تحقيقات وتقارير سياسية

بعد درعا هل ستكون محافظة إدلب الساحة المقبلة؟

بعد التخلي الأميركي الواضح والفاضح عن الجنوب السوري، وإعادة الهيمنة الأسدية على كل درعا، عبر اتفاقات سُميت بالمصالحة، لكنها أقرب إلى الاستسلام، وتثبيت الاحتيال الروسي تحت هذه المسميات وسواها؛ جاءت التصريحات اليوم لتتحدث عن إدلب، وما يمكن أن يحصل من تخلٍ، إذا ما قرر الروس والنظام السوري وإيران التوجه إلى المحافظة التي ما زالت تعيش تحت تخوف، قد لا يكون بعيدًا من تغول أسدي بات قاب قوسين أو أدنى. حول ذلك الموضوع، سألت (جيرون) بعض الباحثين والكتّاب: هل ستكون محافظة إدلب محطة العدوان الأسدي والروسي القادمة؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة بالنسبة إلى إدلب؟

عبد الله لبابيدي أستاذ جامعي قال: “كلنا يعلم أن الأتراك اليوم هم شركاء للروس والأميركيين في الشمال السوري، على امتداده الواسع؛ فالأتراك يتمتعون بوجود عسكري عبر 12 نقطة مراقبة منتشرة، حسب اتفاق خفض التصعيد، وبحاضنة شعبية، ولا سيّما أن معظم الفصائل تنضوي تحت إمرتهم، ولكن تبقى معضلة (هيئة تحرير الشام/ النصرة) هي المشكلة الأكبر؛ حيث العقوبات الدولية مفروضة عليها، وضغط المجتمع الدولي للتخلص منها كبير، إضافة إلى وجود المقاتلين الأجانب الذين تتمنى دولهم التخلص منهم، وعدم عودتهم، لذلك يبقى الترقب سيد الموقف سياسيًا”.

رأى لبابيدي، في حديث إلى (جيرون)، أن “الأتراك لن يقفوا مكتوفي الأيدي، حيال حصول أي عدوان روسي، فجيش الأسد انتهى منذ زمن مضى، ولولا الدعم الروسي والإيراني؛ لم يبق له من وجود. وبحسب تصوري، فإن الهجوم المتوقع لن يحصل، لعدة أسباب أهمها: وجود أكثر من ثلاثة ملايين ما بين نازح ومهجر، إضافة إلى السكان الأصليين، وضعف قدرة النظام عسكريًا، لولا الدعم الروسي، وكذلك وعورة جبال المنطقة خصوصًا من الجهة الغربية. ولا يمكن أن يكون هناك أي صدام بين الروس والأتراك إلا في ظل تفاهمات دولية؛ لأن تركيا غير مستعدة لاستقبال موجات جديدة من النازحين، ولكن يبقى الترقب سيد الموقف”.

الكاتب السوري محمد زكريا السقال قال لـ (جيرون): “ما زال على قوى الثورة، على الرغم من كل شيء في هذه الحقبة وهذا المفصل، أن تعمل على أن يكون لها حضور واعٍ فاعل ومنظم، وهذا لم يحصل حتى الآن، لذلك فإن ثورتنا ما زالت محكومة بالعامل المرتهن والمخطط الذي رُسم بأيدي آخرين، لتطويعها والقضاء على بؤرها وتركيع ساحاتها، بمعنى آخر: فقد السوريون في هذه العملية المستمرة زمام المبادرة في تحديد قرارهم ودورهم. والآخر هو من يقرر مستقبل سورية وتطويعها كساحة نفوذ لتناقضات وصراعات إقليمية ودولية، وفي هذا السياق، تاهت أحلام وآمال السوريين في مستقبل وطنهم، وأصبحوا في هذه المعمعة (بنك دماء): جموع تقتل وتشرد، وشاهد يدفع بدمائه ضريبة مأساة مخيفة ومرعبة بكل المعاني والأبعاد”.

وأضاف السقال: “مع فقدان الدور؛ أصبحت مجمل المؤسسات المفترضة للثورة السورية، كما هو واقع الحال، مرتبطة ومرتهنة للآخر، وهي تلعب دور الكومبارس في أحسن الحالات، مستكينة بموقع المراقب البائس المشلول، تنتظر أدوارًا يرسمها لها الآخر؛ فالجنوب رسمت إسرائيل ملامحه، عن طريق التعاون مع العراب الروسي الذي يحلم بحصة تحدد مستقبل إمبراطورية بوتين في المنطقة. والإيراني الشريك يناور ويعمل لأخذ حصته وتثبيت نفوذه، حيث يضبط الروسي الإيقاع ما بينهما. أما في الشمال فقد استطاع الأتراك توجيه رسالة واضحة المعالم للأميركان (وجه العملة الآخر للنفوذ الدولي)، توضح همومهم المتعلقة بحصتهم من كعكتنا، إضافة إلى عدم وجود كيان كردي على خاصرتهم. والواضح تفهم الأميركان للحصة والهاجس، وهو ما دعا الجانب الكردي وخاصة (قسد) إلى إعادة ترتيب وضعها مع النظام والروس وموافقة أميركا”.

