تحقيقات وتقارير سياسية

أزمة القوميين وتناثرهم

يُعتبر الاتجاه القومي الغائبَ الأكبر في “ثورات الربيع العربي”، ويصرّ كثير من رموزه القديمة على أن هذا الغياب مفتعل، بفعل فاعل، وغالبًا ما يعزون السبب إلى الآخر الخارجي، أو الخصم المخالف لهم، والقليل منهم يعترف بالعامل الذاتي الذي كان خلف الغياب والتشتت بشكل رئيس، ووجود حركات قومية في أقطار عربية متعددة تناصر أنظمة الاستبداد، وتقف ضد حقوق الشعوب وحريتها، كما هو الحال في الموقف من الثورة السورية.

في مطلع عام 2012، عُقد في القاهرة “مؤتمر المنبر الديمقراطي”، كمحاولة لتجميع الديمقراطيين، وحضره عدد من رموز الاتجاه القومي معظمهم من أصول بعثية، ومن مدارس البعث المختلفة، وكان الهدف البحث عن صيغة لإحياء التيار، أو الاتجاه القومي، واعتبار غيابه نقيصة كبيرة في الثورة، وواجب حضوره وبشكل سريع.

طُرحت أفكار كثيرة ركّزت على الضرورة، والسرعة، وأهمية نهوض التيار القومي وسدّ فراغ كبير لا يمكن لأحد أن يملأه غيرهم، والقليل تطرّق للأسباب الداخلية الكامنة وراء هذا الوضع، وحصائل التجارب التي كان القوميون مسؤولين عنها، ونظرة الشارع إليهم، خاصة الأجيال الجديدة التي تربط بين الاتجاه القومي وحكم الطاغية الأسد ووريثه، وتعيد جميع المآسي للبعث المحكوم، الذي ما يزال النظام الفاشي، الاستبدادي يتلحفّ به ويزيده توسيخًا، ومسخًا، وتآكلًا.

قبل هذا كله، أي قبل مرحلة الأسد وحكمه لسورية عقودًا، وتجربة البعث “الآخر” في العراق لم يكن حكم البعث، الذي يُعدّ أشهر وأقوى التنظيمات المحسوبة على الاتجاه القومي، ملبيًّا لآمال الناس، ومنهم كثيرٌ من البعثيين، والأمر يتجاوز المسألة الديمقراطية -على أهميتها- إلى عموم الممارسة، بل إلى جوهر الفكر الذي أكدت وقائع الحكم أنها اختلاطية، يمتزج فيها الحلم بالواقع، والرغبوية بالحقائق، ومحاولات ليّ الوقائع لصياغة أفكار عامة عن الأمة، والقومية، والعرب والعروبة، وموقع الدين منها، خاصة الدين الإسلامي بتلك الشربكة التي لم تكن واضحة خيوطها، خاصة عند النظام العراقي الذي حاول توظيف الدين في خدمة الحكم، ومحاولة منافسة إيران بحكمها الإسلامي الشيعي، بآخر شبيه يرتكز على السنة بشكل رئيس.

المسألة الديمقراطية التي اعتقلت تحت مبررات مستنسخة من التجربة السوفيتية كانت الغائب الأكبر، والإشكالية الأهم في الخلخلة والسقوط، وقد تراكب الفكر اليساري مع مخزون الاستبداد الشرقي، ومقولة “المستبد العادل” لإنتاج أحادية تقدّس الفرد، وتمنحه صلاحيات شبه مطلقة، وكانت تجربة العراق صارخة في هذا الميدان، تنافس حكم الطاغية الأسد في هذا الجانب.

