقام التركية، على الرغم من ممارستي للعب طاولة الزهر، مع “زكريا” ساعات عدة كل يوم، كنت أكرر خلالها الأرقام التركية والفارسية والكردية، ولكن دون محاولة استخدامها في الواقع، وبقيت “مسيحيًا” مسالمًا وجاهلًا، يعرف الأرقام الفرنسية، ويقول: “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”، ودفعت ثمن جهلي، دون “مؤامرة” كونية!!

مقالات ذات صلة

إغلاق