مقالات الرأي

التقرير

في سنوات الجمر المتواصل، كانت أقلام السوء، في مختلف قطاعات الحياة السورية، تتسلى بكتابة التقارير بحق الآخرين أيًا كانوا، من المنتمين إلى هذا الطرف أو ذاك، من المعادلة الداخلية السورية التي تميّزت بتعقيدات بنيوية ورمزية متعددة ومتشابكة. واعتُبرت هذه الممارسة رياضة وطنية ربما لو أُجريت في مجالها منافسات دولية، لحاز السوريون العددَ الأكبر من الميداليات في التقرير والإخبار عن بعضهم بعضًا.

تنوّعت أنواع هذه التقارير وتنوّع كاتبوها، فمن تقارير سردية إلى تقارير كيدية إلى تقارير محوّرة إلى تقارير مُختَلَقة من الألف إلى الياء وإلى آخره. ونادرًا ما كانت التقارير تخصّ المسألة الوطنية، إن جاز التعبير، بحيث تغار على حرمة “الوطن” و”سيادته”، أو تسعى لكشف “جواسيس” القوى المتربّصة بقيلولة شعبنا العظيم أو بطمأنينتيه المستمدّة من مكوثه المستمر في ظل منظومة سياسية واقتصادية وثقافية أمنوقراطية.

ولوصف كتبة التقارير، وربما كانوا هم الغالبون عددًا في مجتمع الخوف والشك، كان يحلو للبعض القول بأنهم أصحاب “الخط الجميل”. وربط الجمال بالأذى هو أيضًا خصوصية ثقافية تمتع، وما زال، بها السوريون منذ بدء تأميم المشهد العام ومحاصرة التعبير، مع “الوحدة” المصطنعة مع مصر سنة 1958. فهذا الخط القبيح الذي تسلّى البعض في اقترافه، طوال سنوات، أودى بالمئات، بل بالآلاف، إلى غياهب المعتقلات في ظل انعدام دولة القانون، أي قانون ولو كان شريعة الغاب، حيث وعكس ما أُرضعنا من مسلمّات، في هذا الغاب نوعٌ ما من القواعد والأسس. وفي بعض الأحيان، ساهمت التقارير وكتبتها في فقدان عدد كبير أيضًا من الناس لممتلكاتهم أو لوظائفهم ولكرامتهم أو ما تبقى منها في ظل المسار الأمنوقراطي السائد.

وكما أن العلم في الصغر هو كالنقش في الحجر، فقد فطن “القادة”، نظريًا وعمليًا، إلى أهمية “التقرير” في حياة الشعوب، أو بالأحرى، في إماتة الشعور، فعمدوا إلى زرع بذرة الكتابة، وهنا الكتابة لا علاقة لها بالإبداع أو بأي مُنتج إنساني، يحمل الحد الأدنى من مقومات الجمال التعبيري، في عقول وممارسات الإنسان، أو ما تبقى منه، منذ نعومة أظفاره. ففي المدرسة، حيث المعلم مدعو إلى المساهمة في بناء الوعي نظريًا، يقوم عمليًا في الأغلب، بتعزيز مقدرات التلاميذ على النميمة ونقل الأحاديث، ولا سيّما إنْ كان هذا المعلم مُتجذّر الانتماء إلى فئة الكتبة. فحتى ما قبل تعلم الكتابة، وهو ما يتأخر غالبًا لأنه ليس أولوية، فالتلميذ الطفل مدعوٌ -في إطار فردي أو منظم- إلى أن ينقل ما يتناوله أهله من أحاديث وأسرار، يمكن لها أن تفيد في مسلسل الخوف المنشود. ومع النمو الجسدي والذهني، في حدود ما هو متاح، يُصبح التلميذ طالبًا ويصير محترفًا، كما معلمه، في مجال كتابة التقارير.

وعلى سبيل المثال لا الحصر لأنه مستحيل بالتأكيد، في هذا المجال الثري تجربةً وإساءةً، فقد كان الحاسد إن حسد وشاهد زميلًا يدخل مقصف الجامعة مع زميلة له، يعمد إلى كتابة تقريرٍ كيدي ناجم عن عقدة لا يمكن إلا لفرويد أن يُحللها. وتزيد الطامة كبرًا عندما يصل هذا الزميل المستهدف إلى الكلية بسيارته أو سيارة أحد من محيطه. فهو برجوازي عفن، أو حيادي سلبي. وهذا الزميل نفسه سيكون “صديقًا” أو “حياديًا إيجابيًا” إن رضي، لسبب ما، صاحب الذمّة السياسية الواسعة والخط القبيح.

تمتد ثقافة التقارير إلى الحياة العملية، وتصبح وسيلة للترقية أو الابتعاث أو إرضاء من هم أعلى منزلةً عند صاحب الأمر والنهي، صغيرًا كان أم كبيرًا في الحجم وفي المسؤولية وفي إمكانية الإساءة. وقبع عديدون في السجون حتى الممات النفسي أو الجسدي، أو هم ماتوا تحت التعذيب المستند إلى التقرير. وصار من الطبيعي أن يتبوأ فاشلٌ، علميًا وعمليًا، وقبل ذلك أخلاقيًا، منصبًا أساسًا بالاستناد إلى نتاجه الغزير من التقارير.

لقد شجعت المنظومة القائمة على نشر “ثقافة” كتابة التقارير؛ إمعانًا منها في “إمساك” المجتمع والحيلولة دون انبثاق أي مبادرة، ولو كانت فردية، للتعبير خارج ما فرضته على رعيتها من حدود. وبعد أن نشأت أجيال في كنف هذه “الثقافة”، دخلت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة على خط “التحديث والتطوير” في الإساءة، وصار كتبة التقارير أكثر “فاعلية”. حتى في كنفات الثورة الموءودة، استمرت هذه “الثقافة” العفنة بالنمو.

مقالات ذات صلة

إغلاق