لعل هزيمة حزيران/ يونيو في كل من مصر وسورية كانت اللطمة الكبيرة لكل الشعارات والأفكار المطروحة، وقد ألقت بها أرضًا، وكشفت عوراتها ونقائصها، وبعدها عن الواقع. وفي حين أن جهد عبد الناصر لإجراء تغييرات كبيرة في الجيش، وممارسة حرب الاستنزاف، والإعداد الجدّي لاستعادة سيناء على قاعدة القرار 242، ثم وفاته الفجائية قد جعلت نظرة العديد من العرب أقل حدّة منها لحكم البعث قبل حافظ الأسد، ثم لمرحلة الأسد وموبقاتها.

البعث الحاكم، أو الواجهة في سورية، وهو يتلقى هزيمة نكراء لم يقم بالمطلوب منه في إجراء مراجعة جدّية وشجاعة، وفي محاسبة المتخاذلين والهاربين، لمسار الحرب ونتائجها، والقيام بتغييرات جدّية مطلوبة كاعتبار المرحلة مرحلة تحرر وطني، وغيلاء احتلال الأرض موقعها الرئيس، وليس إطلاق شعارات كانت مجال سخرية ورفض عموم الشارع العربي عن “فشل العدوان في تحقيق أهدافه في إسقاط النظام الوطني، التقدمي”، والذي كان يعيش سقوطًا داخليًا تتوّج في انقلاب الأسد الصريح والخبيث، والمشبوه، على العكس كان التبرير والهروب للأمام هو النهج المعتمد، وتكريس العقل الأحادي الذي يرفض مشاركة الآخر السياسي والشعبي في الحكم، ويصرّ على الاستفراد بالحكم، وعلى تلك النظرة الاستخفافية بالقوى السياسية الأخرى وبفعاليات الشعب.

بغض النظر عن وطنية القيادة، فأمور الحكم والوطن أكبر وأهم، والناس لا تلتفت إلى ذلك ولا تهتمّ به، طالما أنها مسحوقة الحقوق في التعبير والرأي وحرية الحركة والعمل، وطالما أن الأهداف تبدو بعيدة عن الواقع وكأنها للاستهلاك، وهو ما يشكل أكبر خطر عليها حين تكون الوسائل دونها، فيتم قتلها تحت رفع راياتها.

تواجه الاتجاهات القومية إرث ممارساتها الحقيقية، وتلك التي يتمّ توظيفها من قبل الخصوم وفيها كثير من المبالغة والفبركة والخبث، حيث إن حضور أو عودة تلك الاتجاهات إلى الساحة السياسية لن يكون سهلًا، ويحتاج إلى كثير من التحضيرات، وفي الأساس منها استعادة شيء من ثقة الناس، ومن المصداقية.

لا تكفي الأمنيات والرغبات وحدها، ولا لوم الآخر، بل يجب أن تكون البداية من خلال إجراء مراجعات جدّية، وعمليات نقد شجاعة للممارسات السابقة، وللأفكار التي أثبتت الوقائع والتطورات خطأها، أو عدم قابليتها للتحقيق.

تحتاج الساحة السياسية إلى وجود جميع الاتجاهات، والتيار القومي رئيس فيها، ولكن كي يكون فاعلًا، وقابلًا للحياة لا بدّ من التأسيس لخطاب جديد، يغادر ذلك الخطاب التقليدي الذي تجاوزته الأحداث، والذي لا تتقبله الأجيال المتتابعة، خصوصًا أن الهوّة كبيرة بينها وبينه، ومع رموز التيارات القومية الذين باتوا في عمر الشيخوخة، وما زال بعضهم متمسكًا بموقعه، يرفض عمليات التداول الداخلي، وتكريس ديمقراطية صادقة في الحياة الداخلية ومع الآخرين.

المراجعة مقدمة للملمة صفوف التيارات القومية، عبر صيغ قابلة لإحداث توافقات بينها على اختلاف تمايزاتها وتشكيلاتها، علّها تحدّ من التناثر والتشتت، وتضع جهود الجميع في مجرى النضال الديمقراطي والوطني، لنصرة الحرية، والنظم التعددية.

مقالات ذات صلة

إغلاق