يرى السقال أن “إدلب ستكون الساحة المقبلة بعد درعا، وسيقرر مصيرها الأتراك والروس بالاتفاق مع الأميركان، حيث يكثر الحديث عن معركة حامية ستكون هناك، لكنا نستشرف، من الشواهد والاتفاقات التي تحدث تحت الطاولة وفوقها، أن هذا الأمر أصبح على طاولة المفاوضات، وسيوكل لتركيا بعد ضمان وضع الكرد، تطويع إدلب وضبط الإيقاع فيها؛ ما يعني أيضًا إعادة ترتيب علاقتها مع النظام. في كل الأحوال، إن قوى الثورة السورية ستبقى خارج الفعل (بنك دماء)، والنظام أيضًا سقط مع حفظ دور له يراد أن يكون فيه واجهة ومفتاح الترتيب، أي (البرغي) الفاعل في إدارته، وهذا الدور قد يطول أو يقصر، فهو رهن بقوى الصراع الدولية والإقليمية وتفاهماتها.

بخصوص هزيمة مشروع الثورة في سورية، قال: “نعم، هُزم في هذه الحقبة، مع هذا البناء الفاسد المعاق الذي ركب الثورة، وأفرز تجار سياسة وأمراء حرب مرتبطين ومرتهنين، ومواطنًا يعيش حرقة وغصة على فقدان أحبته وداره ووطنه. مفصل مرّ من تاريخ سورية يصفعنا كلنا، ويحتم علينا، من موقف المسؤولية التاريخية تجاه وطننا ومستقبله، فتح الملف كاملًا، بعثراته وسلبياته والاستفادة من كل هذا السياق، لإعادة رسم دور فاعل في مستقبل سورية الوطن”.

الكاتب السوري عزت الشيخ سعيد قال: “بعد أن تمّ تسليم درعا، كمن سبقها من المدن والبلدات الثائرة، بالشروط والمخرجات المذلة والكارثية على الثورة السورية، ومن تبقى من شعب سورية الثائر، لم يبق من المناطق الثائرة سوى إدلب، التي تحتضن ما يزيد عن ثلاثة ملايين من أبناء سورية، جزء لا يستهان منهم من المهجرين والمبعدين نتيجة المصالحات التي أجراها النظام مع الفصائل المسلحة برعاية روسية، لتصبح إدلب آخر المناطق المحررة التي هي خارج سيطرة النظام”. ويرى سعيد أن “الرهان عليها في قلب الطاولة يبدو من المستحيلات، في ظل الظروف القائمة، وبحسب الوقائع والمعطيات، فإن إدلب أمام سيناريوين هما: إما أن تدخل تركيا إليها وتقوم بتفكيك الفصائل وعلى رأسها (النصرة) و(الأحرار)، وجمع الأسلحة المتوسطة والثقيلة الموجودة لديهم، وذلك بغية تجنيب إدلب ما حدث للغوطة ودرعا وغيرهما، من قتل وتشريد وقصف ودمار وخراب، وخوفها من عودة تدفق اللاجئين إليها، وكل هذا تمهيدًا لتسليمها، وهو ما حدث للغوطة ودرعا، مع فارق الكثافة السكانية وعدم وجود أماكن لترحيل رافضي شروط الإذعان الروسية، والخوف عندها من حدوث مجزرة كبيرة. وبسقوط إدلب (آخر معاقل الثورة)، تكون روسيا قد قامت بالمهمة الموكلة إليها، وهي التي رفعت شعار لا حل عسكريًا في سورية، ولا غالب ولا مغلوب، وإنما الحلّ سياسي، وسعت فعلًا لإنجاز نصر عسكري، تمهيدًا لحل سياسي يتم فرضه على سورية وشعبها، وهو حل يحاول تحقيق مصالح من تدخلوا في سورية، قبل مصالح سورية وشعبها الثائر”.

بينما اكتفت الباحثة السورية جورجينا ميرزا بالقول: “نعم، ستُضرب إدلب بكل تأكيد، وهم يجمعونهم في إدلب من أجل ذلك، على المدى الطويل”.

مقالات ذات صلة

إغلاق