أدب وفنون

زكريا تامر، الحداد الشرس

على الرغم من مرور عقود على آخر مرة رأيتُ فيها الأديب الساخر زكريا تامر، وجهًا لوجه، فإنَّه كان هناك في بهو الفندق الذي جمعنا في ربيع عام 2011.. هو لم يتغير في جلسته ولفافته وسعاله وسخريته. وهو لم يفاجئني ويفجعني في موقفه من الثورة السورية الوليدة آنذاك، مثل حنّا مينا وعشرات الكتاب السوريين الذين انحازوا إلى نظام الأسد، أو تواطؤوا معه، أو اتخذوا موقف الحياد والصمت حياله. كان زكريا يكتب من منفاه في بريطانيا، بأسلوبه الساخر، مضمون العبارات التي كتبها أطفال درعا ببراءتهم (إجاك الدور يا دكتور) بل يهتف على طريقته الأخاذة، في صفحته على (فيسبوك)، بمضمون هتاف ثلة الشبان والشابات الشجعان الذين خرجوا في دمشق يوم الخامس عشر من آذار عام 2011: (حرية حرية.. سلمية سلمية.. الله سوريا حرية وبس). وهو لم ينحز إلى طائفته، كما فعل أدونيس وأضرابه من الطائفيين الذين كشفوا عن عاهة مزمنة، لم تعالجها قراءاتهم ومؤلفاتهم على كثرتها؛ بل انحاز إلى حرية شعبه، بمفهومها الإنساني الذي يرقى على التقوقع الطائفي والقومي والعنصري. هو هو زكريا تامر، منذ برز اسمه عام 1958، حين بدأ يكتب القصة القصيرة والخاطرة الهجائية الساخرة. وفي ذلك يقول صنوه في الأدب الساخر محمد الماغوط: (بدأ زكريا تامر حياته حدادًا شرسًا في معمل، وعندما انطلق من حي البحصة في دمشق، بلفافته وسعاله المعهودين، ليصبح كاتبًا، لم يتخل عن مهنته الأصلية، بل بقي حدادًا شرسًا، ولكن في وطن من الفخار! لم يترك فيه شيئًا قائمًا إلا حطّمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون، لأنها بحماية جيدة). كما أنَّ زكريا الطفل الذي ترك مدرسته الابتدائية بسبب فقره، وراح يعمل حدادًا ثم نجارًا، لا يعزو موهبته ونتاجه الأدبي الضخم إلى نشأته الفقيرة، بل يسخر ممن يربطون نجاح الأديب والفنان والعالِم بنشأته الفقيرة، فيقول: “ساذج من يظن أن الراحة المادية للكاتب تغريه بالتكاسل، فالكاتب مخلوق من لحم ودم، ويحق له ما يحق لغيره من الكائنات البشرية، أما الأوهام الزاعمة بأن الفقر ينمي الموهبة ويصقلها، وأن الشقاء يشجع على الإبداع والابتكار، فهي أوهام لا يليق بها إلا الدفن، وما دمت أكتب بنشاط من دون أي تقدير معنوي أو مادي؛ فليس من المعقول أنّ أستسلم للكسل، بعد التقدير غير المتوقع الذي نلته. عمومًا، أنا كتاباتي مجانية وليس لها ثمن، لأنها للحياة والإنسان”.

كنت مشتاقًا للجلوس إليه، فهو رجل دافئ بسيط يأخذك إلى عوالمه، وأنت تتأمل في وجهه الذي لا يزال نضرًا رغم سني عمره الطويلة التي امتدت منذ عام 1931 حتى الآن. قال لي وبيننا فنجانا قهوة: “أعيش في قرية إنكليزية بعيدة عن المدن، وقليلًا ما ألتقي بالسوريين والعرب. فأنا أقرأ وأكتب طوال الوقت راضيًا سعيدًا”. وهو في الحقيقة اختار منفاه منذ عام 1981، وكان ذلك مفاجئًا، من أديب شهير وجهير ومحبوب من عامة الناس، كبارًا وأطفالًا، كما من النخبة المثقفة، وبعدما حظي بتقدير لافت من جميع الأوساط في سورية والوطن العربي. لكن كتاباته تفضح السبب، فهو في قصته (صهيل الجواد الأبيض) يعبّر عن غربته في وطنه قائلًا: “وجهي خشب مهترئ بلا سماء. هل يضحك ميت؟ مدينتي صليبها مقهى وشارع، ما أمنيتك أيها الرجل الكئيب الأكثر حياة من أرضٍ بكر؟”. ويجيب على نفسه بنفسه: “أن أنام مئة سنة”.

بدأ زكريا تامر يكتب القصة القصيرة والخاطرة الهجائية الساخرة، منذ عام 1958، والقصة الموجهة إلى الأطفال منذ عام 1968. ترأس تحرير مجلة (الموقف الأدبي)، ومجلة (أسامة)، ومجلة (المعرفة). كما ساهم في تأسيس اتحاد الكتاب في سورية، أواخر عام 1969، وكان رئيسًا للجنة سيناريوهات أفلام القطاع الخاص، في مؤسسة السينما في سورية. كما شارك في مؤتمرات وندوات عقدت في بقاع شتى من العالم. وكان رئيسًا للجنة التحكيم في المسابقة التي أجرتها جامعة اللاذقية عام 1979. والمسابقة القصصية التي أجرتها جريدة (تشرين) السورية عام 1981. لكنه ترك كل ذلك خلف ظهره، ومضى إلى المكان الذي يستطيع فيه أن يحلق في سماء حرة، ويتنفس هواءً نظيفًا، فيبدع إنتاجًا أدبيًا انتشر حول العالم، مترجمًا إلى اللغات الفرنسية والروسية والانجليزية والألمانية والايطالية والبلغارية والإسبانية والصربية. حين تمسك بأحد كتبه بهدف الاطلاع على موضوعه، تمسك بك القصة الأولى، ولا تتركك القصة الثانية والثالثة، حتى تصل إلى الغلاف الأخير. في قصة (الرجل الميت) تقرأ: “أحنيت رأسي في شارع مقفر، واستولى عليّ خجل ممتزج بخوف، عندما بصق في وجهي مخلوق لا أعرفه -ربما كان أبلهًا- وقال: اقتلني إن شئت.. ألم تغضب؟ قلت: أتحب الموت إلى هذه الدرجة؟ قال: الموت شهي كامرأة ناضجة. قلت: انتحر إذن. قال: أنا لا أملك ثمن خنجر يميتني، ليتني أملك ثمن خنجر، فأعطيته نقودًا تكفي لتحقيق أمنيته، ثم سألته بينما كنت أفكر في صبية نضرة كسنبلة خضراء، انتحرت خلسةً ذات ليلة: هل ستنتحر الآن؟ فضحك بمرح وقال: الحياة جميلة، وهطلت الأمطار”. عشرات المجموعات القصصية للأطفال وللكبار أنجزها زكريا تامر، بين عامي 1978 و2015 منها: قالت الوردة للسنونو، الجراد في المدينة، النمور في اليوم العاشر، هجاء القتيل لقاتله، دمشق الحرائق، سنضحك، نداء نوح، تكسير ركب، ومجموعة مقالات عام 2015 تحت عنوان: أرض الويل.

مقالات ذات صلة

إغلاق